وجهة نظر

بقلم
عماد هميسي
التّفسير وتأثيرات البيئة (2/3) «أشكال البيئة وتأثيراتها في التّفسير»
 إنّ تأثّر الإنسان بالبيئة التي يعيش فيها لا يحتاج إلى برهان أو دليل، ذلك أنّها تساهم في تشكيل وبناء شخصيته من حيث أنماط حياته، وطبائع سلوكه وتفكيره. ولا ينحصر هذا الأمر بالمكان فقط، بل أيضا بنوع المحيط نفسه، والثّقافة التي يؤمن بها، ويسير وفقا لها، فضلا عن القيم والأعراف التي تسود، والبيئة، وطبائع النّاس، والظّروف الطّبيعيّة والبشريّة التي تحكم ذلك المجتمع. أي أنّ هناك علاقة قويّة بين صناعة الأفكار، وبين مصانع البيئة والطّبيعة، وعلاقة أكثر قوّة بين الأخلاق الرّاسخة والموروثة وبين منتجات الأفكار، فكلّ هذه العلائق تتمازح في ذات الإنسان بطريقة يصعب الفصل بينها، والنبي ﷺ شاهد على ذلك.
يقول ﷺ في حديث شريف: «الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والسّكينة والوقار في أهل الغنم»(1). 
ولابن خلدون في مقدمته كلام نفيس متقدّم حول هذا التّأثير يتجاوز ما قاله «جالينوس» و«الكندي»، والتي أثبت فيها بالوقائع التّجريبيّة أثر الهواء (المناخ) والجغرافيا في أخلاق البشر وتبعا لذلك تفكيرهم وسلوكهم وطبائعهم الحياتيّة(2).
وهذا الجانب من العلاقة بين الإنسان والطّبيعة استفاض في بحثه ودراسته علماء الاجتماع المعاصرون وعلى ضوئه تأسّس علم الاجتماع البيئي، الذي يدرس تلك العلاقة التّفاعليّة بين البيئة الطّبيعيّة وبين الإنسان وتأثيراتها العميقة في حياته. 
لذلك من المعالم التي تُدرس عند التّعرف على منهج أي مفسّر التعرّف على بيئته الخاصّة والعامّة، والانتقال إليها، ومعرفة الظّروف المحيطة بها.
ولا يمكن استيعاب طريقة مفسّر ما ثمّ تقويمها ما لم يقع الارتحال إلى بيئته، والحلول عليه ضيفا لأنّ المفسّر ابن بيئته، وكلّ مفسّر يمثل عصره.
بمعنى آخـر، فإنّ العمليّـة التّفسيريّـة، وإن تنزّلـت في أنسـاق صارمـة ومعلومـة، ليست بمنـأى عن الحيثيّات الخارجيّـة التي نزعت التّفسير في أحيان كثيرة من مرجعيّة النّصّ لتدفع به في اتجاه الاستجابـة لشروط العمـران، ومطالب الانتمـاء ومقتضيــات أعـراف الجماعــة وتقاليدها ومـا تريـد ترسيخـه من مواقف تحقّق من خلالها مكاسب في الوجود أوّلا وفي الانتشار والهيمنة والسّيادة ثانيا.
إذن هذه مسألة معلّقة بقراءة النّص القرآني، فإذا قلنا بأنّ ثبوتيته وصلاحيّاته لا يتعلّقان بالزّمان والمكان ولا بطبائع البشر، فإنّ الإشكال المطروح يتعلّق بجميع مخرجاته المستنبطة منه. وبالتّالي هل يمكن الجزم بتأثرّ المفسّرين واللّغويّين والفقهاء والمتكلّمين والأصوليّين بالبيئة التي يعيشون فيها، وتشكلت بناء عليها استنباطاتهم؟ وإذا سلّمنا بتأثيرهم بالبيئة الطّبيعيّة، فهل كان تراثهم نتاج هذا التّأثّر؟ وبمعنى أقرب للمقصود هل يحقّ لمن جاء بعدهم أن يراعي تأثير الطّبيعة في تراثهم ويفصل بين ما كان نتاجا من طبيعة البيئة ومؤثّراتها، فيعيد النّظر فيه، وما كان في النّص الثّابت بالوحي فيلتزم بالإبقاء عليه.
