فواصل

بقلم
مصدق الجليدي
إعداد الشّباب للبناء الحضاري (2/2)
 ثانيا- إعداد الشّباب للبناء الحضاري:
يعتبر مالك بن نبي أن النّاتج الحضاري هو حصيلة تفاعل ثلاثة عناصر تفاعلا وظيفيّا، وهي الإنسان والتّراب والوقت:
حضارة (ناتج حضاري)= إنسان+تراب+ وقت(1) .
وما يهمّنا في سياق هذا العمل هو عنصر الإنسان، فبه يُستثمر كلّ من التّراب والوقت أحسن استثمار أو يُهدران.
الإنسان فردا أو جماعة هو محلّ الرّوح والعقل والغرائز، وهي القوى الثّلاث التي تصنع أطوار الحضارة. الرّوح بوثبتها الأولى خاصّة، والعقل للبناء، والغرائز يتمّ التحكّم فيها وكبتها كبتا ناجحا وتوجيهها توجيها استخلافيّا. فكما يقول فرويد: «إنّما تبنى الحضارة بكبت الغرائز»(2).  
وكما أشرنا في ملاحظاتنا على تخطيط ابن نبي النّشوئي الحضاري، فإنّ القوى الثّلاث: الرّوح والعقل والغرائز حاضرة في كلّ أطوار الحضارة من الميلاد إلى الأفول، لكن بكيفيّات مختلفة من طور إلى آخر. فهنالك في البداية نفخة الرّوح ونفحتُها، ثم عقلنة الحدس الرّوحي وبناؤه بالعقل التّجريبي والتّطبيقي في شكل إنجازات علميّة وعمرانيّة باستثمار كلّ من التّراب والوقت، وفي نفس الوقت التحكّم في الغرائز بالقوّة الرّوحيّة. فنحن لا يعنينا طور الأفول الحضاري، فهذه هي مشكلتنا التي نريد حلّها اليوم. ما يعنينا هو نفخ روح القيام الحضاري في كيان الأمّة، وخاصة من خلال طاقتها الشّبابيّة، وتطوير العقول الفرديّة والوعي الجمعي، للنهوض بأعباء هذا القيام المنشود، دون الوقوع فريسة الأهواء والشّهوات المنفلتة. ولذا يتطلّب إعداد الشّباب للبناء الحضاري ثلاثة مستويات في التّكوين:   
أ‌- تكوين الرّوح: وهو أعلاها. 
ب‌- تكوين العقل وهو أكثرها فعّاليّة حضاريّة.
ت‌- التحكّم في الغرائز: وهو شرط تأويج القوّة الرّوحيّة والقوّة العقليّة ونتيجته في الآن نفسه، لأنّه بكبت الغرائز كبتا ناجحا تتمكّن بقيّة قوى النّفس من النّشاط المنطلق، وفي التّركيز على النّشاط الرّوحي والعقلي يكون التّسامي بالرّغبات وتحويل جزء من الطّاقة الغريزيّة إلى طاقة إبداعيّة. 
1 - تكوين الرّوح:  
منابع التّكوين الرّوحي: 
- العقيدة: وهي الإيمان بديانة التّوحيد.
- التّوجيهات القرآنيّة وما تضمّنه القرآن الكريم من قصص أولي العزم من الرّسل في مواجهة قوى الباطل والشرّ والاستعباد. 
- القدوة والسّيرة النبويّة.
- سير أعلام الصّحابة والعلماء والمجاهدين وبناة الحضارة الإسلاميّة.
- نماذج قيادية حيّة تجسّد قيم الإسلام قولا وعملا إن وُجدت. 
- التزام جماعة أهل القبلة عامّة وأهل التقوى والاستقامة والكيس والفطنة خاصة، والتّواصي معها بالحقّ والتّواصي بالصّبر. أي بالعلم والفهم والعدل والصّدق من جهة، وبالمجاهدة والجهاد (في معناه الشامل) والثّبات على المبدإ في المنشط والمكره، أي في حال إقبال الناس على المشروع ومناصرتهم له، وفي حال إدبارهم عنه ومحاربتهم له، والصّبر على ما يترتب عن الشّهادة بالحقّ من مسؤولية ومن أذى من الجهلة فاسدي الفكر، ومن الجاهلين فاسدي العمل، من جهة ثانية.
الفكرة والمشروع أو الرّسالة:
اعتناق الحرية: التحرّر من الأوهام ومن الخضوع للأصنام. وتطبيق العدل والإحسان في الأرض.
المشروع: نشر التّوحيد وإتمام مكارم الأخلاق في العالم (دعوة عالميّة) والشّهادة على النّاس بمعيار الخيريّة. أي التزام منهج التّواصي بالحقّ والتّواصي بالصّبر، وتمثل منظومة القيم التّوحيديّة، والرّيادة والتّفوّق المدني والعلمي والعمراني بوجه عام. 
