-
تتمثّل عبقريّة النسق القرآنيّ في كونه خطابا حيّا لا تكتمل دورته إلّا بمتلقٍّ فاعل يتفاعل مع شفراته ويستنطق معانيه. فبعد أن أرسينا في المقال السابق (العدد 226) دعائم «التدبّر المركّب» وعرضنا إجمالا أبعاده الأربعة (البيانيّة، والفلسفيّة، والأخلاقيّة، والاجتماعيّة) بوصفها أقطابا تعيد ترميم العقل المسلم، يظلّ هذا البناء النسقيّ، على جلالته، محض تنظير ما لم يجد «ذاتا فاعلة» تتلقّاه، و«أدواتٍ دقيقة» تفكّكه وتعيد تركيبه في واقع الناس المعيش. إنّ النصّ القرآنيّ، بثرائه اللامتناهي وإعجازه الخالد، لا يمنح كنوزه طواعيةً إلّا لمن استوفى شروط التلقّي، وتسلّح بمفاتيح الفهم والاستنباط.
وتتجاوز معالجة «أزمة التلقّي» حدود الوعي النّظريّ لتستوجب ثورة حقيقيّة في «الذّات القارئة»؛ إذ إنّ القرآن الكريم «كتاب مسطور» يتفاعل مع قلب المتدبّر وعقله بمقدار ما يقدّمه من استعداد نفسي سويّ وكفاءة معرفيّة. وهو ليس كباقي الكتب، يُقرأ قراءة سلبيّة فتنجلي معانيه تلقائيّاً. لذا، كان لزاماً الانتقال من دراسة «بنية النصّ» إلى دراسة «بنية القارئ» وآليات القراءة.
يمثّل هذا المقال الحلقة الثانيّة المتمّمة، حيث نشرع في تفكيك الشروط الموضوعيّة والذاتيّة للمتدبّر، والأدوات المنهجيّة التي لا مندوحة عن اعتمادها. أي التحوّل من سؤال «ماذا نتدبّر؟» إلى سؤال «كيف نتدبّر، ومن هو المؤهّل المؤتمن على هذا التدبّر؟». وفي هذا السّياق، نستصحب إشراقات بعض المفكّرين المعاصرين لرسم خارطة طريق تطبيقيّة تجعل التدبّر ممارسة مستدامة تثمر نهضة حضاريّة، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29)
م.فيصل العش
-
يطرح الأستاذ الدّكتور عبد الجبار الرّفاعي رؤية عميقة تؤسّس للحرّية المطلقة في التّفكير الفلسفي متجاوزاً أي قيود أو محرّمات. ويفرّق الكاتب في هذا المقال بدقّة بين الفضاء الفلسفي المفتوح واللاّهوت، مؤكّداً ضرورة تجرّد المفكّر من انحيازاته الدّينيّة ليمارس النّقد الحرّ. كما يبيّن أنّ الفلسفة تمثّل إيقاظاً متواصلاً للعقل؛ حيث يخضع كلّ شيء للمساءلة والتّمحيص، بما في ذلك العقل ذاته وحدود إدراكه. ويستعرض المقال تداخل العقل مع الرّوح والعاطفة، مشيراً إلى أنّ العقل الفلسفي هو المرجعيّة الحاكمة التي تضبط هذا التّفاعل الإنساني. ويسلّط الضّوء على العلاقة الدّيناميكية المتبادلة، إذ تحمي الفلسفة الفكر الدّيني من الأوهام واللاّمعقول، بينما تتغذّى هي بأسئلته. ويخلص إلى أنّ الفلسفة ليست ترياقاً لآلام الرّوح، بل هي قلق وجودي مستمرّ يبحث في أسئلة المبدأ والمصير خارج نطاق العلم التّجريبي.