مناقشة هذه الأسئلة يفتح الباب للنّقد والمراجعة لكثير من مدّوناتنا التّراثيّة وتشرّع باب الاجتهاد فيه بحثها مرّة أخرى عند تغيّر ظروف الحال والزّمان والمكان.
أ – تأثيرات البيئة السّياسيّة في التفّسير:
لئن أسسّت اللّغة للتّفسير فإنّها ليست مسؤولة عن كيفيّة توظيفه، وطرق استفادة الأفراد والجماعات منه، فذلك يتجاوز حدودها، لذلك يقع الاهتمام في هذا المقام بالضّغوط التي حفّت بالتّفسير والمفسّرين في تعاملهم مع النصّ.
إنّ التّفسير الحقيقي والصّميم هو الذّي ينطلق من النّصّ ليؤسّسّ نسقا فكريّا لا يقطع مع شروط الاستعمال اللّغوي، أمّا التّفسير الذي ينطلق من مواقف إيديولوجيّة أو سياسيّة للبحث في النّصّ عمّا يؤيّده فهو بالتّأكيد مشوه لا يستهدف بلوغ الحقيقة في جوهرها. إنّها قراءة لا تراعي خصوصيّة النّصّ بنية ومضمونا، فتفرض عليه محمولات دلاليّة غريبة عنه وتستنطقه استنطاقا قصريّا بهدف حمله حملا على تأييد المواقف وتزكيتها، وهي تنطلق من النّتائج بحثا عن المسّوغات والمبرّرات (3). 
يقول محمد شلتوت:«فإنّه لمّا حدثت بدعة الفـرق، والتّطاحن المذهبـي، والتّشاحـن الطّائفـي، وأخذ أرباب المذاهب، وحاملوا رايات الفرق المختلفة يتنافسون في العصابيّات المذهبيّة والسّياسيّة، وامتدّت أيديهم إلى القرآن فأخذوا يوجّهون العقول في فهمه وجهات تتفقّ وما يريدون. وبذلك تعدّدت وجهات النّظر في القرآن واختلفت مسالك النّاس في فهمه وتفسيره، وظهرت في أثناء ذلك ظاهرة خطيرة هي تفسير القرآن بالرّوايات الغريبة والإسرائيليّات الموضوعة التي تلقّفها الرّواة من أهل الكتاب وجعلوها بيانا لمجمل القرآن وتفصيلا لآياته، ومنهم من عنى بتنزيل القرآن على مذهبه أو عقيدته الخاصّة»(4).
وفي هذا السّياق أيضا يذكر خالد عبد الرحمان العك جنوح المتكلّمين إلى التّأويل المتعسّف للقرآن كأحد آثار الصّراع الفكري الذي أفرز أراء قد تتعارض مع بعض النّصوص القرآنيّة فيقول في ذلك: «إن المتكلّمين يلجؤون إلى تأويلاتهم حينما يصادفون نصوصا من الكتاب والسّنة لا تتفّق مع أرائهم، فيسعون بشتّى أنواع التّأويلات ليخرجوها عمّا سبقت له وليطابقوها على المعاني التي يريدون إثباتها، وكثيرا ما يحملون النصوص ما لا تتضمنه من المعاني المتكلفة ليدفعوا بها معارضا أو ليؤيدّوا بها رأيا»(5).
وهذا ما يفسّر علاقة التّأويل بالحياة السّياسيّة في التّاريخ الإسلامي منذ بدء التّململ من سياسة عثمان بن عفـان رضي اللّه عنـه، حيث تمّ الالتجـاء إلى القـرآن لإضفاء الشرعيّة على الثّورة عليه. فمّما جاء في رسالة أهل مصر الذين سـاروا إليـه. فاعلم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَـوْمٍ حَتَّـىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(6). وبهذا الاحتجـاج بالقرآن منذئذ أخذ بعدا تبريرّيا في كلّ تحّرك سياسي، وترسّخ ذلك الوعي الجمعي شيئا فشيئا، ثمّ سادت هذه النّزعة في الصّراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما، فظهر ما يمكن تسميته « أنسقة التّأويل» إذ قامت كلّ فرقة ببناء نظام تأويلي خاصّ بها تردّ من خلاله على الفرق الأخرى التي تنازعها، وأصبح التّأويل محكوما بالانتقائيّة.