2 - تكوين العقل: 
للحضارة نواتج وآثار وشواهد مادّية مثل العمارة وما يتبعها من تخطيط للمدن وتوفير لشتّى مرافقها، ومكمّلاتها كالحمّامات والحدائق والمنتزهات والمسارح ودور الفن، ومثل المصانع والصّنائع والأسواق ومحلاّت التّجارة وغيرها...كما أنّ للحضارة آثارا وشواهد أدبيّة أو لاماديّة، مثل العلوم والفلسفات والأفكار والآداب. 
وهنالك نواتج تقع بين هذين النّوعين من المنجزات الحضاريّة مثل التّقنيات والفنون، والتّشريعات والقوانين والتنظيمات والتراتيب والقواعد السلوكية. فهي نتاج الفكر، ولكنها موجّهة رأسا للعمل: العمل في المادة أو العمل في مجتمع المواطنين. 
هذه الآثار والشّواهد الحضاريّة يحتاجها العمران البشري جميعَها. وكلّها نواتج للعقل وللجهد البشري متوسّلا أدوات مختلفة لإخراجها إلى حيز الوجود. 
غير أنّ هذه المنجزات الحضاريّة المادّية واللاّمادّية ليست منقطعة الصلة في ما بينها، بل تجمعها روح الحضارة وعبقريتها. وبذلك تصبح المظاهر المادّية للحضارة موظفة في خدمة روحها، أو هي شاهدة عليها وتحمل بصمتها وفلسفتها ورؤيتها للوجود. فالمسلمون مثلا قد مالوا إلى التّجريد في الفنّ تبعا لمعاداتهم للتّجسيد وتشبعهم بالمعاني الرّوحية المتعالية وغير المخالطة للمادّة. وقد اشتغلوا بعلم الفلك واخترعوا الاسطرلاب وأدوات قيس الزّمن، لحاجتهم لمعرفة أوقات العبادات اليوميّة والدّوريّة ومعرفة اتجاه القبلة، ثم استثمروا هذه المعارف والتّقنيات لبعض شؤونهم الدّنيوية، وهذا ينسجم تماما مع التّوجيه القرآني بعدم التّفريط في طيبات الدّارين معا: الآخرة والدّنيا. كما أنّهم قد وضعوا قواعد اللّغة والبلاغة وأصول الفقه، من أجل فهم النّصّ واستنباط الأحكام الشّرعيّة من أدلّتها اليقينيّة. 
وأنشؤوا الحمّامات ليتحلّوا بالطّهارة المطلوبة فطرة ودينا، بل وصل بهم الرّقي الحضاري والمدني أن أحدثوا مؤسّسات استشفائيّة في الأندلس، أنشؤوا فيها حمّامات للتّداوي وإلى جوارها المكتبات للتّزوّد بالعلوم والمعارف، وورشات لتعلّم الصّناعات، ومساجد للعبادة، كلّ هذا لتأهيل المرضى بدنيّا وعقليّا ومهنيّا وروحيّا ...ومارسوا التّجارة ولكنّهم التزموا فيها القسط والأمانة، حتى أنّ بلدانا وشعوبا كبيرة في آسيا قد دخلت الإسلام بفضل انبهارهم بأخلاق التجّار المسلمين وإدراكهم لدور عقيدة التّوحيد في تهذيب أخلاقهم. 