أ.د.عبدالجبار الرفاعي
-
يُسلّط هذا المقال الضوء على الأسباب العميقة للعطالة الحضاريّة في المجتمعات العربيّة، متجاوزاً التّفسيرات المادّية ليؤكّد أنّ جوهر الأزمة يكمن في «غياب الفاعليّة الفكريّة». ويُبيّن الكاتب أنّ الأفكار هي المحرّك الحقيقي لنهضة الأمم؛ فهي التي تخلق «التّوتر الدّاخلي» المحفّز للإنجاز والإبداع، وتولّد «قوّة الاندماج» التي توحّد الجهود الاجتماعيّة، وتشكّل «منصّة للتّوجيه» تضبط مسار الطّاقات نحو أهداف مرسومة. وبدون هذه الحيويّة الفكريّة، تظلّ الإمكانات المادّية والبشريّة الهائلة مشتّتة وعاجزة عن تحقيق أيّ إقلاع حضاري حقيقي.
أ.د. عبدالرزاق بلقروز
-
تحوز دراسة العالم العربيّ ضمن انشغالات الاستشراق الإيطاليّ مكانة مميَّزة، الأمر الذي يستوجِب تتبّعًا للأطوار وتمعّنًا في التقاليد المتوارَثة. فما من شك أنّ هناك قامات علميّة بارزة طبعت محطّات حاسمة، لا يستقيم الحديث دون الإتيان على إسهاماتها أثناء تناول مسيرة الاستشراق الإيطاليّ، على غرار ميكيلي أمّاري (1806-1889)، وليونه كايتاني (1869-1935)، وإيغناسيو غويدي (1844-1935). ففي ضوء ما أنتجه الرعيل الأوّل من أعمال موسوعيّة، تسنّى إنشاء ما يشبه الأرضيّة المعرفيّة لكوكبة من الدّارسين اللاّحقين، بدأت تتبلور معها معالم المدرسة الاستشراقيّة الإيطاليّة، ذات المنحى المنشغل بالدّراسات العربيّة، وهو ما تطوّر مع «جورجيو لافي ديلّا فيدا» و«مايكل أنجيلو غويدي».
د.عزالدين عناية
-
لكلّ عمل ثقافيّ خاصّيّات تميّزه عن غيره، ولا سيّما إذا كان عملا متكاملا مثل تفسير الطّبريّ. ولمّا كانت المناهج المساعدة على الدّراسة عديدة ومتنوّعة، فإنّ المنهج التّاريخيّ واحد من أهمّ هذه المناهج. ولعلّ أهمّ المزايا في هذا المنهج تكمن في تنزيل الموضوع المدروس ضمن إطاره المحدّد في فضاء المتغيّرات الاجتماعيّة والتّاريخيّة، والإبانة عن نواقصه المعرفيّة بغضّ النّظر عن الأسباب الدّاعية إلى ذلك. فسلطة المفسّر في القرون الإسلاميّة الأولى قد نبعت من سلطة النّصّ المقدّس، في عصر كانت السّلطة السّياسيّة شديدة الرّغبة في اكتساب الشّرعيّة من خلال توظيف القائمين على الشّأن الدّينيّ. فما هي آثار هذه الملابسات في تفسير الطّبريّ؟
قسّمنا هذه الدّراسة إلى أربع حلقات تنشر بحول اللّـه متتالية، تضمّنت الحلقة الأولى (العدد225) تقديما عامّا للبحث، وبيان أهمّيّة الزّمن والتّاريخ في النّصّ القرآنيّ، وبدايات التّفسير، وصولا إلى طرح الإشكاليّة حول آثار الملابسات التّاريخيّة والسّياسيّة في تفسير الطّبريّ، ثمّ تعريفا لشخصيّة الإمام الطّبريّ، ومسيرته العلميّة وأبرز مؤلّفاته. وسلّطت الضّوء في الأخير على الجذور العربيّة الأولى «للمنهج التّاريخيّ» الّذي سيعتمد في الدّراسة. وفي الثّانية (الحلقة السّابقة) تناولنا مسارات هذا المنهج وحدوده المعرفيّة، وتقاطعه مع علم التّفسير، ثمّ دخلنا إلى صميم تفسير الطبري «جامع البيان» لنرى كيف وظّف الطبري منهجه الجامع للأخبار، ونظرته لمسألة التأويل، واشتراطه الصارم للإلمام باللغة العربية، وتقييم ذلك في ضوء تطور المعرفة الإنسانية. وفي هذه الحلقة (الثّالثة) سنتطرّق إلى المعضلة الكبرى المتمثّلة في تأثير الرّواية المفرط على منهج الطّبريّ وموقفه المتشدّد حيال التّأويل بالرّأي ومسألتي العموم والنّسخ. ثمّ نستعرض في الحلقة الرّابعة والأخيرة (الحلقة القادمة) تأثير خلفيّته الفقهيّة، وكيف أدّى منهجه النّقليّ الجامع إلى تسرّب الأساطير والإسرائيليّات إلى تفسيره، وانعكاس الثّقافة الرّسميّة على ذلك المنجز.