فكلّ جماعة تنتقي من القرآن ما تراه مؤيّدا لموقفها وتتغافل عمّا لا يؤيّدها، كما ظهر ضرب من التّأويل يحايث مقام التّخاطب بالاحتجاج بآية أو آيات تنطبق على مقتضى الحال(7).
يقول محسن عبد الحميد في هذا الصدّد مبّينا أثر الواقع في التّنوّع التأويلي: « ولا ريب أنّ هذه التّأويلات العقليّة جرت في إطار قواعد اللّغة العربيّة أو عرف العرب في الاستعمال، وكانت تعبّر عن تطوّر داخلي في الصّراع السّياسي والفكري في المجتمع الإسلامي، إذ من المعلوم أنّ المجتمع الإسلامي بعد الفتوحات ودخول أقوام ذات حضارات سابقة فيه وسقوط الخلافة الرّاشدة وقيام الدّولة الأمويّة وتطوّر الأحداث الدّاخليّة منذ الفتنة في زمن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وما تلاه من أحداث القتال بين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي اللّه عنهما، وما انتهى إليه من ظهور الأحزاب السّياسيّة قد مرّ بتغيير اجتماعي وفكري داخلي محض، حاول كلّ طرف فيه أن يستخرج أدلّة ما عنده من الأفكار والمقالات من القرآن الكريم باعتباره القاعدة العقديّة والحضاريّة التّي كانت منطلق كلّ صاحب سياسة أو مقالة منها»(8).  
لقد أصبح التّأويل فيصلاً في جلّ الأحداث السّياسيّة، فكلّ جماعةٍ تستند إلى القرآن لتشرّع لنفسها ما تقوم به، وإن كان الأمر في معظم الأحيان لا يعدو أن يكون إسقاطاً على النصّ وتحيّلاً على عقول القوام بهدف التّعبئة الجماهريّة، وأخذ التّأويل يوسّع النصّ بصورةٍ تجعل القارئ يقرأ فيه كلّ ما أراد أن يقرأه (9). 
وانقسم النّاس بحسب التّصنيف السّياسي الثّنائي إلى موالٍ للسّلطة أو عدّو لها. وكلاّ القسمين يتذرّع بما يراه مسانداً له في القرآن. وعمّقت الدّولة السّلطانيّة التّي تشكّلت منذ عهد معاوية هذا الانقسام بإعلانها الحرب على كلّ مخالف، وكانت الدّولة السلطانيّة في جلّ فتراتها التّاريخيّة معزولة عمليّاً ومرفوضة ً ذهنيّاً حيث كان الجميع ينتظر بزوغ الخلافة، أي الدّولة الفضلى(10). 
يقول علي مبروك في هذا الصّدد: «ولقد ترافق هذا التّحوّل بدوره مع تحوّلات مسار السّياسة في الإسلام، بمعنى أنّه قد انطوى على التّحوّل من القرآن الذي كان مركزه  وقطبه الإنسان، إلى القرآن الذي استعمره واحتكره السّلطان»(11). 
وفي هذا الإطار استبدل الإقناع بواسطة الحجّة بأدوات الإكراه، بل أكثر من ذلك أصبح القرآن الكريم أداة للتّكفير والزّندقة والقتل، فقُتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وجابر بن حيّان وكُفّر الفلاسفة وسُفك دمّ المتصوّفة والعلماء والأدباء. وانظروا إلى نهاية بن المقفّع حيث نصح السّلطان وكتب رسالة الصّحابة، فقد مزّقت أعضاؤه عضواً بعد عضو، وكانت تشوى وتفرض عليه أكلها حتّى مات، وهذا مخالف تماماً للحريّة الفكريّة والدّينيّة الواردة في كتاب اللّه تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ...﴾(12).
