الأولى

بقلم
م.فيصل العش
التدبّر المركّب (1): مدخل إلى الأبعاد الأربعة للهندسة القرآنيّة
 لعلَّ المعلضلةَ الجوهريَّةَ التي تواجهُ العقلَ المسلمَ اليومَ لا تكمنُ في «غيابِ النَّصِّ»، بل تتجذَّرُ عميقاً في «أزمةِ التَّلقِّي». فالقرآنُ الكريمُ، بوصفِهِ المدوَّنةَ التَّأْسيسيَّةَ لهذهِ الأمَّةِ، حاضرٌ في الذَّاكرةِ والحناجرِ تلاوةً وحفظاً، لكنَّهُ كثيراً ما يُغيَّبُ منهجاً وتفعيلاً في معتركِ الحياةِ اليوميَّةِ. إنَّ هذا الانفصالَ بينَ قداسةِ النَّصِّ والواقعِ المعيشِ يفرضُ ضرورةً ملحَّةً للانتقالِ من «تلاوةِ التَّبرُّكِ» السُّكونيَّةِ إلى «قراءةِ التَّحرُّكِ» الفاعلةِ؛ وهذا لا يتأتَّى إلَّا بترقيةِ مفهومِ «التَّدبُّرِ» من مجرَّدِ تأثُّرٍ وجدانيٍّ عابرٍ، ليكونَ «هندسةً معرفيَّةً» شاملةً، تعيدُ ترميمَ بنيةِ العقلِ المسلمِ، وتصوغُ علاقتَهُ باللُّغةِ والوجودِ من جديدٍ. فإذا كانَ زمنُ التَّنزيلِ قد خُتِمَ بوفاةِ النَّبيِّ ﷺ، فإنَّ أفقَ التَّدبُّرِ صيرورةٌ معرفيَّةٌ لا تتوقَّفُ؛ تهدفُ لاستنباتِ إجاباتٍ حيَّةٍ لتحدِّياتِ العصرِ المتسارعةِ، وتحويلِ الانتماءِ للإسلامِ من «وراثةٍ» عمياءَ تقفُ عندَ حدودِ الهويَّةِ الجامدةِ، إلى «دراسةٍ» مُبصرةٍ تخلقُ شهوداً حضاريّاً فاعلاً.
من هذا المنطلقِ النَّسقيِّ، لا يستقيمُ المشروعُ التَّدبُّريُّ إلَّا عبرَ حركةِ وعيٍ مركَّبةٍ تتضافرُ فيها أربعةُ أبعادٍ متلازمةٍ؛ تبدأُ بالمدخلِ البيانيِّ الَّذي يجمعُ بينَ هندسةِ اللُّغةِ وجماليَّةِ التَّصويرِ؛ ليعبرَ العقلُ منهُ إلى الأفقِ الفلسفيِّ مستكشفاً الرُّؤيةَ الكُلِّيَّةَ للوجودِ وسننَ التَّاريخِ الحاكمةِ. ولا يقفُ الأمرُ عندَ التَّنظيرِ العقليِّ، بل يتنزَّلُ المعنى قيمةً أخلاقيَّةً تهذِّبُ الوجدانَ وتضبطُ البوصلةَ السُّلوكيَّةَ للفردِ؛ ليفيضَ هذا الامتلاءُ الدَّاخليُّ حراكاً اجتماعيّاً راشداً يؤسِّسُ للعمرانِ. هكذا فقط، يتحوَّلُ النَّصُّ من كلماتٍ مقروءةٍ إلى طاقةٍ تغييريَّةٍ، تبدأُ من فقهِ «الكلمةِ» لتثمرَ في «عمارةِ الأرضِ».
يستعرضُ هذا المقالُ الأبعادَ الأربعةَ بصفةٍ جمليَّةٍ على أن نعودَ إليها بالتَّدقيقِ والتَّحليلِ كلَّ واحدٍ على حدةٍ في المقالاتِ القادمةِ إن شاءَ اللهُ.