د.ناجي حجلاوي
-
ينظر هذا البحث التّحليلي -الذي ارتأينا تقسيمه إلى حلقات خمس - في القيم السّائدة في الجامعات، وأثرها في سلوكات الطّلبة؛ إذ إنهم عرضة لتحوّلات ذهنيّة، ونفس-اجتماعيّة، وقيميّة، تُوشِك أن تُزعزع لديهم مرجعيتهم القيميّة التي استبطنوها من التربية الوالدية، ومن ثقافة مجتمعاتهم الأصيلة. ولئن كانت بعض مكوّنات تلك المرجعيّة بحاجة إلى المراجعة والنّقد، مثل الموقف السّلبي من المرأة في مجتمعاتنا العربيّة بتأثير من تراث حقبة الانحطاط الحضاري، فإنّ قيما أساسيّة أصيلة بحاجة إلى التّثبيت، مثل: قيم الإيمان، والبرّ، والإحسان. وإنّ الطّلبة بحاجة إلى استبطان قيم جديدة إيجابيّة ظهرت في السّياق الكوني الحديث، مثل: الدّيمقراطيّة، وحقوق الإنسان، والبيوتيقا وأخلاقيّات التّعامل في شبكة الإنترنت خاصّة، وفي المجال الرّقمي بصورة أعمّ. وبعد البحث في مستوى حضور المكوّن القيمي في مختلف فروع العلوم التي يدرسها الطّلبة في الجامعات العربيّة، تبيّن ضعف هذا الحضور، وعدم كفايته وملاءمته؛ ما جعل الهدف الأخير من البحث هو اقتراح مصفوفة قيم خاصّة بفروع العلوم المختلفة المدرّسة، وتلك التي يجب تدريسها في الجامعات العربيّة. وهذا ما حاولنا فعله من مدخل القيم العليا الحاكمة (التّوحيد، التّزكية، الإنسان، العمران) وفروعها القيميّة، فضلا عن الانفتاح على القيم العمرانيّة الجديدة التي تلائم منظومة القيم الأصيلة ومقاصدها العليا في توجُّهها إلى العالَم والعالمين.
في هذه الحلقة الأولى، نمهّد للموضوع بطرح إشكالية غياب القيم في التعليم العالي أو تغييبها؛ فالطالب الجامعي يتعرض غالباً لتحولات تزعزع مرجعيته القيمية الأصيلة. سيتعرف القارئ في هذا الجزء على دواعي إعادة طرح قضية التربية القيمية داخل أروقة الجامعة، وعلى الدلالات العميقة لمفهوم «القيمة» ، تأسيساً لقراءة نقدية تهدف إلى إعادة بناء شخصية الطالب على أسس معرفية وأخلاقية متينة.
د.مصدق الجليدي
-
منذ تسعينيّات القرن الماضي يشهد العالم مناقشات خصبة وجادّة حول دور الثّقافة عامّة والكتاب خاصّة في ظلّ مجتمع المعرفة، والطّريقة المُثلى للتّعامل مع ثورة تكنولوجيا الاتّصال والمعلومات. فإلى جانب المفكّرين والمثقّفين شاركت المنظّمات الدّوليّة والإقليميّة المعنيّة بقضايا الثّقافة مشاركة فعّالة في استجلاء جوانب هذه القضايا، وفي مقدّمتها منظّمة «اليونسكو» و«المنظّمة العربيّة للتّربية والثّقافة والعلوم» اللّتان طوّرتا اهتمامهما بهذه القضايا، وصاغتا برامج ونظّمتا ندوات من أجل التّنمية الثّقافيّة للتّعاطي مع المستقبل.