إنّ المتأمّل في بشاعة الاستبداد وشناعة نتائجه ينتبه إلى أنّ السّياسة حين احتكرت الدّين وجعلته مسألة رسميّة أحدثت التّماهي بين الدّين والسّلطة ووظّفته توظيفاً مرعباً ضدّ كلّ معارض سياسي، فلقد عمد الخليفة العبّاسي المنصور إلى تتبّع المعارضة الشيعيّة، فبعث إلى محمّد النّفس الزّكية رسالة يفرض عليه قياس انتقال الخلافة كمؤسّسة سياسيّة على الشّكل الذي تنتقل وفقه التّركات. وذلك حسب آيات الفرائض باعتبار أنّ الرّسول محمّد بن عبد الله قد ترك بعده عمّه العبّاس وابنته فاطمة، ولمّا كان العبّاس ذكرا وفاطمة أنثى فقد صار الذّكر يحجب الأنثى في الفقه السنّي، وصار العكس في الفقه الشيعي(13).
كما يذكر أنّ  الطبري ملتصق بالمذهب الرسميّ للدّولة العبّاسيّة، و بتوجّهاتها يتحرّج من ذكر الاسم الكامل لصاحب القراءة في الكوفة عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه فيكتفي بذكر الشّطر الأوّل من الاسم نظراً لأنّ الكوفة معقل الشّيعة، والشّيعة تعدّ من المعارضة، والمعارضة مغضوب عليها سياسيّاً. وهذا الغضب السيّاسي يغلّف بالغطاء المذهبي والعقدي (14).
دون أن ننسى أنّ حصر الإعجاز الكامن من كتاب اللّه تعالى في المستوى البلاغي إنّما يعود إلى التّأثيرات السّلبيّة التّي ألحقتها السّياسة بالدّين، فلقد رفعت الدّولة الأمويّة آنذاك من قيمة العروبة والعربيّة.
والحاصل من كلّ هذا أنّ الانتقال من الاتساع إلى الضّيق ومن الرّؤية الدّينيّة المقترحة إلى الرّؤية السّياسيّة المنغلقة أمر ضارب في الزّمن المتقدّم (15).
الهوامش
(1) البخاري: الصّحيح ، كتاب بدء الخلق ، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال.
(2) ابن خلدون، المقدمة ، دار يعرب ، 1/194.
(3) انظر حامد أبوزيد: إشكالية القراءة و آليات التأويل، المركز الثقافي العربي، طبعة 5 ، 1420 هـ / 1999م ، المغرب ، ص15.
(4) محمود شلتوت: تفسير الأجزاء العشرة الأولى، دار الشروق، طبعة 12، 1424 هـ / 2004م ، ص 10. 
(5) خالد عبد الرحمان العك: أصول التفكير وقواعده، دار النفائس، طبعة 4 ، 1424 هـ / 2003 م ، بيروت ، ص55.
(6) سورة الرّعد- الآية 11  
(7) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ، دار الكتب العلمية، طبعة 2 ، 1409 هـ / 1988 م بيروت ، 3/114.
(8) محسن عبد المجيد : تطوّر القرآن: قراءة جديدة، جامعة بغداد، 1408هـ/1987م، ص99
(9)علي حرب : الممنوع و الممتنع : نقد الذّات المفكّرة ، المركز الثقافي العربيّ ، 1416هـ/1995م، الدّار البيضاء ، ص 25
(10) عبد الله العروي: مفهوم الدّولة، المركز الثقافي العربي ، 1402هـ/1981م، المغرب ، ص 149.
(11) علي مبروك: نصوص حول القرآن: في السّعي وراء القرآن الحيّ، المركز الثقافي العربي، طبعة 1، 1426هـ/2005م-19 ص 20
(12) سورة البقرة - الآية 256
(13) ابن حمدون : التذكرة الحمدونيّة، تحقيق إحسان عبّاس و بكر عبّاس، دار صادر، طبعة 1، 1386هـ/1966م، 3/416
(14) الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، مؤسّسة الرّسالة، 10/8385  
(15) ناجي الحجلاوي : التّفكير البلاغي و الفعل التّفسيري : أعطاب الفهم وسيادة الوهم، مجلّة الإصلاح العدد 136 – ص16 إلى ص 20