من هذا كلّه يمكننا استنتاج نوعيّة العقل الذي أنتج حضارة المسلمين. فهو ليس جوهرا قائما بذاته كما توهّم ذلك أرسطو: بل هو وظيفة روحيّة ونفسيّة عليا للتّفكير ولحلّ مشكلات من أنواع مختلفة. وهو كما وصفه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن فاعليّة(3)، أي فعل من الأفعال التي يقوم بها الإنسان. فعل التعقّل. وهو فعل من أفعال القلب، وهو أسمى أنواع الأفعال وأقواها. و«حقّ الفاعليّة أن تتغيّر على الدّوام». فكان عقلا حجاجيّا عمليّا (الفقه وأصوله)، وعقلا تصوّريّا (علم الكلام والفلسفة) وعقلا أداتيّا (اللّغة وقواعدها، والرّياضيات ومعادلاتها، وقواعد التّعديل والتّجريح للحديث للمساعدة على تمييز صحيحه من ضعيفه وموضوعه، وعلوم القــرآن للمساعدة على فهمه، والمنطق للمساعدة على بناء قضايا الفقه وعلم الكلام والفلسفة والرّياضيّــات) وعقلا مجرّدا برهانيّا (الرّياضيّات) وهو عقل تجريبي يتعامــل مع الحــسّ ويعتمد الملاحظــة المنظّمة، وعقل استقرائي (كما في علم المقاصد، وفي علم العمـران البشري) وعقل تطبيقي (الفيزياء والكيمياء والجغرفيــا والفلك) وعقل حواري (يعتمد النّقاش والشّــورى والذّكاء الجماعي، ولا يستبدّ برأيــه) عقل حكيم متخلّق ومسدّد (بالمقاصد الشّرعيّة، في المعامــلات) ومؤيّد (بالهداية الرّبانيّـة)، لأنّه عقل شهودي يؤمن بالغيب، ولا يدّعي انحصار الوجود في ما تدركــه الحــواس أو القوى العقليّــة(4). أي أنّه في الجملــة عقل متكوثر(5)، أي متكثّر ومتشعّب ومتقلّب ومتحوّل في الزّمان والمكان وليس مطلقا. ولكن العقل المؤيّد الذي يسلّم للّه بالرّبوبيّة على العالم وبالألوهيّة على مخلوقاته العاقلة، والذي ينظر إلى كلّ المظاهر المادّية للعالم نظرة ملكوتيّة، فيرى فيها آيات شاهدة على وجود اللّه وعلى عظمة خلقه وبديع صنعه، فإنّه هو العقل القيوم على كلّ أنواع العقل الأخرى، أو بالأحرى هو المراقب لكلّ أنشطة العقل ووظائفه في شتّى المجالات، حتّى لا يضلّ ولا يزلّ ولا يبتعد عن إنتاج العلم النّافع دون الضّار، وعن تزكية العمل الصّالح دون الفاسد. 
ويمكن القول إنّ كلّا من العقل المجرّد والعقل المؤيَّد قابلان للاشتراك كونيّا، لأنّ العقل المجرّد أعدل الأشياء قسمة بين النّاس من خلال ما فيه من بنيات منطقيّة رياضيّة، أمّا العقل المؤيّد فهو عقل موافق للفطرة، والفطرة قاسم مشترك بين كلّ أفراد النّوع الإنساني. الزّلل الذي وقعت فيه الحضارة الغربيّة المعاصرة هو كونها اعتمدت اعتمادا مطلقا على العقل المجرّد عن الأخلاق، فصار عقلا أداتيّا يمكن أن يقود العالم إلى التّدمير، وإحدى ثمراته كما يشاهد الجميع هي الرّأسمالية المتوحّشة، وهذا المفهوم للعقل والعقلانيّة انتقده على سبيل المثال عالم الاجتماع إدغار موران. كل نزعة عقلانيّة تتجاهل الكائنات والذّاتية والوجدان والحياة هي نزعة لا عقلانيّة. على العقلانيّة- يقول موران-وأن تعترف بأهمّية الوجدان والحبّ والتّوبة. العقلانيّة الحقيقيّة-دائما بحسب موران- هي التي تعي حدود المنطق والنّزعة الحتميّة والنّزعة الآليّة. إنّها تعلم جيّدا أنّ العقل الإنساني لا يمكنه معرفة كلّ شيء وأنّ الواقع يحبل بالألغاز...باختصار إنّنا نتعرف على العقلانيّة الحقيقيّة في مدى قدرتها على الاعتراف بحدودها»(6). 
بعض أطوار العقل وبعض أفعاله، في التّاريخ البشري عامّة وفي تاريخ الحضارة الإسلاميّة خاصّة، أكثر نضجا وأكبر فعاليّة وأكثر التزاما بروح الإسلام من بعضها الآخر. والشّواهد المادّية والأدبيّة على ذلك ظاهرة للعيان، غير أنّ بعضها يحتاج إلى معيار للعلم ومعيار لروح الحضارة التّوحيديّة بحسب وظيفة الإنسان الاستخلافيّة لتمييز المتطوّر والرّاقي منها مدنيّا وروحيّا عن الأقل تطوّرا ورُقيّا، حتى لا نعيد اتّباع نفس المسار البطيء لتطوّر الحضارة الذي اتّبعه أجدادنا وحتّى لا نرتكب نفس الأخطاء والانحرافات التي ارتكبوها في بعض مراحل وظروف التّاريخ الإسلامي. ونعني بالعقل هنا العقل في معناه المتكثّر أي المتحوّل والمتشعّب. 