وهكذا، يشهد العالم مرحلة إعادة نظر جذريّة في قضيّة الثّقافة، بل إعادة اعتبار لها من زاوية استراتيجيّات المستقبل، خاصّة أنّ التّطوّرات الجارية تبشّر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادّيّ والتّقدّم التّكنولوجيّ، ومراكز البثّ الإلكترونيّ، وبرامج التّنفيذ في مجالات الإدارة والعمل الوظيفيّ. وكان من نتيجة تلك التّطوّرات أن انتشرت مصطلحات جديدة: «مجتمع المعرفة» و«مجتمع المعلومات» و«مجتمع الاستهلاك» و«ما بعد الحداثة» و«ما بعد المجتمع الصّناعيّ».
ولأنّ مجتمع المعرفة مرتبط أشدّ الارتباط بـ «اقتصاديّات المعرفة» بوصفه مصدرا مهمّا لثروات الأمم اليوم، فإنّ تنمية الرّأسمال البشريّ تعدّ مطمح الأمم الحيّة. وهنا تتنزّل أهمّيّة الكتاب ودوره في التّنمية الثّقافيّة، باعتباره إحدى أهمّ وسائل هذه التّنمية.
د.عبدالله التركماني
-
يُسلّط هذا المقال الضّوء على مشروع الإمام عبد القاهر الجرجاني البلاغي الفذّ القائم على «نظريّة النظم»، والتي تُثبت أن جمال النّص ينبع من علاقاته التركيبيّة وسياقه، لا من ألفاظه المفردة. كما يستعرض إسهاماته العميقة في تحليل الاستعارة والتّمثيل وأسرار التّقديم والتّأخير، ومفهومه المبتكر لـ «معنى المعنى»، مبرزاً منهجه التّحليلي الفريد الذي جمع باقتدار بين القاعدة النّحوية الصّارمة وإرهاف الذّوق الأدبي.
محمد قائد الحسيني
-
يقف العالم اليوم أمام لحظةٍ تاريخيّةٍ مفصليّةٍ تتجاوز في دلالاتها حدود الأزمات الإقليميّة العابرة، لتلامس تخوم تحوّلٍ هيكليٍّ عميقٍ في بنية النّظام الدّوليّ برمّته. إنّ ما يشهده المسرح العالميّ الرّاهن ليس مجرّد اضطرابٍ عارضٍ في موازين القوى، بل هو انتقالٌ دراماتيكيٌّ من حقبة الأحاديّة القطبيّة -التي سادت أعقاب الحرب الباردة- نحو نظامٍ تعدّديٍّ معقّد، لم تعد فيه أدوات القوّة التّقليديّة كافيةً لفرض السّيطرة المطلقة. وفي قلب هذا التّحوّل الجيوسياسيّ المتفجّر، يبرز الفضاء الحضاريّ والجغرافيّ للعالم الإسلاميّ كحجر زاويةٍ في معادلة التّوازن الجديد؛ حيث تتحوّل ساحاته من مجرّد مناطق ضغطٍ طرفيّةٍ إلى مراكز ثقلٍ استراتيجيّةٍ تتقرّر فيها مآلات الصّراع بين القوى التّقليديّة والقوى الصّاعدة.
أ.د عبد الفتاح داودي
-
يمثّل مفهوم الإستراتيجيا حجر زاوية في فهم آليّات الفعل الإنسانيّ المنظّم والهادف. فبعد أن تمّ تناول الإستراتيجيا في المقال السابق بوصفها منهجًا عقليًّا لتوجيه الفعل، ننتقل في هذا المقال من سؤال «ما هي الإستراتيجيا؟» إلى سؤال أوسع وأكثر عمليّة: «أين وكيف تُستعمل الإستراتيجيا؟». لم يعد المفهوم حكرًا على المجال العسكريّ الذي نشأ فيه، بل شهد توسّعًا هائلًا في القرن العشرين، ليتحوّل إلى أداة شبه شموليّة لتوجيه الفعل الإنسانيّ في مختلف الميادين، من السّياسة والاقتصاد إلى الإدارة والتّنمية. هذا التّوسّع يطرح تحدّيات مفهوميّة جديّة، ويستدعي وقفة تحليليّة لفهم مجالات اشتغال المفهوم ورسم حدوده الدّلاليّة، وهو ما سيتناوله هذا المقال بالتّحليل والنّقد.
