أهل الاختصاص

بقلم
فوزي أحمد عبد السلام
تطوّر نظريّات الحركة الحلقة الثّانية: أبسط مسائل الميكانيكا السّماويّة (مسألة جسم واحد ومسألة جسمين
 الجسم كنقطة مادّية
قبل الخوض في هذا الموضوع لابدّ من تأسيس مفهوم النّقطة المادّية «point mass» في الميكانيكا. يطلق مصطلح «النّقطة المادّية» علي أيّ جسم حقيقي يمكننا تقريبه ومن ثمّ تمثيله هندسيّا بنقطة تماما مثل مركز الدّائرة أي بلا أبعاد، أمّا كونها مادّية فللتّذكير فقط أنّه في هذا اللاّشيء المسمّى بنقطة تمّ تركيز مادّة الجسم فيه، من ذلك مثلا الأجسام المتماثلة كرويّا، أيّ الأجسام الكرّويّة الشّكل تماما والمنتظمة الكثافة في نفس الوقت. وبالطّبع فإنّ معظم الأجسام في الطّبيعة لا ينطبق عليها هذا الشّرط القاسي، لكن من الممكن تقريبها لذلك بشكل أوّلي تقريبا معقولا جدّا، ممّا يسهل الدّراسة والتّتبع الرّياضي للمسألة بشكل كبير.
 تعريف مسألة جسم واحد ومسألة جسمين 
تهتمّ مسألة جسمين في الميكانيكا السّماويّة، بدراسة حركة جسمين نقطيين يتأثّران بالمجال التّثاقلي لبعضهما فقط، وهي قوّة تتناسب طرديا مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسيّا مع مربّع المسافة بين مركزي الجسمين وهو ما يسمّى بقانون التّربيع العكسي، وهو أشبه بقانون كوني. مع إمكانيّة التّنبؤ بمستقبل تلك الحركة، أي معرفة مكان الجسمين كدوال في الزّمن. من الأمثلة العامّة على تلك المسألة، الأقمار سواء أكانت طبيعيّة أم صناعيّة التي تدور حول كوكب ما، الكوكب الذي يدور حول نجم، نجمان يدوران حول بعضهما (نجم ثنائي)، والإلكترون في مداره حول نواة الذّرة. 
ومع بساطة المسألة وبساطة نموذجها الرّياضي كمعادلة تفاضليّة غير متجانسة من الرّتبة الثّانية، إلاّ أنّها وإلى وقتنا الحاضر عصيّة على الحلّ التّام closed form solution أي لا يمكن الحصول على متّجه الموضع لكلّ من الجسمين كدالّة صريحة في الزّمن. 
ولكن يمكننا الحصول عليه كدالّة صريحة في متغيّر وسيط parameter  وهو الزّاوية القطبيّة في حركة الجسم في مداره حول الجسم المركزي بل وفي نظام إحداثي لمركز الكتلتين. بحيث تؤول المسألة إلى مسألة جسم واحد لكتلة مختزلة تعطي مسارا تقريبيّا لجسم يدور حول قوّة مركزيّة عند مركز ثقل المجموعة الثّابت نظريّا فقط (لأنّه تمّ تجاهل الحركة الانتقاليّة لمركز الكتلة أيضا) وذلك من أجل تبسيط الدّراسة، وبمتّجه موضع نسبي للكتلتين. وعند معرفة حركة أيّ من الجسمين بدقّة ينبغي التّصحيح بما تمّ تجاهله سابقا.
النّموذج الرّياضي للمسألة 
لن نزعج القارئ الكريم بالنّمذجة الرّياضيّة للمسألة قدر المستطاع، لكن يجدر بنا الإشارة إلى أنّ النّموذج الرّياضي للمسألة هو معادلة تفاضليّة وبالتّالي فإنّنا نلجأ عند حلّها إلى التّكاملات، وكلّ تكامل يعطينا ثابتا من ثوابت التّكامل والذي سيكون ثابتا على امتداد مسار الحركة، وبالتّالي سنسمّيه ثابتا من ثوابت الحركة. وهي مثل الثّوابت في أيّ مجتمع، هي التي ترسم معالمه بل وتحدّد مستقبله. 