1.   البُعْدُ البَيَانِيّ: مِنْ هَنْدَسَةِ المَبْنَى إِلَى جَمَالِيَّةِ التَّصْوِير
يبدأ التّدبّر حتماً من «عتبة اللّغة»؛ فالقرآن معجزة بيانيّة مزدوجة، تجمع بين «صَرَامَةِ الهَنْدَسَة» و«سِحْرِ الجَمَال». في هذا البعد، يُعامل النّصّ كنسيجٍ حيّ ومحكم  وليس كوعاءٍ سلبيّ للأفكار؛ فالمبنى هنا لا ينفكّ عن المعنى، والجرس الموسيقيّ لا ينفصل عن التّأثير النّفسيّ. 
وكما أَصَّلَ عبد القاهر الجرجاني(1) في «دلائل الإعجاز»، فَإِنَّ القرآن ليس كلمات مُتَرَاصَّة، بل «هندسة لُغَوِيَّة» تتبع فيها الألفاظُ معانيها بِدِقَّة، فلا تقديم ولا تأخير إِلَّا لغرض(2). ويرتقي الفيلسوف طه عبد الرحمن بهذا المفهوم، مُؤَكِّداً في «روح الدِّين» أَنَّ العلاقة بين اللفظ والمعنى في القرآن «وُجُودِيَّة» لا اعْتِبَاطِيَّة؛ فالمفاهيم القرآنية ليست مُجَرَّد دلالات ذِهْنِيَّة، بل هي «قيم عَمَلِيَّة»؛ إذ لا انفصال في التداول القرآني بين القول والفعل(3).
بناءً على ذلك، يتفرّع التّدبّر البيانيّ إلى شقّين متكاملين؛ يخاطب الأوّل العقل، ويخاطب الثّاني الوجدان:
أ. الشِّقُّ اللُّغَوِيّ (هَنْدَسَةُ النَّظْمِ وَالمُفْرَدَة): يرتكز هذا الشّقّ على تفكيك «شفرة الخطاب» عبر فحص دقيق لآليّات البناء:
* هندسة المفردة (فِقْهُ الاخْتِيَار): هنا لا يمرّ المتدبّر على الكلمات مرور الكرام، بل يتوقّف ليسأل: لماذا اختار الله هذه الكلمة بالذّات؟ يبحث عن السّرّ الدّقيق: لِمَ قال «خشية» ولم يقل «خوف»؟ ولِمَ استعمل «أتى» بدلاً من «جاء»؟ ليكتشف مع كلّ سؤال يطرحه أنّ للقرآن قاموسه الخاصّ؛ فحين يقول «الرِّيَاح» فإنّه يقصد الرّحمة، وحين يقول «الرِّيح» فإنّه يقصد العذاب.
* هندسة الجملة (بَلَاغَةُ التَّرْكِيب): هنا ننتقل إلى تأمّل «البناء الكامل»؛ لنكتشف كيف يصنع النّحوُ المعنى. يتساءل المتدبّر: لِمَ تقدّمت هذه الكلمة وتأخّرت تلك؟ حينها يدرك أنّ الإعراب ليس مجرّد قواعد جافّة، بل هو مفتاحٌ لفهم الرّسالة، وخيطٌ يربط الآيات ببعضها لتكتمل الصّورة.
ب. الشِّقُّ الجَمَالِيّ (سِحْرُ التَّصْوِيرِ وَالإِيقَاع): هنا ينتقل التّدبّر من «الفهم» إلى «التّذوّق»، حيث يتحوّل النّصّ إلى لوحات حيّة وموسيقى داخليّة من خلال التصوير الفنّي وهندسة الصّوت:
* التّصوير الفنّيّ (تَجْسِيدُ المَعْنَى): لا يطرح القرآن الأفكار كمعادلات مجرّدة، بل يحوّلها إلى «مشاهد شاخصة» تنبض بالحياة. فالمتدبّر لا يقرأ المعنى فحسب، بل يراه رأي العين؛ ممّا يجعل الفكرة تستقرّ في سويداء القلب لا في سطح الذّاكرة.