محمد أمين هبيري
-
لا مناص من مقدّمة مقتضبة هنا حول السّلّم العامّ لمختلف مقامات محمّد عليه السّلام وذلك قبل تحرير بعض المقامات. عنوان السّلّم العامّ لفقه المقامات، وهو ما يقع التّفصيل فيه إن شاء الله في خلاصات هذه السّلسلة لاحقا ـ البلاغ العامّ. محمّد عليه السّلام رسم القرآن الكريم دوره وحدّ وظيفته وهي : البلاغ، ولا شيء إلّا البلاغ. بل نبذ عنه ما يضادّ البلاغ. فنفى عنه الوكالة والحفظ من جهة لأجل نبذ التّصوّر الدّينيّ الكهنوتيّ الذي ساد قرونا طويلة في بني إسرائيل وتجربتي الفرس والرّوم. كما نفى عنه السّيطرة والجبر من جهة أخرى لنبذ الحكم القهريّ الفرديّ الاستبداديّ. المفهوم من هذا هو تحرير النّاس كلّهم من أخطر منابع القهر والإكراه : باسم الله والدّين. وبذلك يخلص تديّنهم إن كانوا متديّنين ويخلص تفكيرهم بحثا ونظرا إن كانوا غير كذلك. وباسم مشروعيّة الجبر والقهر والسّيطرة بأيّ دثار تدثّرت سواء كان دثارا عشائريّا قبليّا وراثيّا أو دثارا بالسّيف والغلبة.
الهادي بريك
-
يشكّل التّداخل بين الأخلاقيّ والسّياسيّ إحدى أهمّ القضايا التّي استقطبت اهتمام الفكر الفلسفيّ والإنسانيّ منذ القدم؛ وذلك لأثرها المباشر في تشكيل طبيعة الحكم وتحديد غايات الاجتماع البشريّ. ولا تزال جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ قضيّة متجدّدة عبر العصور، تذكيها حاجة الإنسان الفطريّة إلى الاجتماع وميله للعيش في كيانات جماعيّة، ساعيا دوما للارتقاء بها نحو مراتب المثاليّة، ضمن ترابط عضويّ يبلغ درجة التّمازج، وهو ما يتجلّى بوضوح في فلسفة الأخلاق والسّياسة عند الفارابيّ. ويعدّ «المعلّم الثّاني» الرّائد المؤسّس للفلسفة السّياسيّة الإسلاميّة؛ حيث أرسى دعائم دولة فاضلة مثاليّة، تجسّد تطلّعات الإنسانيّة على اختلاف شرائعها ومرجعيّاتها واقعا. فلم يفصل الفارابيّ بين تدبير المدينة وتهذيب النّفس، بل أحكم الرّبط بين السّياسة والفضيلة، جاعلا من السّعادة القصوى للإنسان غاية الغايات.