وبما أنّ النّموذج الرّياضي للمسألة يمثّل بمعادلة تفاضليّة من الرّتبة الثّانية لكلّ جسم، وبما أنّ المشتقّات الموجودة بها هى مشتقّات لكميّات متّجهة، فإنّ المعادلة الواحدة منهما تتكوّن من ثلاث معادلات تفاضليّة في ثلاث كمّيات قياسيّة في الاتجاهات الثّلاثة المختلفة. ولحلّ هذا النّظام نحتاج إلى إجراء التّكامل مرّتين لكلّ جسم، أي أنّنا نحتاج إلى معرفة وتعيين عدد 12 ثابت من ثوابت التّكامل لتعيين مواضع الجسمين تعيينا تامّا. وبما أنّ كلّ ثابت على امتداد الحركة مرتبط بما نسمّيه زمرة تماثل symmetry group فإنّ الموضوع يحتاج إلى إعادة الفحص بدرجة أكثر عمقا.
أماليا إيمي نويثر
عندما يكون هناك تماثل في الطّبيعة، تبقى بعض الكميّات الأساسيّة ثابتة على ما هي عليه، يسمّي العلماء هذه الكمّيات باللاّمتغيّرات، وهي بمثابة الكنوز التي تحتوي على أثمن معلومات النّظام. يوجّهنا التّماثل إلى سؤال جوهري وهو متى تبقى المنظومة الطّبيعيّة - أو حتّى البناء الرّياضي - كما هي عند القيام بإعادة ترتيبها؟ 
كان هدف الرّياضيّة الألمانيّة «أماليا إيمي نويثر» هو معرفة كيف تعبر الأفكار الرّياضيّة حدود التّجريد بحيث تشتبك مع الّطبيعة في هياكل عامّة رصينة. من ذلك مثلا نظريّة «نويثر» التي مثلّت  أول أساس لوصف الصّلة بين التّماثل (التّناظر) وقوانين حفظ الطّاقة أي ثباتها. 
برهنت «إيمي نويثر» أنّ أيّ كميّة غير متغيّرة (ثابتة) في منظومة ما لابدّ وأن ترتبط بزمرة تماثل. فمثلا عند عكس الزّمن في منظومة ديناميكيّة فإنّ النّظام لا يتغيّر، نعبّر عن ذلك رياضيّا بلغة حساب التّفاضل والتّكامل بأنّ «المشتقّة الأولى بالنّسبة للزّمن لكميّة ما (عرفت بعد ذلك أنّها الطّاقة الميكانيكيّة الكلّية للنّظام) وجدت أنّها تساوي صفرا»، ممّا دفعنا أن نقول أنّ هذه الكميّة ثابتة أثناء الحركة، أي أنّ الطّاقة الميكانيكيّة الكلّية للنّظام غير متغيّرة وترتبط بزمرة تماثل تسمّى زمرة تماثل الانعكاس symmetry group of reflection. وبشكل مبسّط جدّا: تأرجح البندول البسيط ذهابًا وإيّابًا باستمرار مع تجاهل احتكاك الهواء، بشكل متّسق مع الزّمن. 
تخبرنا هنا نظريّة «نويثر» أنّ أيّ شيء يحتوي على تماثل زمني يحافظ على الطّاقة، لذلك لا يفقد البندول أيّ طاقة نظريّا. بينما عند الانتقال خطيّا في منظومة ديناميكيّة فإنّنا نحصل على ثبات كمّية الحركة الخطّية (الزّخم الخطّي) linear momentum  وبالتّالي يرتبط ذلك الثّابت بزمرة تماثل تسمّى زمرة تماثل الانتقال symmetry group of translation. وعند إجراء دوران في منظومة ديناميكيّة فإنّنا نحصل على ثبات كمّيّة الحركة الزّاوية (الزّخم الزّاوي) angular momentum  وبالتّالي يرتبط ذلك الثّابت أيضا بزمرة تماثل تسمّى زمرة تماثل الدّوران symmetry group of rotation. أي أنّه بمجرّد أن يدور جسم ما، فسوف يستمرّ في الدّوران. 