* هندسة الصّوت (نَبْضُ الكَلِمَات): هي الإنصات إلى «فيزياء الكلمات»؛ حيث يلاحظ المتدبّر كيف تختار الآيةُ نغمتَها ببراعة. فتارةً تستخدم حروفاً قويّةً صاخبة لترسم مشهد الوعيد، وتارةً تهمس بحروفٍ ليّنة هادئة لتنقل مشاعر الرّحمة. في هذا البعد، يصبح «الجرس» جزءاً لا يتجزّأ من «المعنى»، ووسيلةً لاختراق حواجز النّفس البشريّة.
2.  البُعد الفلسفيّ: من هندسة النّصّ إلى هندسة الوعي
إذا كان البعد البيانيّ يفكّك شفرة «اللّغة» ويستجلي جماليّاتها، فإنّ البعد الفلسفيّ يعيد تركيب «الوعي»؛ حيث يتحوّل النّصّ القرآنيّ بين يدي المتدبّر من مجرّد كلمات مقروءة إلى منظارٍ كونيّ يعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم. في هذا المستوى، يتجاوز العقل جماليّات البيان ليسعى إلى «هندسة الوعي» وربط الوحي بحقائق الوجود الكبرى، وذلك بالاستناد إلى أربعة مرتكزات جوهريّة:
أ. جَدَلِيَّة الكتابين (وحدة المعرفة): يُؤَسِّس البُعد الفلسفي لمبدأ «وحدة الوجود»؛ إذ يَتَجَاوَز النظرة إلى القرآن كَنَصٍّ منعزل، لِيَعْتَبِرَهُ «كتاباً مسطوراً» يوازي ويشرح «الكون المنظور». فَالتَّدَبُّر هنا هو حركة مَكُّوكِيَّة واعية بين الوحي والواقع؛ حيث يدعو الْقُرْآنُ العقلَ للسير في الأرض والنّظر في الخلق كَأَدِلَّة بُرْهَانِيَّة، لِتَتَحَوَّل ظواهر الطَّبِيعَة من مُجَرَّد مشاهدات حِسِّيَّة إلى «آيات» دَالَّة، تَتَكَامَل فيها قراءة النَّصِّ مع قراءة الكون.
ب. التَّأْسِيس لِلرُّؤْيَة الْكَوْنِيَّة (غَائِيَّة الوجود): ينقل هذا المرتكز المُتَدَبِّرَ من الوقوف عند ظاهر الألفاظ إلى البحث في «مقاصد الوجود»؛ قاصداً تأسيس رؤية شاملة تجيب عن الأسئلة الكبرى التي حَيَّرَت الفلاسفة: (مِنْ أَيْنَ؟ وَإِلَى أَيْنَ؟ وَلِمَ؟). فَالتَّدَبُّر الفلسفي يغوص في عمق النَّصِّ لاستجلاء حقيقة «الاستخلاف»، وفهم ثقل «الأَمَانَة» التي حملها الإنسان، رابطاً بذكاء بين أَصْل الخلق ومآلات المصير.
ج. فلسفة التَّارِيخ والسُّنَن (حَتْمِيَّة القوانين): يَنْتَقِل التَّدَبُّر الفلسفي من مَرْكَزِيَّة خلاص الفرد إلى آفاقٍ أَوْسَع تَسْتَقْرِئ «السُّنَنِيَّة»؛ أي القوانين الِاجْتِمَاعِيَّة وَالتَّارِيخِيَّة الصارمة (سنن الله في الأَوَّلِين). هنا، يُقرأ القرآن كمدونة لقواعد نهضة الأُمَم وسقوطها، وَيَتِمُّ التَّعَامُل مع مفاهيم «الحق والباطل» لا كأحداث أَخْلَاقِيَّة عابرة، بل كصراع «جَدَلِيّ» يحكم حركة التاريخ ومسار الحضارات، مِمَّا يمنح المُتَدَبِّر قدرةً اسْتِشْرَافِيَّة للعواقب بناءً على المُقَدِّمَات.