وقد سعينا في هذه الدّراسة، التّي ارتأينا تقسيمها إلى خمس حلقات، إلى تتبّع جذور مبحث «جدليّة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ» بدءا من مهدها الأوّل في الفلسفة الإغريقيّة. فانطلقنا من «سقراط»، مؤسّس فلسفة الأخلاق الملقّب بـ«أبي الفلسفة» وواضع اللّبنة الأولى للتّفكير الأخلاقيّ السّياسيّ، ثمّ واكبنا مسار تطوّر هذه النّظريّة مرورا بأفلاطون وأرسطو، وصولا إلى المدرسة الرّواقيّة.وتأسيسا على ذلك، أفردنا الحلقة الأولى لمقاربة مفهوم الأخلاق عند هذه المدارس، بينما خصّصنا الحلقة الثّانية لمفهوم السّياسة لديها، متجاوزين في مقاربتنا حدود التّحليل اللّغويّ الصّرف للمصطلحين. وانطلاقا من هذه الرّؤية التّأسيسيّة، توجّهنا نحو تبيان الأسس النّظريّة لعلاقة الأخلاقيّ والسّياسيّ في فلسفة الفارابيّ؛ فحلّلنا مفهومي «الأخلاق» و«السّياسة» في نسقه الفكريّ، وكشفنا عن التّلازم الحتميّ بين الفضيلة والسّلطة (في الحلقتين الثّالثة والرّابعة)، لنتوّج هذا المسار باستعراض تصوّره للمدينة الفاضلة، بوصفها النّموذج الحضاريّ الأرقى لتكامل القيم مع التّنظيم السّياسيّ (في الحلقة الأخيرة).
عبير خلف الله
-
يؤكّد ابن عربيّ أنّ القرآن الكريم يشكّل عماد البنيان المعرفيّ الّذي صاغه، وأنّه لا يصدر في كلّ أفهامه إلّا عن حضرة القرآن الكريم الّتي هي عين الحضرة المحمّديّة(1) حيث يقول: «فجميع ما نتكلّم فيه في مجالسي وتصانيفي إنّما هو من حضرة القرآن وخزائنه، أعطيت مفتاح الفهم فيه والإمداد منه. وهذا كلّه حتّى لا نخرج عنه، فإنّه أرفع ما يمنح»(2). فمفتاح الفهم الّذي هو أساس الوراثة للأولياء المحمّديّين، إنّما ناله إذن من حضرة القرآن. والمطّلع على مؤلّفات ابن عربيّ لا يطول به الانتظار لكي يحكم بأنّه أمام محاولة كبرى لتأويل القرآن وإعادة إنتاجه مفهوما ومؤوّلا بعد أن نزل مكتوبا تحدّه العبارة وتسوّره السّورة تلو السّورة ضمانا لمكث الأمر الإلهيّ وتأكيدا على أنّ المعنى قد حضر، وأنّه لم يبق لذي همّة إلّا «الفهم الجديد في الدّين التّليد»(3).
د. سعيد الشبلي
-
مع الغوص في نسمات ظلال قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النّور: 37)، نجد أنّ الرّجولة في الخطاب القرآنيّ ليست لفظًا اجتماعيًّا مستقرًّا، ولا هويّةً جاهزةً تتدثّر بالجسد، بل حالةٌ معنويّةٌ تُستخرج من امتحان الوجود في الحياة الدّنيا. فالقرآن لا يتعامل مع «الرّجل» بوصفه معطىً بيولوجيًّا، بل بوصفه كائنًا أخلاقيًّا يُسأل عمّا حَمَل، لا عمّا وُهب. ومن هنا، فإنّ الرّجولة ليست ما يُعلن، بل ما يُشهد له بالفعل... ويتابع آخر فنجد:
د. عبد الفتاح أبوماضي
-
يعدّ كتاب «آداب المعلّمين» للإمام محمّد بن سحنون التّنوخيّ من أقدم المؤلّفات التّربويّة في التّراث الإسلاميّ وأهمّها، إن لم يكن أقدمها على الإطلاق. وقد ظهر هذا العمل الفريد في سياق تاريخيّ تميّز بتطوّر الحركة العلميّة وازدهار المذاهب الفقهيّة، خاصّة في القيروان عاصمة إفريقيّة الإسلاميّة، أين عاش ابن سحنون وعمل في التّدريس.
د.سعاد الرياحي مرادي
-
يُسلط المقال الضوء على إخفاقات العولمة في تحقيق التنمية المستقلة، داعياً إلى تبنّي «الاقتصاد المقاوم» كضرورة استراتيجية للخروج من دائرة التبعية. ويرتكز هذا النموذج البديل على بناء القدرات الذاتية في القطاعات الحيوية (الغذاء، الطاقة، الصناعة، والقيم)، وتنويع الشراكات ومصادر التمويل. ويطرح المقال رؤية شاملة للانتقال بالاقتصادين التونسي والعربي من الهشاشة والارتهان إلى القوة والمرونة، مؤسساً لعلاقات دولية قائمة على الندية والسيادة الوطنية لا على الإملاءات والخضوع.