ولذا ليس لنا أن نرث من تراثنا إلاّ ما هو صالح من منظور العقل المؤيِّد. وهو يشمل تأييد الاستخلاف المادّي بالتّسخير وتأييد الاستخلاف الرّوحي بالهداية، معا. أي النّجاعة والقيم. وهذا تفصيل لم نجده لدى طه عبد الرحمن ولكنّه من ضرورات الحضارة التّوحيديّة، لكونها تعترف بالمادّة وقوانينها، وبالرّوح ومعارجها، مع جعل الرّوح قيّومة على المادّة في تصريف أوجه أفعالها الطّبيعيّة الممكنة. فلا تُستخدم المادّة والتّقنيات المحوِّلة والمحرِّكة والمفعِّلة لها والمفجِّرة لطاقاتها إلاّ لصالح الإنسانيّة أفرادا وجماعات، وهو ما حاول الفكر الفلسفي تداركه جزئيّا من خلال مفهوم «البيوتيقا». وأقول جزئيّا، لأنّ الاتّجاه البيوتيقي نفسه اتّجاه وضعاني ويخضع للحسابات الفيزيائيّة والبيولوجيّة الآنيّة التي قد تتغيّر لاحقا، وليس فيه الرّوح الواسعة للتّعايش والانسجام والرّحمة والكرم الحيوي والتّسخير المتبادل مع بقية الموجودات والمخلوقات. أو لنقل عن الرّوح الاستخلافيّة التي لا تكتفي ما بعديّا بتدارك منقوص لكوارث العقل الأداتي، كما يفعل العلمانيّون الوضعانيّون، بكونها، بلغة طه عبد الرحمن، روحا ائتمانيّة، ترجع العمل التعبّدي والعمل التّدبيري في العالم المرئي إلى أصل واحد هو الائتمان الإلهي(6). ولذا فليتوافق عقلنا الحضاري مع روحنا الحضاري واتجاهنا الشّهودي وخيارنا الأخلاقي. 
ولكن هل يمكن جمع كلّ النّاس حتّى ولو كانوا كلّهم شهوديّين على صعيد واحد وتحت سلطة نموذج معرفي عقلي وذوقي واحد؟ هذا أمر صعب للغاية، بل مستحيل، ولذلك لنتحلّ بروح التّسامح والتّفهم والاختلاف، ولنستفيد من كلّ الطّاقات، ولنتعاون في ما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه. 
لقد ركزت في هذه الورقة على الجانب المضموني في إعداد الشّباب حضاريّا، ويبقى في الأخير السّؤال التّربوي البيداغوجي: كيف نكوّن الشباب روحيّا وأخلاقيّا وعقليّا، وكيف نساعده على التّحكم في غرائزه وتوجيهها توجيها إيجابيّا؟  وما هو نصيب التّربية الوالديّة في ذلك؟ وما هو نصيب المدرسة؟ وما هو نصيب المجتمع المدني والإعلام والثّقافة؟ 
الهوامش
(1) مالك بن نبي، شروط النهضة، سلسلة مشكلات الحضارة، دار الفكر، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، دمشق، 1986، ص. 44 - 45. 
(2) سيجموند فرويد، خمس محاضرات في التّحليل النفسي، تقديم جهاد مصاورة، ترجمة، تحقيق نيفين زيور، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 2014. 
(3) انظر طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التّكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط. 1، 1998، ص. 21.
(4) يقول ابن خلدون: «واعلم أنّ الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه... وإذا علمت ذلك فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة عنده وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقا من ذلك، والله من ورائهم محيط... وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوّة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حدّ يقف عنده ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه» (المقدمة، ج 2، الدار التونسية للنشر، 1984 ص.  56-57).
وانظر أبا يعرب المرزوقي، أبو يعرب المرزوقي، آفاق النهضة العربية ومستقبل الإنسان في مهب العولمة، دار الطليعة، بيروت 1999.
(5) يقول طه عبد الرحمن في كتابه اللّسان والميزان أو التكوثر العقلي: «التكوثر فعل عقلي، فلا «يتكوثر» إلاّ العقل، والمقصود بذلك أن العقل لا يقيم على حال، وإنّما يتجدّد على الدّوام ويتقلّب بغير انقطاع، فعلى خلاف ما ساد ويسود به الاعتقاد الموروث عن اليونان، ليس العقل جوهرا مستقلّا قائما بنفس الإنسان، وإنّما هو أصلا فاعليّة، وحقّ الفاعليّة أن تتغيّر على الدّوام، نظرا لأنّ مقتضى الفعل أن يفعل، وكل ما يفعل يوجد بأثره وينتفي بانتفائه، وليس العقل فاعليّة فحسب، بل هو أسمى الفاعليات الإنسانيّة وأقواها، وحقّ الفاعليّة الأسمى والأقوى أن تتغيّر على مقتضى الزّيادة وأن تبقى على هذه الزّيادة ما بقي العاقل». (طه عبد الرحمن، مرجع سبق ذكره، ص. 21).  
(6) موران، إدغار، تربية المستقبل، المعارف السّبع الضّرورية لتربية المستقبل، ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، منشورات اليونسكو، 1999، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2002، ص. 25. 
(7)  طه عبد الرحمن، من ضَيْق العلمانية إلى سِعة الائتمانية، المركز الثقافي العربي، ط. 2، الدار البيضاء، 2012، ص. 449.