د. هندسة العقل (بين البرهان والغيب): أَخِيراً، يُعْنَى هذا البعد بضبط «مَنْهَجِيَّة التَّفْكِير»؛ فَتَدَبُّر القرآن فَلْسَفِيّاً يعني رسم الخرائط الدّقيقة لـ «حدود العقل»، مُمَيِّزاً بوضوح بين مساحة عمل العقل البشري في عالم الشّهادة، وبين التّسليم الواعي في مساحة الغيب. وبهذا التّوازن، يُحَرِّر الوحيُ العقلَ من قيود «الخرافة» والظّنّ، ويعيده إلى مسار التّفكير «الْبُرْهَانِيّ» المنضبط، مُؤَسِّساً لِعَقْلِيَّة نَقْدِيَّة لا تقبل إِلَّا بالدّليل.
3.  البُعْد الأخلاقيّ: من نظريّة المعرفة إلى تزكية السّلوك
إِذَا كان البعد الألسنيّ يمنحنا «أداة الفهم»، والبعد الفلسفيّ يرسم لنا «خارطة الوجود»، فإنّ البعد الأخلاقيّ هو الثّمرة العمليّة لهذه الرّحلة؛ إذ لا قيمة لمعرفة لا تثمر سلوكاً، ولا لفكر لا يهذّب نفساً. ينقل هذا البعد المتدبّر من دائرة «المعلومات» النّظريّة إلى دائرة «التّطبيقات» العمليّة، مرتكزاً على أربع دعائم إصلاحيّة:
أ. تَشْرِيحُ النَّفْس (التَّشْخِيص وَالعِلَاج): يتعامل المتدبّر مع القرآن في هذا المسار كمرآة كاشفة؛ مُنْصَرِفاً عن الوُقُوف عِنْدَ ظَاهِر حُرُوفه، نَحْوَ قِرَاءَةٍ عَمِيقَةٍ تَكْشِف لَهُ «عيوب نفسه»، فالآيات هنا تقوم بعمليّة «مسح ضوئيّ» دقيق لخبايا الصّدور، فتفضح الأمراض الخفيّة (كالكبر، والشّحّ، والنّفاق، والهلع)، ثمّ تقدّم لها التّرْيَاق المناسب من صيدليّة الوحي (كالصّبر، والإحسان، والتّقوى)؛ فيتحوّل التّدبّر إلى جلسة علاج نفسيّ عميق.
ب. بِنَاءُ الضَّمِير (التَّمَثُّل وَالوَازِع): الهدف هنا هو تحويل الأوامر والنّواهي من مجرّد تكاليف قانونيّة جافّة إلى «وازع داخليّ»؛ حيث يسعى المتدبّر إلى (تمثّل) القيم المجرّدة (كالعدل والرّحمة) لتصبح «ملكات راسخة» وأسساً تشكّل هويّة الفرد. إنّه انتقال جوهريّ من سلطة الرّقيب الخارجيّ إلى يقظة الضّمير الدّاخليّ.
ج. هَنْدَسَةُ القُدْوَة (النَّمْذَجَة): يسوق القرآن قصص الأنبياء والصّالحين بِمَنْأَى عن مُجَرَّد التّسلية التّاريخيّة، جَاعِلاً مِنْهَا «نماذج أخلاقيّة» حيّة قابلة للتّكرار، فالمتدبّر الأخلاقيّ يقوم بعمليّة «إسقاط واقعيّ» لهذه الشّخصيّات على حياته؛ فيرى في يوسف نموذج العفّة، وفي أيّوب معيار الصّبر، محاولاً اقتباس هذه السّمات لإعادة بناء شخصيّته وفق القالب القرآنيّ.
