اهل الاختصاص

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
تطوّر نظريّات الحركة (8) استقرار نقاط الاتزان الخمسة في مسألة الأجسام الثلاثة المقيدة
 مقدمة
تعرفنا في الحلقة السابقة(العدد 178) على وجود حلول خاصّة لمسألة الأجسام الثّلاثة الدّائريّة المقيّدة وعددها خمسة، ثلاثة منها على الخطّ الواصل بين الكتلتين الكبيرتين وتمّ تسميتها بنقاط الاتزان الخطّية أو الحلّ الخطّي أو حلول «أويلر»   L1 ,L2, L3، بينما تمكن «لاجرانج» بعد ذلك من إيجاد حلول أخرى غير التي أوجدها «أويلر» فوجد نقطتين ليستا على الخطّ الواصل بين الكتلتين الكبيرتين وإنّما في مستوى الحركة المداريّة للجسمين الكبيرين بحيث تعمل مثلث متساوي الأضلاع مع الكتلتين الكبيرتين وهما L4, L5 وتمّ تسميتها بنقاط الاتزان المثلثيّة أو الحلّ المثلثي أو حلول «لاجرانج» وتقعان على انحراف 60 درجة أمام الجسمين الأوّلين وخلفهما على التوالي. 
في هذا المقال سنطرح سؤالا ونحاول الإجابة عليه بشكل مبسط والسّؤال هو: هل فعلا إذا وضع جسيم ثالث صغير الكتلة (محطّة فضائيّة مثلا) في أحد هذه النّقاط فسوف يظلّ في هذا المكان بالنّسبة إلى الجسمين الآخرين؟ وأذكّر فقط أنّ النّموذج الرّياضي الذي نتجت عنه هذه الحلول الخمسة كان قد أُخضع لعمليّات جراحيّة كثيرة، من ناحية الرّياضيّات بالطّبع، بحيث يمكننا تتبعه رياضيّا، لذلك فنموذج القوّة فيه تقريبي جدّا لأقصي حدّ. فهل ستظل تنعم هذه النّقاط الخمسة بالاستقرار إذا تمّ إضافة مصدر قوّة صغير جدّا للنّموذج؟ وهل هناك حدود فيزيائيّة يفرضها النّموذج على الاستقرار؟ 
فكرة الطريقة المتبعة للإجابة على سؤال الاستقرار
إذا افترضنا وجود جسم ثالث (أو أى مصدر من مصادر القوّة تثاقليّة أو غير تثاقليّة) غير الجسمين الأوّلين، فسيحدث اضطراب وإقلاق فى حركة الجسيم المتناهى فى الصّغر (محطة فضائيّة)، فإذا افترضنا وجود الجسيم المتناهى فى الصّغر فى إحدى نقاط الإتزان ونتيجة لوجود هذه الكتلة الإضافيّة (أو أيّ مصدر من مصادر القوّة تثاقليّة أو غير تثاقليّة) فإنّ الجسيم المتناهى فى الصّغر سيحدث له إزاحة طفيفة عن هذه النّقطة الإتزانيّة، وسيسلك واحدا من إحدى المسارين الآتيين(1):
-1 إذا كانت محصلة حركة الجسيم المتناهى فى الصّغر تتمثّل فى حركة سريعة متباعدة عن مكان نقطة الإتزان، فإنّ هذه النّقطة تكون نقطة غير مستقرّة.
-2 إذا كانت محصلة حركة  الجسيم المتناهى فى الصّغر تتمثل فى حركة اهتزازيّة تذبذبيّة حول مكان نقطة الإتزان، فإنّ هذه النّقطة تكون نقطة مستقرّة.
الطريقة المتّبعة للإجابة على سؤال الاستقرار
لنفترض أنّ لدينا إحداثيّات تناظر أحد الحلول الخاصّة للمسألة، وبالتّالى فإنّها تحقّق معادلات حركتها، ثمّ لنفترض أنّنا أحدثنا اضطرابا في هذه الإحداثيّات عن طريق إحداث إزاحة طفيفة عن نقطة الإتزان هذه. والآن وباستخدام  مفكوك متسلّسلة «تايلور» مع الإحتفاظ بحدود الرّتبة الأولى فقط فى هذه المتسلسلة، فإنّنا سنحصل على فئة من المعادلات التّفاضليّة الخطيّة بمعاملات ثابتة وحلّها من الممكن فرضه على صورة دالّة أسيّة أساسها عدد «أويلر» حيث يكون الأسّ هو الزّمن مضروب في تردّد الحركة والدّالة الأسيّة كلّها مضروبة في ثابت يعبر عن سعة الحركة، ومن ثمّ بالتّعويض فى معادلات الحركة التي تمّ الحصول عليها من مفكوك «تايلور». بهذه الطّريقة نستطيع الحصول على المعادلة المميّزة للحركة وهي معادلة جبريّة من الدّرجة الرّابعة  في التردّد، ومن حسن حظّنا غياب حدود الدّرجة الثّالثة والأولى ممّا يمكننا من حلّها تحليليّا كمعادلة من الدّرجة الثّانية في مربع التردّد، وبعد أخذ الجذر التّربيعي للحلول النّاتجة نحصل على ما يسمّى الجذر المحدّد أو المميّز للحركة.
