تمتمات

بقلم
رفيق الشاهد
تونس
 في زحمة أفكار تحرّكها الرّغبة في الكتابة، تتطاير العناوين في سباق للفوز بتصدّر مقال لم تتحدّد ملامحه بعد. ويكفي أن أخطّ اسم «تونس» عنوانا على دفتري أو نقرًا على لوحة المفاتيح، حتى يُشْحن قلمي حبرا بما يكفي وزيادة، وتشتغل أطراف أصابعي للنّقر استجابة لما يملى عليها وحيا، فينساب على ورقة الشّاشة جملا متجانسة ومترابطة دون تقطّع ولا تردّد. ثمّ تحطّ منهكة قاطرة العناوين آتية من بعيد يقودها عنوان جاء يتوّج سيل الكلمات.
هي تونس العنوان! لأنّني من أبنائها أوّلا، وهو لعمري شرف وجوبا أدّعيه متعمّدا ومضمرا، ولا آلو عن ذكر بلدي بما يليق من صدق مشاعر ومتانة ارتباط. والوفاء للحبيب واجب مستحقّ. وثانيا لأنّها مرّت بظروف صعبة أنهكت قواها، فصمدت ولم تستسلم للهوان بل أعادت النّهوض، فقامت وراحت تستخلص العبر ممّا فات وتراجع أخطاءها، وتعدّ العدّة لانطلاقة جديدة. التّحديات كبيرة والعقبات أكبر، ولكنّ العزيمة التي يذكّيها الحبّ لا تثنيها الأوجاع ولا المآسي طالما في الجسم نفس.
من تجارب الحياة أنّنا نتغافل دائما عن الأسئلة السّخيفة كما تبدو للبعض. ولكنّها في الحقيقة تلك هي الأسئلة التي تتطلّب منّا أكثر تمعّنا وتعليلا رغم ما يبدو منها من بساطة إلى حدّ السّخافة. هذه الأسئلة يفترض ألاّ تُطرح إلاّ على عاقل متّزن معتدل قد يسعفه الجواب بالرّقي إلى مراتب الحكمة. وكلّما زاد المرء علمُه زاد تواضعه وارتفعت مروءته ونمت حكمته، فزاد اعتقاده أن لا يوجد سؤال سخيف لا يستحق التّدبير. بل ما وجدت اليوم بكثرة إلاّ لأنّها تراكمت لعدم الاختصاص وتُرِكت على هامش الاهتمامات، اعتقادا أن لا فائدة منها ولا جدوى من اللّجوء إلى هؤلاء الذين تميّزوا برقيّهم إلى المراتب التي تؤهّلهم للنّظر فيما يشغل النّاس من أسئلة أبسطها وأكثرها سخافة، أكثرها تعقيدا.
ها قد أصبحت بالضّرورة من بين الذين يهتمّون بالشّأن العام ومثلهم اعتقدت أنّه أقلّ تعقيدا من الشّأن الخاصّ. فهذا الأخير على خلاف الآخر يتطلّب الخوضُ فيه تخصّصا ومعرفة دقيقة بجزئيّات المسائل التي يتمّ معالجتها وقد كنت قبل اليوم سجينها.
وجدتني أخوض مع الخائضين في شؤون الآخرين، أتوافق مع هذا وأختلف مع ذاك. ولا يوجد أمر ليس فيه اختلاف غير الاختلاف بعينه. كما لا توجد مصلحة لفئة ولا ضرر وراءها يصيب فئة أخرى. واكتشفت كم هي معقّدة مسائل الشّأن العام، ولا تتطلّب أقلّ تخصّص ولا أقلّ تفرّغ من الشّؤون الخاصّة الأخرى. هذا لم يكن جديدا باعتبار أنّني لم اكتشف نفسي فجأة أهتمّ بالشّأن العام. بل ما انقطعت عنه منذ نشأتي، أتابع الأحداث وأحلّلها بما توفّر لديّ من معرفة ومعلومات اقتطفتها من هنا وهناك، ومعطيات أكافحها بأخرى، ولا أبرح مصرّا لعلّ الحقّ يضرب الباطل فيدمغه، وتتبين الحقيقة جليّة دون شكّ ولا ريبة. ومن ثمّة صرت مهتمّا أكثر بما توفّر لديّ من زاد معرفي ما فتئ يتضخّم حيث تتوالد الأفكار من بعضها طالما حبست في فضاء واحد، فلم تجد بدّا من التّزاوج. وكما تتخمّر العجينة وتنتفخ، فإنْ لم يتم التّنفيس عنها فسدت، وكذا سلكتُ حين وجدتني في مرحلة من العمر أكتب كلّ شيء فاض عن الخاطر.
مع كل هذا، لم أشعر يوما أنّني مهتمّ بالشّأن العام، فقط لأنّني لم أكن فاعلا، بل كنت أكتفي من حين لآخر بافتكاك نفسي من قبضة الشّؤون الخاصّة لأعدّها لزمن الفعل، بعد أن فهمت أنّ الشّأن العام هو شأن خاصّ تتأكّد خصوصيّته في أنّه عام. 
دلوت بدلوي بعد أن تخلّصت من براثن الشّأن الخاصّ بإحالتي على التّقاعد الوجوبي، وحتّى لا ينطبق عليّ المثل الشّعبي القائل: «هربت من تنظيف بيتها، راحت للشّارع تكنسه». ويا ويل من اهتمّ بالشّأن العام، فتبعثرت شؤونه وضاعت مصلحته الخاصّة، ويا ويلنا جميعا ممّن اتخذ الشّأن العام وسيلة لقضاء شؤونه الخاصّة وازدهار مصالحه.
نعم، قررت ولوج ميدان الشّأن العام بعد يقين اعتقادي أنّ تونس، البلد الذي ينمّي شجاعة المقاومة والتّحدّي وشغف الاستقلال والحرّيّة والذّكاء لضمان الأمن والاستقرار. وإن كنت أستعرت بتصرّف رأي الفرنسي «بليز مورتِنار» في بلده، فلأنّي مثله، وهو لا يفوتني نخوة ولا اعتزازا ببلدي. بل بمزيد صدق في القول مدعم بتجربة نشطة ومخضرمة ترسخ لدي هذا اليقين. ولكن لا أنكر أنّني استرشدت به لاستجمع قوتي وشجاعتي لأواجه باللاّمبالاة ما قد يصدر من انتقادات من هنا وهناك ممّن باتوا يرتعون بالبلاد ويصنّفون النّاس داخل المنظومة وخارجها. 
أنا لا أستطيع إلاّ أن أكون داخل المنظومة وإن كنت خارجها في الجهة الأخرى من الأرض. وأدرك جيّدا أنّ مجد السّياسيين ليس مجد الفلاسفة، ناهيك عن مجد الحكماء الذين يلهث المجد خلفهم لمكافأتهم عن سلام استقر أو حرب تمّ تفاديها. والآخرون تحت وطأة المجد الزّائف، وهم ينامون، يحلمون بحفر خنادق الحرب.
لا ألوم أحدا. كلّما وقف أحدهم أمام مرآته لا يرى أمامه إلاّ أسدا تحوط به قردة. ولا أرى العلّة إلاّ في المرآة ذاتها، وقد لا يصلح الأمر إلّا بتقويمها وتصحيح استقامتها حتّى تصبح مرآة مجتمعنا صادقة تحدّق فيمن يقف أمامها وتعكس صورته عاريا، لعلّه يستحي من سوأته.