د.  مَسْؤُولِيَّة الاسْتِخْلَاف (الاسْتِجَابَة العَمَلِيَّة): يضع هذا البعد القارئ أمام حقيقة «الاستخلاف»؛ فإنّ كلّ قيمة يتدبّرها تستلزم حتماً «استجابة عمليّة» في الواقع المعيش. فيَتَجَاوَز التّدبّر الأخلاقيّ حالة الرّهبانيّة المنعزلة، لِيَتَجَلَّى في شعورٍ عميقٍ بالمسؤوليّة تجاه النّفس والمجتمع، حيث يتحوّل الإيمان من شعور قلبيّ إلى حركة إصلاحيّة على الأرض.
إنّ هذا التدبّر الأخلاقيّ مشروطٌ بفكّ «أقفال القلوب»؛ تلك الحجب المعنويّة (كالكبر، والهوى، والدّوغمائيّة) الّتي تمنع العقل من رؤية الحقائق. وهنا يبرز ابن القيّم كطبيب للقلوب، شارحاً ميكانيزمات هذا التّلقّي، وموضّحاً أنّ الانتفاع بالقرآن مشروط بحياة المحلّ (القلب). يقول في كتابه (الفوائد):«فَإِذَا حَصَلَ المُؤَثِّرُ وَهُوَ القُرْآنُ، وَالمَحَلُّ القَابِلُ وَهُوَ القَلْبُ الحَيُّ، وَوُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ الإِصْغَاءُ، وَانْتَفَى المَانِعُ وَهُوَ اشْتِغَالُ القَلْبِ وَذُهُولُهُ عَنْ مَعْنَى الخِطَابِ وَانْصِرَافُهُ عَنْهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ؛ حَصَلَ الأَثَرُ وَهُوَ الانْتِفَاعُ وَالتَّذَكُّرُ»(4).
بهذا المعنى، يكون التّدبّر ثورةً على أصنام الذّات، ومحاولةً جادّةً لتطهير «العدسة» الّتي نرى بها العالم؛ لأنّ القلب المريض يرى الحقّ باطلاً، والقلب المقفل لا يرى الشّمس ولو كانت في رابعة النّهار.
4.  البعد الاجتماعيّ: من فقه النّفس إلى سنن العمران
في هذا البعد يخرج التّدبّر من دائرة «الفرد» الضّيّقـــــة إلى دائرة «الأُمَّـــــــة» والمجتمع الرّحبـــــة؛ لينظر إلى القــــرآن ككتـــابٍ لـ «سُنَنِ العُمْرَان» وقوانين النّهوض والسّقوط. يركّز هذا البعد على تحويل القيم إلى مؤسّسات، والتّشريعات إلى روابط تضمن تماسك النّسيج الاجتماعيّ، وذلك عبر أربعة مفاهيم سوسيولوجيّة محوريّة:
أ. العَقْدُ الاجْتِمَاعِيّ الإِلَهِيّ (التَّمَاسُك وَضَبْط الصِّرَاع): تعاني المجتمعات الّتي تعتمد على «أهواء البشر» وتّشريعاتهم المتغيّرة كمرجعيّة وحيدة، حتماً من التّناقض والتّضارب (اخْتِلَافاً كَثِيراً)؛ لأنّ المصالح البشريّة والطّبقيّة متضاربة بطبعها، ممّا يؤدّي إلى صراعٍ طبقيّ واجتماعيّ مدمّر. التّدبّر هنا يكشف للمجتمع عن «العقد الاجتماعيّ» الإلهيّ الّذي يتّسم بالثّبات والعدالة المطلقة فوق الهوى البشريّ؛ ممّا يضمن توحيد المرجعيّة، ويحمي المجتمع من التّفكّك النّاتج عن تضارب القوانين.