إنّ الاستقرار الذي نراه في مدارات الكواكب هو نتيجة لهذه التّماثلات التي تعمل معًا. ومع وجود هذه الزّمر الثلاث الهامّة جدّا للمنظومات الدّيناميكيّة فإنّها لا تفي بالوصول والحصول على الحلّ التّام لأبسط مسائل الميكانيكا السّماويّة، وسنظلّ في احتياج لاكتشاف المزيد من زمر التّماثل الخاصّة بالمنظومات الدّيناميكيّة حتّى نتمكّن من إغلاق هذه المسألة المفتوحة حتّى الآن، بل لا أشكّ أنّ من سيوفّق في كشف اللّثام عن زمرة واحدة جديدة من زمر التّماثل سيفوز بميداليّة «فيلدز» في الّرياضيّات والتي تعادل جائزة نوبل في مكانتها. 
إختزال مسألة جسمين إلى مسألة جسم واحد
بدلا من دراسة كلّ جسم على حده، نلجأ إلى دراسة حركة متّجه موضع نسبي في نظام إحداثيّات يسمّى بنظام إحداثيّات مركز الكتلة، وذلك لأنّ مركز الكتلة سيكون نقطة أصل هذا النّظام، وفيه نستثمر حقيقة ديناميكيّة هامّة جدّا وهي أنّ مجموع ضرب كلّ كتلة في بعدها عن مركز الكتلة ينبغي أن يكون صفريّا، وسوف نضطر لتجاهل طاقة الحركة النّاتجة عن انتقال مركز الكتلة خطّيا أي أنّنا سنعتبره ثابتا. ومن هنا يمكننا بالطّبع إعادة صياغة مسألة جسمين على أنّهما مسألتين من مسائل جسم واحد مستقلّتين، أحدهما عادي يقع في مركز أو بالأحرى بؤرة مسار الحركة ويسمّى بالجسم المركزي، والآخر متحرّك بالنّسبة لذلك الجسم المركزي وتقع عليه حلّ مسألة الحركة في وجود جهد خارجي للجسم المركزي. 
لمّا كان ممكناً حلّ العديد من مسائل الجسم الواحد بدقّة، يمكن أيضا حلّ مسألة الجسمين. بالمقارنة، فإنّ مسألة ثلاثة أجسام (وربّما تكون موضوعا لواحدة من الحلقات القادمة من هذه السّلسلة) على وجه الخصوص ومسألة الأجسام النّونيّة عموماً لا يمكن حلّها إلاّ في حالات خاصّة.
بعض معلومات النّظام من ثابت الطّاقة
يعطينا التّكامل الأوّل لمعادلة الحركة ثابتا هامّا جدّا وهو ثابت الطّاقة وأحيانا يسمّى تكامل الطّاقة. ومن مقدار ذلك الثّابت يمكننا تصنيف المدارات. وحيث أنّ الطّاقة الكلّية «E=T-V» تعطى بالعلاقة «E» حيث «T» طاقة الحركة و«V» هي طاقة الوضع وبشكل مبسط جدّا من غير الإخلال بالموضوعيّة، فإنّه إذا تغلّبت طاقة الوضع على طاقة الحركة فتكون الطّاقة الكلّية سالبة«E<0» وعندها لن تتمكّن طاقة الجسم المتحرّك من جعله يفلت من مجال جذب الجسم المركزي، وبالتّالي سنحصل على مدار مغلق (قطع ناقص ellipse)، بينما فى المدارات المفتوحة (قطع مكافئ parabola أو قطع زائد hyperbola) تكون الطّاقة الكلّية موجبة «E>0» حيث تتغلّب طاقة الحركة على طاقة الوضع وتنعكس الصّورة تماما، ويتمكّن الجسم المتحرّك من الهرب من قبضة الجسم المركزي، أمّا إذا تساوت الطّاقتان وهي حالة حرجة جدّا، فإنّنا سنحصل على مسار مغلق (دائري circular)، لكن سرعان ما يتحوّل لأحد النّوعين السّابقين لدى حدوث أدنى اضطراب في المسألة يحوّل صفريّة الطّاقة الكلّيّة إلى موجبة أو سالبة حسب نوع الاضطراب[1] . 
في الحلقة القادمة سنتعرض بالتّحليل لمعادلة المسار كحلّ لمعادلة الحركة النّسبيّة.
الهوامش
(1)   C. Murray and S. Dermott, Solar system Dynamics, Cambridge University Press, 2000.