الحبيب غربال
-
استكمالا لما سبق طرحه من صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة: (الاجتناب، والتّحريم، والنّهي عن القرب، والأمر، والنّهي)، شرعنا منذ العدد 224 في تناول الكبائر المترتّبة على ترك الفرائض الّتي ورد ذكرها بصيغة: «كُتِبَ عليكم». وتُعدّ هذه الصّيغة آخر صيغ الأوامر والنّواهي الإلهيّة الّتي نبحثها ونبيّن أحكامها. وقد وردت حصرا في الآيات المدنيّة دون المكيّة، وتحديدا في الثّلث الأخير من سورة البقرة في مطلع الهجرة (1 - 2 هـ)، وتشمل: الوصيّة، والصّيام، والقصاص في القتلى، والقتال في سبيل الله. وبعد أن تطرّقنا في الحلقات الثلاث الماضيّة إلى «الوصيّة» و «الصّيام» و «القصاص في القتلى»، نختتم هذه السّلسلة بعرض مسألة «القتال في سبيل الله» في حلقتين متكاملتين؛ تتناول الأولى (هذه الحلقة) فقه القتال الدّفاعيّ، ومسألة الأسرى، وتفنيد المرويّات التّاريخيّة، بينما تخصّص الثّانية (الحلقة القادمة) للرّدع الاستباقيّ، ومنظومة الجزية، ومأزق التّيّارات الفكريّة المعاصرة.
م.لسعد سليم
-
في إطار الرّسالة التّنويريّة الّتي تتبنّاها «مجلّة الإصلاح» لمواكبة القضايا الرّاهنة وتفكيكها، ارتأيت أن أطرح عبر صفحاتها هذه الورقة المتمحورة حول التّغيّرات المناخيّة. لقد أردتها أن تحمل طمأنةً من القلق المناخيّ -صوابًا كان أو خطأً- الّذي أصاب المجتمعات بجميع مكوّناتها، ولعلّها تكون وثيقةً توجيهيّةً تصحّح بعض المفاهيم وتضعها في نصابها. بعد أن قمنا في الحلقة الأولى بتفكيك المفاهيم وكشف الآليّات الدّعائيّة الّتي رافقت الخطاب العالميّ حول المناخ، ننتقل في هذه الحلقة الثّانية إلى الإسقاط المحلّيّ. هل ما تعيشه تونس اليوم من شحّ مائيّ وتقلّبات جوّيّة هو فعلاً وليد «التّغيّر المناخيّ» المزعوم، أم أنّه امتداد لخصائص جغرافيّة وتاريخيّة ضاربة في القدم؟ نستعرض هنا لغة الأرقام الصّارمة بعيدًا عن التّضليل، ونضع اليد على الأسباب الحقيقيّة لأزمتنا المتمثّلة في غياب الحوكمة وسوء إدارة المخزون الاستراتيجيّ، ونوضّح الفرق بين النّادر والاستثنائيّ في دورة الطّقس التّونسيّ.
م.رفيق الشاهد
-
ليس الإنسان كائناً عابراً في هذا الوجود، ولا وجوده مجرّد حركة زمنيّة تنتهي بانطفاء الجسد، بل هو مشروعُ رحلةٍ روحيّة وفكريّة وأخلاقيّة، تُصاغ ملامحها في كلّ لحظة بين نداءين متقابلين: نداء الهوى ونداء الحقّ. فالإنسان، منذ أن وُجد، يقف في منطقة التّوتّر بين الأرض والسّماء؛ يحمل في طينته قابليّة السّقوط، وفي روحه قابليّة السّموّ.
ولذلك لم تكن الحياة نزهةً هادئة، بل امتحاناً مستمرّاً لمعنى العبوديّة، واختباراً دقيقاً لوجهة القلب والعقل والنّفس. وقد أوجز الإمام عليّ بن أبي طالب -كرّم اللّه وجهه -حقيقة هذا المسار حين قال: «لا ترحلنّ بدون عُدّة فإنّ الطّريق مخوف مخوف»، ولا ينجو فيه إلّا من تسلّح بالوعي وفهم هندسة نفسه قبل أن يغرق في لُجّة العالم.