ب. التَّأْصِيلُ التَّارِيخِيّ (الاسْتِمْرَارِيَّة وَنَفْي الاغْتِرَاب): يعالج التّدبّر إشكاليّة «الغربة الاجتماعيّة» أو الصّدام بين «الجديد» و«الموروث». فالمجتمع المكّيّ رفض الدّعوة بحجّة أنّها تهديد لتقاليد الآباء (الأمن الثّقافيّ). وهنا يأتي التّدبّر ليدعوهم لفهم قيم القرآن كامتداد للقيم الإنسانيّة العليا الّتي عرفها آباؤهم (دِينُ إِبْرَاهِيم)، وليست «بدعة» مدمّرة. إنّه دعوة للمجتمع لكي لا يقطع صلته بجذوره، وفي الوقت نفسه لا ينغلق على ماضيه، بل يتدبّر «القول» ليربط حاضره بماضيه في «سياقٍ تَطَوُّرِيّ» لا تصادميّ؛ ممّا يمنع الاغتراب وفقدان الذّاكرة الحضاريّة.
ج. وَظِيفَةُ النُّخْبَة (قِيَادَةُ الرَّأْي): خصّ الله (أُولِي الأَلْبَاب) بالتّذكّر النّاتج عن التّدبّر، وهم «قادة الرّأي» و«المصلحون». فمن النّاحية الاجتماعيّة، نهضة الأمم لا تقوم على العوامّ (الّذين قد ينساقون وراء العاطفة)، بل على «نواةٍ صُلْبَة» من المفكّرين والعلماء الّذين يملكون أدوات التّفكيك والتّحليل. التّدبّر هنا هو «وظيفة اجتماعيّة» للنّخبة؛ لاستخراج حلول لمشكلات المجتمع (السّياسيّة، والاقتصاديّة، والتّربويّة) من الوحي المبارك، وتحويلها إلى مشاريع عمل تنهض بالأُمَّة.
د. تَحْرِيرُ العَقْلِ الجَمْعِيّ(كَسْرُ الأَقْفَالِ الثَّقَافِيَّة): تَتعدَّى «الأقفالَ» في النَّصِّ القُرآنيِّ حدودَ الحواجزِ النَّفسيَّةِ الفرديَّةِ، لِتتجسَّدَ في هيئةِ «أقفالٍ ثقافيَّةٍ ومجتمعيَّةٍ». فالمجتمعات الّتي تضع «أقفالاً» على عقول أبنائها (كالتعصّب القبليّ، والتّقليد الأعمى، وتقديس الخرافة) هي مجتمعات محكوم عليها بالموت الحضاريّ. التّدبّر هو الأداة الثّوريّة لكسر هذه الأقفال؛ إنّه عمليّة «تحرير للعقل الجمعيّ» من سلطة «ما وجدنا عليه آباءنا» إذا كان باطلاً، ليتحوّل المجتمع من قطيع مغلق إلى فضاء يقبل النّقاش والتّطوير.
خُلَاصَةُ الرُّؤْيَة السُّوسْيُولُوجِيَّة: إنّ التّدبّر الاجتماعيّ هو البحث عن «المعادلة الاجتماعيّة» في القرآن: كيف تتحقّق العدالة؟ وكيف يُدار الاختلاف؟ وكيف تُصان الحقوق؟ إنّه تحويل النّصّ من «مصحفٍ في الرّفّ» إلى «دستورٍ في السّوق». وهنا يحضر المفكّر الجزائريّ مالك بن نبي، الّذي رأى أنّ مشكلة المسلم ليست في نقص «الحقائق القرآنيّة»، بل في غياب «المنهج» لتحويل هذه الحقائق إلى واقع اجتماعيّ وحضاريّ. يقول ابن نبي في (شروط النّهضة): «لَيْسَ الدِّينُ مَجْمُوعَةً مِنَ الحَقَائِقِ المُكَدَّسَةِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَصْنَعُ التَّوَتُّرَ الضَّرُورِيَّ لِلْفَعَّالِيَّةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ... إِنَّ القُرْآنَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كِتَابٍ يُتْلَى، بَلْ كَانَ الشَّرَارَةَ الَّتِي حَوَّلَتِ القَبَائِلَ المُتَنَاحِرَةَ إِلَى أُمَّةٍ، وَالمُجْتَمَعُ الإِسْلَامِيُّ لَا يُبْنَى إِلَّا حِينَمَا يَتَحَوَّلُ القُرْآنُ فِي ضَمِيرِ الفَرْدِ إِلَى قُوَّةٍ دَافِعَةٍ لِلْحَرَكَةِ وَالبِنَاءِ»(5).
