شخصيات الإصلاح
| بقلم |
![]() |
| التحرير الإصلاح |
| أ.د.محمد جابر الأنصاري |
أ.د.محمد جابر الأنصاري (1939 - 26 ديسمبر 2024)، هو كاتب ومفكر بحريني، أستاذ دراسات الحضارة الإسلاميّة والفكر المعاصر، وعميد كلّية الدّراسات العليا في جامعة الخليج في البحرين وعضو المجلس الوطني للثّقافة والآداب والفنون في البحرين. وهو من قيادات التّيار القومي النّاصري في البحرين والوطن العربي، وتميّزت أعماله باتساق الرّؤية الفكريّة في إطار مشروع نقدي للفكر العربي السّائد تطلّعاً إلى تجديد المشروع النّهضوي، كما تميّزت رؤيته الفكريّة بالتّشخيص العيني للواقع العربي في أبعاده السّياسيّة والاجتماعيّة والحضاريّة في حقلي التّراث العربي الإسلامي وفكر عصر النّهضة.
ولد الأنصاري عام 1939 في البحرين، أين نشأ وتعلّم إلى أن أتمّ دراسته الثّانويّة، ثمّ انتقل إلى الجامعة الأمريكيّة في بيروت. وهناك، حصل على بكالوريوس الآداب عام 1963، ثمّ الماجستير في الأدب الأندلسي عام 1966، ليكون أوّل بحريني يحصل على هذه الدّرجة. وواصل مسيرته الأكاديميّة ونال درجة الدّكتوراه في الفلسفة الإسلاميّة الحديثة والمعاصرة عام 1979. ثمّ انتقل إلى جامعة كامبردج البريطانيّة، وفي العام 1982، توجّه إلى باريس لدراسة الثّقافة الفرنسيّة في جامعة السّوربون، ممّا أثرى رؤيته الفكريّة وعمّق فهمه للثّقافات المختلفة.
تميزت الحياة المهنية للأنصاري بتنوع المناصب والمسؤوليّات. فقد شغل منصب رئيس الإعلام وعضو مجلس الدولة بين عامي 1969 و1971. واسّس مع ثلّة من الأدباء أسرة الأدباء والكتاب، وتولى رئاستها عام 1969. وعلى الصّعيد الأكاديمي، عمل الأنصاري أستاذاً لدراسات الحضارة الإسلاميّة والفكر المعاصر، وتولّى منصب عميد كلّية الدّراسات العليا في جامعة الخليج العربي. كما شغل منصب مستشار الملك للشّؤون الثّقافية والعلميّة، ممّا عزز دوره في صياغة السّياسات الثّقافيّة لبلاده.
ترك الأنصاري بصمة واضحة في المشهد الفكري العربي من خلال مؤلّفاته العديدة التي تجاوزت العشرين كتاباً، متناولا قضايا محوريّة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، ومحاولا إعادة قراءة التّراث الفكري العربي الإسلامي بعين جديدة تلتقط الجوانب العقلانيّة في هذا التّراث (بما فيه النّصوص المقدّسة)، والبناء على العقل من أجل تشييد عمارة الحضور العربي في الحيّ الإنساني الفسيح.
من أبرز مؤلّفاته: «مساءلة الهزيمة: جديد العقل العربي بين صدمة 1967 ومنعطف الألفية»(2001)، و«تحوّلات الفكر والسّياسة في الشّرق العربي»(1988)، و«الفكر العربي وصراع الأضداد»(1996)، و«تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية»(1994)، و«التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام»(1995)، و«العالم والعرب سنة 2000»(1988)، و«تجديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها»(1992)»، الحساسيّة المغربيّة والثّقافة المشرقيّة»(1988)، و«التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق»(1992). كما كتب بانتظام في العديد من الصّحف والدّوريات العربيّة، كمجلة «الدّوحة» القطرية و«العربي» الكويتيّة، مساهماً في إثراء النّقاش الفكري حول قضايا الخليج والعالم العربي.
أنجز الدّكتور الأنصاري مشروعين كبيرين، الأول في «نقد الفكر العربي»، والثّاني في «نقد الواقع العربي»، وقد أفرد لكلّ مشروع ثلاثة كتب، لتكون الكتب السّتة في هذين المشروعين، أكثر البراهين على تميّز المنهج النّقدي في فكره. ففي كتابه «مساءلة الهزيمة» حاول المفكّر الرّاحل رصد سيرة العقل العربي في الثلث الثالث من القرن العشرين والوقوف على آثار هزيمة عام 1967 على الوجدان والكيان العربي، ومناقشة تداعيات حرب الخليج الثّانية والغزو العراقي للكويت عام 1990، ليستنتج أنّ الأزمة العربيّة تكمن في التّخلّف، وأنّ الفكر العربي في تلك الفترة خاصّة بعد هزيمة 1967 هو «فكر تحت الحصار» بأوسع معاني الكلمة.
