ونفس وما سواها

بقلم
سعيد الشبلي
أسرار النّفس البشريّة: قراءة قرآنيّة الحلقة الخامسة: وشاهد ومشهود
 يقول تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرهُ﴾(1).
هذان الآيتان المباركتان من سورة القيامة تكشف عن الجدل الدّاخلي العميق بين الإنسان ونفسه. فالإنسان كما يظهر هو غير نفسه بل هو أكبر من نفسه، أو فلنقل هو مبصر لنفسه شاهد عليها. فهو عين مبصرة شاهدة، والنّفس مشهود له. فهذه الآية تنبّهنا إلى حقيقة الإنسان وجوهره وهويّته، وهو أنّه عين شاهدة للحقّ تعالى على النّفس بما تنزع إليه وما تقارفه من الأهواء وما تستدعيه من المطالب وما تقارنه من الأرواح والأشباح...
إنّ الإنسان العميق عين شاهدة على النّفس في حالة فجورها وتقواها. فالنّفس تتقلّب وتتوزّع بين الأهواء والرّغائب، وقد تقبل كلام الملائكة وقد تقبل كلام الشّياطين، وقد تتقّي أو تفجر، وقد تتذبذب بين هذا وذاك. أمّا الإنسان العميق، فهو عين واحدة شاهدة لا تتبدّل ولا تتغيّر. ولذلك كان الإنسان أوّل وأصدق شاهد على نفسه بعد اللّه تعالى الذي خلق النّفوس وبرأها.
قال ابن عباس رضي اللّه عنه «لكلّ إنسان نفسان : إحداهما نفس العقل الذي به يكون التمييز، والأخرى نفس الرّوح الذي يكون به الحياة»(2).
وقال ابن خالويه «النّفس الرّوح، والنّفس ما يكون به التّمييز(3).
وقال ابن بري «أمّا النّفس الرّوح، والنّفس ما يكون به التّمييز، فشاهدهما قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ﴾، الأولى هي التي تزول بزوال الحياة، والنّفس الثّانية التي تزول بزوال العقل»(4).
يلتقي هؤلاء في أنّهم يميّزون بين نوعين من الأنفس، نفس هي مصدر التّمييز، هي على الأغلب ما نطلق عليه اسم العقل، وهي نفس لأنّها من ضمن هويّة وكيان الإنسان، حيث نلاحظ أنّ مستوى العقل يختلف باختلاف النّاس، وقد لا يعني هذا اختلاف العقل في نفسه أي في حقيقته بل اختلافه ناشئ من حيث هو ضمن كليّة نفس بعينها، أي ضمن تركيب بشري خاصّ هو الإنسان المتعيّن. أمّا النّفس الثّانية فهي الرّوح الذي به يكون الحياة أي حياة الإنسان، ولذلك التقى في جمعيّة غيب الإنسان النّفس من حيث هي عاقل، والرّوح من حيث هو الحياة المعقولة. وذلك معنى أن يكون الإنسان كائنا واعيا بوجوده، أي بحياته، أي بنفسه. فالإنسان بنفسه يعقل نفسه؛ و إذا كان من أبرزنا أقوالهم من السّابقين بدءا من ابن عباس قد ذهبوا إلى أنّ النّفس نفسان، فلعلّنا أن ندقّق أكثر إذا قلنا إنّنا أمام مستويين للوجود في نفس واحدة، مستوى شاهد هو نفس العقل، ومستوى مشهود هو نفس الرّوح، وذلك معنى كليّة ماهية الإنسان الصميميّة النّفسيّة الغيبيّة. فالذّات الدّاخليّة الإنسانيّة العميقة دائرة واحدة شطرها الأول الرّوح وشطرها الثّاني العقل. وشطر الحياة هو الظّلّ المنفعل عن شطر العقل. فبقدر اكتمال العقل يكتمل نصيب الإنسان من الحياة، ويزداد حظّه من ظهور الرّوح، وهي قوّة الحياة.وعلى قدر نقص العقل فيه يضمر ظهور الرّوح وتنحجب أنواره. والأمر هنا بمثابة علاقة الشّمس بالقمر للمتأمل لهما من الأرض. فالقمر بقدر أخذه من ضوء الشّمس يكون نوره، وما ذلك إلاّ بحسب موقعه الفلكي ككل. ويمكن أن تفسّر علاقة نفس العقل بنفس الرّوح، بالجسد وظلّه. فالظلّ ينتشر بحسب الجسد، وبحسب موقع هذا الجسد من النّور. فلا يكون للظّل انفصال عن الجسد وعن حقائقه وأوضاعه، فهو المنفعل والجسد الفاعل. يقول تعالى في سورة البروج ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾(5).
فلعلّه أن يكون من معاني قوله تعالى: «وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ»، تنبيه إلى وضع الإنسان وحقيقته الوجوديّة. فهو الكائن الشّاهد المشهود في نفس الوقت. وقد يكون هذا بخلاف وضع كثير من الكائنات الأخرى.
إنّ أصحاب الأخدود هم بشر، وقد هداهم «عقلهم» الفاسد الضّال إلى حرق المؤمنين ورميهم في نار الأخدود تنكيلا بهم وانتقاما منهم لإيمانهم باللّه تعالى. قال الله فيهم: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ (6)
فهنا في هذا الحادث الفظيع الذي تبرز فيه قمّة العداوة بين أهل الكفر وأهل الإيمان، ورغم أنّ العقل قد انحجب انحجابا تامّا بضلالاته وغيّه وتسلّطه، إلاّ أنّه يبقى شاهدا على ما فعل، وذلك ليحاسبه اللّه تعالى بما فعل. فمهما لجّ الإنسان في الضّلال، ومهما تداعى في مهاوي الجنون وادعاء اللاّعقل وذلك بالتّسلّط الكامل على المعنى، وسلخ الوجود من موضوعيّة معناه، فإنّه يبقى دائما كائنا محاسبا شاهدا على ما آل إليه وضعه من تدنّ وفساد. 
إنّ الشّاهد هو الفاعل، والمشهود هو المفعول ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾. فأصحاب الأخدود هم الذين يفعلون. والمؤمنون هنا هم تلك الأنفس الصّالحة التّقيّة التي نكّلت بها الأنفس الكافرة (أصحاب الأخدود)، أيّما تنكيل تبعا لما أوحى إليها عقلها السّقيم الذي لابدّ أنّ الشّيطان قد استحوذ عليه وسكنه وأصبح له إلها. 
يتجلّى من خلال هذا أنّ النّاس بما هم أنفس واحدة، يتّخذون من بعضهم بفعل التّقدير الإلهي وضع الشّاهد والمشهود. فكلّ واحد منهم شاهد على الآخر مشهود له. وهم على هذا المستوى الخارجي الموضوعي يكشفون عن حقيقة الوضع الدّاخلي للنّفس الإنسانيّة بكلّيتها، أي بما هي عقل (شاهد)، وروح (مشهود).
إنّ طبيعة العلاقة الدّاخلية بين الشّاهد (العقل)، والرّوح (المشهود) تحددّ إلى حدّ بعيد وبصدق نادر طبيعة العلاقة الخارجيّة بين الإنسان وغيره من البشر.
الهوامش
(1) سورة القيامة - الآيتان 14 - 15
(2) لسان العرب، المجلد السادس،مادة نفس، ص 235
(3) ن. م. ص 234
(4) ن.م ص 
(5) سورة البروج- من الآية 3 إلى الآية 7
(6) سورة البروج- الآية 7