خاتمة: نحو تدبّرٍ حضاريّ
صفوة القول، إنّ التّدبّر عمليّة بناء شاملة تهدف إلى استعادة للذّات الحضاريّة، تتراتب فيها الأبعاد بنسق دقيق؛فتبدأ من البيان لضبط آلة الفهم وتذوّق الجمال، وتعرج إلى الأفق الفلسفيّ لصياغة رؤية كونيّة شاملة، ثمّ تهبط إلى العمق الأخلاقيّ لتزكية النّفس وبناء الضّمير، لتثمر في النهاية حراكاً اجتماعيّاً راشداً يخضع لسنن العمران ويؤسّس لعمارة الأرض. إنّها هندسةٌ متكاملة تحوّل القرآن من نصٍّ يُتلى للتبرّك، إلى طاقةٍ خلّاقة تصنع الإنسان وتشيّد العمران، محققةً غاية الاستخلاف في أبهى صورها.
وهذا التّكامل يعيدنا إلى المنطلق الأوّل، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29). إنّ الرّبط هنا بين التّدبّر و«أولي الألباب» يؤسّس لعلاقة فريدة ومتصالحة بين «الوحي» و«العقل»؛ فاللّه تعالى لم يخلق الإنسان ليلغي عقله أمام عتبة النّصّ القرآني، بل ليعمل هذا العقل في استخراج كنوزه. وهذه العلاقة الجدليّة هي الّتي تحرّر الإنسان من سطوة «اللّاهوت الغامض»(6) المنعزل عن الحياة، لتضعه أمام «إيمان برهانيّ» يحترم الفكر البشريّ. وفي هذا المعنى، يقرّر فيلسوف الإسلام محمّد إقبال أنّ القرآن كتاب يوجّه العقل نحو الواقع والمحسوس، لا للهروب منهما، فيقول: «إنّ القرآن كتاب يؤكّد على (الفعل) أكثر ممّا يؤكّد على (الفكرة) المجرّدة... وإنّ المقصد الأساسيّ للقرآن هو توليد وعي أعمق بعلاقة الإنسان بالطّبيعة وبالتّاريخ؛ فالكون في نظر القرآن ليس وهماً، بل هو حقيقة وسلوك الله، والتّفكّر فيه عبادة»(7)
هكذا نكون قد وضعنا بين يدي القارئ خارطة طريقٍ كليّة، استعرضنا من خلالها الأبعاد الأربعة للتدبّر المركّب؛ بوصفها منظومةً هندسيّة متكاملة لا ينفصل فيها البيان عن الفلسفة، ولا الأخلاق عن العمران. وإذ رسمنا في هذا المقال «المخطط العام» لهذه الأبعاد بصفةٍ إجماليّة، فإننا سنشرع في المقالات المقبلة -بإذن الله- في رحلةٍ أكثر غوصاً وتفصيلاً؛ حيث سنتناول كلَّ بُعدٍ منها على حدة، ببحثٍ أعمق وتحليلٍ أوسع، مستنطقين آياتِ القرآن الكريم لتقديم نماذج تدبريّة عمليّة، تحوّل هذه القواعد المنهجيّة إلى واقعٍ نعيشه، وحراكٍ حضاريٍّ نلمسه في أدقّ تفاصيل وجودنا
الهوامش