فالرّحيل هنا ليس انتقال الجسد فحسب، بل عبور الكينونة كلّها نحو المصير الأخير؛ والعدّة ليست مالاً ولا جاهاً، وإنّما وعيٌ يوقظ الإنسان من غفلته، ويجعله يدرك حقيقة نفسه قبل أن يبتلعه زحام العالم
شكري سلطاني
-
يولد المرء مرّة واحدة، وباستعداد للإقرار بنفسه فقط، أثرةً واعتداداً وحفاظاً عليها لتشبّ يافعة. فمدار هذه الولادة حول الجسد وتركيبه (عالم الأشياء)، بيد أنّه تولد معه أيضاً بذور الفطرة: «كلّ مولود يولد على الفطرة، وإنّما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»(1). فإذا حُرست هذه الفطرة من كلّ ما يشوبها لتتفتّح العقول، وتتمّ مسؤوليّة التّكليف، أتى دور الإيمان والدِّين (عالم القيم والشّرائع والشّعائر)، ليصوغه فرداً إيمانيّاً صالحاً مصلحاً.
وللمجتمعات والأمم عدّة ولادات؛ فمجتمعات أخرجها اللَّه تعالى للحياة على يد رسله وأنبيائه، ومنها أمّتنا ورسولها الخاتم. ثمّ تتوالى ولادات على يد الصّالحين المصلحين المجدّدين. ومجتمعات تصنعها أيدلوجيّات أرضيّة ومذاهب وضعيّة لا تلبث أن تنهار لبعدها عن جادّة الطّريق؛ طريق السَّماء وطريق الفطرة. ومجتمعات أخرى تولد من رحم الزَّلازل، وركام المنازل، وحطام المدائن، وطوفان الأمواج العاتية، وابتلاءات العلل والأمراض القاتلة. إنها ولادة شابها من الألم والمعاناة والبكاء والعويل أكثر من سابقتها الأولى في شأن الأفراد؛ ففي الأولى منح اللَّه تعالى الحياة لمن كان عدماً محضاً، وفي الثَّانية تمديد للحياة لمن هم عدم نسبيّ.
أ.د. ناصر أحمد سنه
-
محمد رشيد رضا صحفيٌّ وكاتب وأديب لغويّ ومفكر إسلامي من رواد الإصلاح الإسلامي الذين ظهروا مطلع القرن الرابع عشر الهجري. كان حلقة الوصل الأهمّ في سلسلة العقل الإسلاميّ الحديث، حيث ورث شعلة التّنوير والتّجديد عن أستاذيه جمال الدّين الأفغانيّ ومحمّد عبده، ليبلورها في مشروع فكريّ مؤسّسيّ متكامل برزت ملامحه خاصّة من خلال مجلة «المنار» التي حملت لواء مجلة «العروة الوثقى» التي أسسها الإمام محمد عبده. كان محمّد رشيد رضا مفكّراً مؤسّساً أرسى دعائم منهجيّة علميّة وحركيّة، ودراسة مسيرته هي قراءة في آليّات صناعة الوعي، وكيف يمكن لمنبر فكريّ أو مجلّة أن تتحوّل إلى مدرسة قائمة بذاتها تقدّم البدائل وتوجّه مسار أمّة بأكملها نحو الإصلاح.
م.فيصل العش
-
مِنْ خَلْفِ أَحْلَامِي وَآمَالِي...
وَأَشْرِعَةِ الرَّحِيلِ
أُنَاجِيكَ ...
مِنْ أَزَلِي إِلَى أَبَدِي
وَأُعَانِقُ العِشْقَ الَّذِي يَرْتَدُّ ...
مِنْ وَجْدِي وَمِنْ أَلَمِي
أُوَارِي دَمْعَةَ الفَرَحِ...
نَشْوَى مِنَ الوَمْقِ
عبد الهادي الزّين