خواطر

بقلم
شكري سلطاني
فلسفة الحياة
 إنّ ولادة الإنسان ودخوله إلى مسرح الحياة، واندماجه في عالم الأحياء، يحمل معنى ناصعًا وجليًّا، تمامًا كما أنّ موته ومفارقته للدّنيا والتحاقه بعالم الأموات هو أيضًا معنى واضح، لا لبس فيه، وإن لم يكن ظاهرًا في مبنى المحسوس. والحياة ليست مجرّد تتابع زمنيّ بين الميلاد والموت،وليست مجرّد عبور عابر في الزّمن، بل هي فرصة نادرة، ولحظة وجوديّة عميقة، تُحمل على عاتق الإنسان مسؤوليّة واختيارًا ووعيًا.
1) فلسفة الوجود بين الغاية والتّيه
لا بدّ أن يتشبّع وجود الإنسان المؤقّت، هذا الظّرف الآني، بمعنى يُشكّل له قصدًا وغاية، وأمانة ومسؤوليّة. فإمّا أن يحقّق ذاته كحقيقة فرديّة ذات هويّة معنويّة متفرّدة، وإمّا أن يستهلك أيامه في ما لا يعني ولا يفيد، فيخسر بذلك فرصته الوحيدة التي لا تُعاد ولا تتكرر.
الحياة، بما فيها من مظاهر وتحوّلات وتداخلات معقّدة، تحتاج إلى رؤية فلسفيّة، تشبه المصباح الذي ينير درب الإنسان في عالم الضّجيج والتّيه. هذه الفلسفة تُعينه على إدراك ذاته، ورؤية الأشياء على حقيقتها، وتساعده على تحقيق عبوديّته للّه وحده، دون أن يُفتن ببريق الزّائف أو يُغشى ببهرج الظّاهر.
2) ما وراء المعرفة (Metacognition) وفهم الحياة:
حين يتسلّح الإنسان بفلسفة حياة واعية، تتجاوز المعرفة السّطحيّة، وتُعنى بما وراء المعرفة (Metacognition)، أي بوعي الوعي، وإدراك الإدراك؛ فإنّه يصبح قادرًا على التّمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المقصد والانحراف.
لا تولد هذه الفلسفة من فراغ، بل هي حصيلة التّجربة، والتّأمل، والاحتكاك بحقائق حسّية تُلامس النّفس والهوى، وتفتح في داخله أبواب الفهم العميق والنّظر الثّاقب. فالمظاهر كثيرًا ما تخدع الإنسان، والظواهر قد توهمه، والعلاقات والأحداث قد تُربكه، فيضلّ عن مقصده، وتضيع غاية وجوده.
3) بين الحقيقة والوهم
فلسفة الحياة، في جوهرها، هي برزخ بين الحقيقة والوهم، فصلٌ رقيق بين ما هو موجود فعلاً في ميزان الوجود الإلهي، وما يتمثّله الإنسان في عقله وتميل إليه نفسه. إننا غالبًا لا نرى الوجود كما هو، أي كتجلٍّ للّه في خلقه، وكبصمة للغيب في عالم الشّهادة، بل نراه كما نتصوّره أو نتوهّمه، محكومًا بأهوائنا ومتلبسًا برغباتنا، ومشوّهًا بمخاوفنا وتطلّعاتنا. 
وهكذا، يغدو الوجود – في نظر الغافل – مجرّد ساحة صراع دنيوي، يتنافس فيها النّاس على حظوظهم المادّية، بينما هو – في حقيقته – كتاب مفتوح من آيات اللّه، وفرصة للعبور من الظّاهر إلى الباطن، ومن الفناء إلى البقاء.
4) الفلسفة كمنهج حياة
فلسفة الحياة ليست نظريّة مجرّدة، بل هي بوصلة عمليّة ترشد الإنسان إلى تحويل وجوده إلى مسار من الفهم، والإدراك، والنمو. إنّها تساعده على أن يرى الكون تجلّيًا للّه، وأن يفهم الابتلاء طريقًا للتّرقي، وأن يجعل من الوعي والرّضا سرّ السّكينة والطّمأنينة. 
فالإنسان، في كينونتـه المستقلّة، بما فيها من ميراث بيئي وثقافي وظروف خاصّــة، بحاجــة إلى فكـــر عملــي شمولي، لا يخاصــم الأقدار، ولا يستسلم للواقع استســلام العاجــز، بل يُسهـم في معالجتـه وتهذيبه، من موقع الحرّية والمسؤوليّة.
5) تجاوز الأوهام والتّحرّر من التّبعيّة
الفكر العملي المستنير الذي يتسلّح به الإنسان الواعي، يمكّنه من تشكيل رؤية مستقلّة نسبيًّا عن واقعه، ليعيش ككائن حرّ، عاقل، لا تستعبده الأوهام، ولا تُقيّده الخرافات، ولا تخدعه الشّعارات، ولو جاءت من أفواه المتكلّمين باسم الدّين أو الوطن أو القيم.
وإنّما يتّخذ من خلفيّته الفلسفيّة، ومن تأمّلاته في الحياة، ومن وعيه بحدوده كبشر، أداة لفهم ذاته، ومفتاحًا للتّحرّر من التّكرار المملّ، والانغماس في الفشل والبؤس والتذمّر.
إن حياة الإنسان منحة من اللّه، ووجوده هبة لا تُقدّر بثمن. النّفس والروح وديعة أودعها اللّه في هذا الجسد الفاني، ليجعل من وجوده فرصة للمعرفة والنّمو والتّحوّل، وتجسيدَ قناعاته على أسس متينة من الفطرة السّليمة، والعقل الرّاجح، والنّفس المتزنة.
لا مكان للغرور، ولا مبرّر للجهل، ولا عذر في الطّيش والرّعونة. فمتى يستيقظ الإنسان من سباته؟ ومتى يدرك أنّ الحياة ليست عبثًا، بل مسؤوليّة، وهبة إلهيّة عظيمة؟ 
فالوجود ليس عدمًا، ولا لهوًا، ولا عبثًا بل هو معراج نحو العبوديّة للّه، الوحي مصباحه، والتّجربة مرآته، والكون كتابه المفتوح، والابتلاء جسره، والصّبر والرّضا درجاته، والمعرفة سبيله نحو الحرّية، والوعي أساس الإرادة.