(1)  أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرّحمن بن محمد الجرجاني (المتوفى عام 471 هـ)، يُعدّ أحد أعظم علماء العربيّة، والمؤسّس الفعلي لـ «علم البلاغة» بصورته النّظريّة المتكاملة. وُلد في «جرجان» (بين طبرستان وخراسان)، وهي مدينة كانت مركزاً علمياً حافلاً. اشتهر عبد القاهر بـ «نظرية النّظم» التي بسطها في كتابه الشّهير «دلائل الإعجاز». وتتلخّص فكرتها في أنّ البلاغة والجمال في الكلام لا يرجعان إلى الألفاظ المفردة (الكلمة وحدها)، ولا إلى المعاني المجرّدة، بل يكمن السّر في «النّظم»؛ أي كيفيّة صياغة الكلمات وتركيبها مع بعضها وفقاً لقواعد النّحو ومعاني النّحو. والمعنى عند الجرجاني: هو «معنى المعنى»، حيث لا يتوقّف القارئ عند ظاهر اللّفظ، بل ينفذ إلى الدّلالات البعيدة والصّور البيانيّة.
(2)  يقول عبد القاهر الجرجاني:«واعلم أنّه ما من تقديمٍ ولا تأخيرٍ ممّا نحن بصدده، إلا وهو يُفيد خلافَ المعنى الذي كانَ يُفاد لو لم يكُن تقديمٌ ولا تأخيرٌ... فإنّك لا تتصوّر أن يكونَ هناكَ تقديمٌ أو تأخيرٌ يقعُ في الألفاظِ، إلا وهو ناشئ عن تقديم وتأخير وقعَ في المعاني، وتَرتَّبَ في النفس»، دلائل الإعجاز، تحقيق وقراءة: محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي - القاهرة، 1992م (الطبعة الثالثة).الصفحة: 107.
(3) يقول الفيلسوف طه عبد الرحمن: «إن المفاهيم في هذا الدين ليست مفاهيم مجردة، يُكتفى فيها بإدراك صورها الذهنية، وإنما هي، في جوهرها، «قِيَمٌ عَمَليّة»؛ إذ القصد منها هو أن «تتحقّق» بها نفس الإنسان، لا أن «تتصوّرها» فحسب؛ فلا مفهوم، في هذا الدين، بغير عمل، كما لا علم بغير عمل». كتاب روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2012، ص 45
(4) ابن قيم الجوزية، «الفوائد»، تحقيق بشير محمد عيون، مكتبة دار البيان، دمشق، الطبعة الثانية، 1994، ص 10.
(5) مالك بن نبي، «شروط النهضة»، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، الطبعة العربية المزيدة، 1986، ص.ص 48-50 (بتصرّف)
(6) يُقصد بـ «اللاهوت الغامض» في هذا السياق النقيضُ لـ «الإيمان البرهانيّ»؛ أي تلك النزعات الكهنوتيّة أو «الباطنيّة المغلقة» التي تُعطّل العقل. ويتقاطع هذا المفهوم مع طروحات إصلاحيّة كبرى، مثل: نقد محمد إقبال لـ «التصوف السلبيّ» والرهبانيّة التي تعزل الإنسان عن حركة التاريخ؛ وطرح علي شريعتي حول «دين التبرير» الذي يغرق في الغيبيّات للهروب من المسؤولية الاجتماعيّة؛ وصولاً إلى مفهوم «العقل المستقيل» عند محمد عابد الجابري، والذي يقصد به التيارات الغنوصيّة التي تعتمد «العرفان» بدلاً من البرهان، مُؤسِّسةً لما سمّاه «اللامعقول العقليّ»
(7) محمد إقبال، «تجديد التفكير الديني في الإســلام»، ترجمة عباس محمـود، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الثانيــة، 1968، ص.ص 15-16 بتصرف