ويعتبر الأنصاري أنّه إذا كانت قضيّة فلسطين قضيّة العرب الأولى فإنّ التخلّف العربي هو نكبة العرب الأولى، وأيّ محاولة لإنكاره بأيّ عذر من الأعذار والمبرّرات لن تؤدّي إلاّ إلى المزيد من الضّياع والتيه بل إلى فقدان الوجود والحضور في هذا العصر.
يرى الأنصاري أنّ الواقع العربي يتعرض لحصار إسرائيلي، وإيراني وتركي، من جهة ولحصار ناتج عن الصراع الدّاخلي من جهة أخرى. أمّا العقل العربي فيتعرض لحصار الوعي الذّاتي الملتبس برغم المعلوماتيّة الهائلة المتدفّقة ولحصار أصولي هو أقسى أنواع الحصار لأنّه إرهاب ذاتي داخلي، فالصّحوة الإسلاميّة في فترة من الفترات، جعلت العقل الإسلامي ماضويّا معاديا للعقل، منشغلا بمذهبيّات وفتن تاريخيّة، وكأنّه لم يعد العقل الذي قدّم عبقرية عمر السّياسيّة وعبقريّة جعفر الصّادق الفقهيّة وعبقريّة الفلاسفة العظام مثل الكندي وابن سينا وابن رشد.
ويربط الأنصاري بين عداوة العقل ومرحلة الصّلح مع إسرائيل، إذ كان من مقتضيات عقد الصّلح مع إسرائيل إعلان الحرب ضدّ العقل في الإسلام وتكريس القطيعة مع العقل الإسلامي ذاته وليس مع العقل المدني أو العلماني الذي يمكن سحب جواز مروره من الضّمير الإسلامي بسهولة، ولكن المطلوب تحطيم العقل الإسلامي ذاته كرافعة للتّقدم الحقيقي وبلوغ القوّة الحضاريّة في العالم الإسلامي».
ويرى أيضا أنّ هناك رابطا بين الهيمنة الإسرائيليّة والاستشراء الأصولي مع الإقرار بمقاومة بعض الفصائل الإسلاميّة للهيمنة الإسرائيليّة (حماس في فلسطين والمقاومة الوطنيّة في جنوب لبنان)، فأبشع المذابح التي تعرّض لها العرب والمسلمون في السّنوات الأخيرة جاءت من طرفين ليس من المألوف الرّبط بينهما، وهما الإرهاب الإسرائيلي، والإرهاب الأصولي (داعش وأخواتها)، وهذه المذابح ليست سوى عنوان صارخ لهيمنة متزامنة من القوتين النّقيضتين على مصائر العرب والمسلمين في هذه الحقبة. ويعتبر الأنصاري الأصوليّة جمودا قاتلا على القديم الذي نسيناه، ولذلك يبدو حديثاً. ويرى أنّ الحروب عليها، وبخاصّةٍ إن كانت من الأجانب، سوف تجدّدها وتزيدها راديكالية!
في كتابه «شواغل الفكر بين الإسلام والعصر»، درس الأنصاري ظاهرتي: الثّبات على التّقليد، والنّزوع إلى التّجديد والتّغيير. وأورد شواهد على النّزعتين في القرن العشرين. ورأى أنّ نزعة المحافظة تظلّ أقوى. وكان نقاش الوحدة والانقسام ديْدنه في الكثير من كتبه مثل «التأزّم السّياسي عند العرب» و«العرب والسّياسة.. أين الخلل؟» و«مدخل إلى فهم الواقع العربي». وكان-رحمه اللّه- من السّاعين على الدّوام إلى المصالحة ومعادات الانقسام، مستغربا وقوع العرب في الانقسام لأسبابٍ سخيفةٍ أحياناً بالّرغم من كرههم له. ولأنّه يرى أنّ العربي لا يمكن أن يدخل في خلافاتٍ تخريبيّة لبلده، صرّح عندما حدث الاضطراب في العراق، ثمّ في سورية وليبيا واليمن ولبنان، قائلا:«هذا انقلاب الزّمان، وعمل السّياسات الدّوليّة. الأزمات عند العرب هي دائماً أزمات أخلاقيّة، ولو تأمّلنا ما يجري لما وجدنا فيه أثراً للأخلاق».
رحل الأنصاري، تاركاً إرثاً غنيّاً يتميّز بالشّجاعة والرّيادة والجرأة، لا سيما وهو يعيد -من دون خوف ولا تردّد- قراءة التّاريخ العربي الإسلامي، ويفكّك هواجسه، ويقترب من حرائقه. |