طبيعة الاستقرار تعتمد على طبيعة الجذر المميّز للحركة
إذا كان للمعادلة المميّزة للحركة جذرين سالبين مختلفين. فستعطينا أربعة جذور تخيليّة بحتة أي بلا جزء حقيقي، وهذه هى الحالة الوحيدة التى يكون فيها الحلّ معبّرا عن استقرار النّظام الدّيناميكى. ومن ثمّ يمكننا كتابة الحلّ بدلالة الدّوال المثلثيّة. وإذا كانت الجذور حقيقيّة وبإشارة مختلفة، فإنّ بعض الحدود الأسيّة تزداد بصورة غير محدودة. وبالتّالى فإنّ هذه الحلول تعبّر عن نظام ديناميكى غير مستقر، لكن عندما يؤول الزّمن إلى المالانهاية تؤول الحركة المداريّة تقاربيّا إلى حركة دوريّة تذبذبيّة حول أحد نقاط الاتزان. وإذا كانت جذور المعادلة المميّزة للحركة جذورا مركّبة، فإنّ هذه الحلول تخبرنا أيضا عن نظام ديناميكى غير مستقرّ ولكن بشكل مختلف، فعندما يصل الزّمن إلى المالانهاية تصل المدارات إلى نقاط الاتزان. يتمثّل الفرق بين الحالتين الأخيرتين فى بقاء السّعة للحركة الدوريّة التذبذبيّة ثابتة في الحالة الأولى بينما تتناقص أو تتضاءل السّعة أسيّا مع الزمن فى الحالة الثّانية. 
كلمة غير مستقر هنا تعنى وجود ذبذبات صغيرة حول موضع الاتزان أو حول المدارات الدورية أو عدم وجودها. هذا النوع من الاستقرار يسمّى أحيانا «استقرار بوانكاريه» وذلك للتّفرقة بينه وبين دراسة مسألة الاستقرار عموما كمسألة «بواسون» والتى تعنى عدم التّغير القرنى لأنصاف أقطار المدرات الكوكبيّة فى النّظام الشّمسي.
ماهي نقاط الاتزان المستقرة وماهي غير المستقرة 
وماهي الحدود الفيزيائيّة التي يفرضها النّموذج على الاستقرار
عندما قمنا بالتّطبيق على نقاط الاتزان الخطيّة «نقاط أويلر»  L1 ,L2, L3، وجدنا أنّ جذور المعادلة المميّزة للحركة حقيقيّة وبإشارتين مختلفتين، وتكون الجذور الأربعة مكوّنة من زوجين، زوج حقيقى وزوج تخيّلى بحت. وجذور كلّ زوج متساوية المقدار ولكن بإشارات مختلفة. وقد أوضح أنّ هذه الخلاصة تكون صحيحة أيضا بغض النّظر عن قيمة متغيّر الكتلة  (خارج قسمة كتلة أصغر الجسمين الأوليين على مجموع الكتلتين). ومن ذلك نستنتج أنّ هذه النّقاط المسمّاة بالحلّ الخطّي أو حلّ «أويلر» غير مستقرّة مهما كانت توزيع الكتل في هذا النّظام، فأيّ اضطراب في الحركة مهما كان صغيرا فإنّ الاتزان سينهار ويكأنّه اتّزان على شفا جرف هار. بينماعند التّطبيق على الحل المثلثى  L4, L5  أو نقاط «لاجرانج» وجدنا أنّ الأربعة جذور تخيليّة بحتة (أي أنّ الإتزان سيكون مستقرا) باشتراط أنّ نسبة أو متغيّر الكتلة يحقّق المتبانة  
 تطبيق على كويكبات التروجان Trojan «طروادات المشتري»
هي مجموعة كبيرة من الكويكبات والتي تتشارك مع مدار المشتري حول الشّمس ويدور كلّ كويكب حول نقطة من نقطتي نقاط لاغرانج  L4, L5. وأسماء هذه الكويكبات مشتقّة من أسماء أبطال طروادة حسب الميثولوجيا اليونانيّة «ملحمة الإلياذة». يُعتقد أنّ إجمالي عدد الطّروادات المشترية التي يفوق قطرها كيلومتر واحد يبلغ نحو مليون، أي ما يساوي تقريبًا عدد المذنّبات ذات قطر أكبر من كيلومتر في حزام الكويكبات، تتراوح كثافات الطّروادات المُشترية (التي قيست عن طريق منحنيات الضّوء الدّورانيّة أو دراسة الأنظمة الثّنائيّة) بين 0.8 و2.5 جرام/سنتيمتر مكعب(2). جدير بالذّكر وجود طروادات مرّيخيّة وطروادات نبتونيّة(3) بالإضافة إلى اكتشاف طروادات أرضية مؤخرًا(4). 
بالاعتماد على قيمة متغيّر الكتلة المستنتجة من التّحليل الرّياضي للمسألة، نجد أنّه فى حالة النّظام الدّيناميكى «الّشمس - المشترى»، فإنّ قيمة متغير الكتلــة                               وتكون الحركة إهتزازيــة مستقرة. (أنظر الشكل 1). من ذلك نستنتج أن استقرار حركة كويكبات التروجان trojan «طروادات المشتري»  تتكون من :
- حركة اهتزازية بزمن دورى قدره 150 سنة تسمى بدورة النودان؛
- حركة اهتزازية بزمن دورى أكبر بصورة طفيفة عن الزمن الدورى للمشترى نفسه؛
وفى هذا دليل على تقدّم أو تبادر المحور الأكبر لمدار الكوكب.
الهوامش
C(1) C. Murray and S. Dermott, Solar system Dynamics, Cambridge University Press, 2000
(2) J (2) Jewitt, C., Sheppard, S., Porco, C. (2004), «Jupiter›s Outer Satellites and Trojans», Bagenal, F., Dowling, E., McKinnon, B. (Editors), Cambridge University Press.
S (3) Sheppard, S., C.  Trujillo (2006)، «A thick cloud of Neptune Trojans and their colors», Science, New York, 313 (5786): 511–514.
C (4) Connors, M., Wiegert, P., Veillet, C. (2011), «Earth›s Trojan asteroid», Nature,  475 (7357): 481–483