حديث في السياسة

بقلم
عبد الله التركماني
اللاّمركزية الإداريّة الجغرافيّة الموسّعة لسوريّة المستقبل(1-2)
 لأسباب تاريخيّة وسياسيّة وجغرافيّة عديدة، أصبحت سوريّة موطناً لعدد كبير من الأطياف المتعايشة جنباً إلى جنب، ممّا أثّر بشكل كبير في فرص تحسين علاقاتها ببعضها، والوصول إلى مرحلة الشّعب بمفهومه السّياسي الحديث. ولكن بقيت هذه الأطياف – عمليّاً - وبغض النّظر عن الصّورة الكاذبة التي كان يقدمها نظام آل الأسد، في حالة من التّفكّك والانغلاق على الهويّة ما قبل الوطنيّة، فبقي الشّعور الوطني السّوري الجامع ضعيفاً.
أولاً: عوائق تقسيم سوريّة
وسط تقاسم النّفوذ بين القوى الإقليميّة والدّوليّة، يجري الحديث عن تقسيم سوريّة إلى دويلات، غير أنّ هذا الحديث تعترضه عوائق عديدة، منها: أنّه في ظلّ توازنات سياسيّة - عسكريّة غير مستقرّة، وفي ظلّ احتمالات تغيير مواقف القوى الخارجيّة في الموضوع السّوري، وفي ظلّ عدم وجود قرارات دوليّة حول مستقبل سوريّة. وإرادة الشّعب السّوري، الذي اتخذ على عاتقه مهمّة إبقاء سوريّة موحّدة بعد رحيل نظام آل الأسد. خاصّة في ظلّ عوامل أبرزها التّداخلات السّكّانيّة، من حيث توزّع الانتماءات القوميّة والدّينيّة والطّائفيّة على غالبيّة المحافظات السّوريّة، وكذلك الرّوابط والمشتركات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة المتداخلة للسّوريين.
ولكن، في ظلّ صراع الهُويّات القائم اليوم، وكذلك المقتلة التي عصفت بسوريّة، أصبح السّوريون في حاجة ملحّة إلى عقد اجتماعي جديد، ينقلهم إلى الحالة الوطنيّة الجامعة. 
 إنّ تقسيم الأمر الواقع الحاصل اليوم، لا يمكن أن يتحوّل إلى تقسيم سياسي يؤسّس لكيانات جديدة. ولكن قد يكون خيار اللاّمركزيّة الإداريّة الجغرافيّة الموسّعة متاحا، في حال حصل التّوافق بين السّوريين، خلافاً لخيار التّقسيم الذي تقف دونه كثير من العوامل السّياسيّة والميدانيّة والجغرافيّة والاقتصاديّة.
ثانيًا: تحديات فيدرالية PYD 
لعلَّ أول متحقّق لمحاولات تقسيم سوريّة، حدث في الشّمال السّوري، مع تشكيل كانتونات الإدارة الذّاتية، التي فرضها حزب الاتحاد الدّيمقراطي(PYD)، حين أرسى دعائم ما يشبه دويلة، تحت مسمى «غرب كردستان»، وشكّل قوّات عسكريّة، دعاها « قوّات حماية الشّعب»، وشكّل أيضاً شرطة معروفة باسم «أساييش»، لعبت دوراً كبيراً في ملاحقة وقمع النّاشطين الأكراد المختلفين مع ما يطرحه الحزب وتوجّهاته، وممارساته.
ولعلَّ طرح حزب الاتحاد الدّيمقراطي لموضوع الفيدراليّة، وقبلها الإدارة الذّاتية، جعله موضع تساؤل، امتد إلى تناول علاقته بعامّة الأكراد، وبالأحزاب الكرديّة، ولم يقف عند التباس الخطوات الانفراديّة التي قام بها منذ قيام الثّورة السّورية، حيث أثيرت شكوك عن وجود علاقة بينه وبين سلطة آل الأسد، منذ سحب النّظام قواته وأجهزته من المناطق ذات الغالبيّة الكرديّة، وتركها في عهدة مسلّحي هذا الحزب.
حقيقة الأمر، أنّ التّحديات التي تواجه قيام دولة كرديّة في شمال سوريّة، لا تقف عند عتبة الظّروف الإقليميّة والدّولية فقط، فثمّة عوامل تخصّ الحالة الكرديّة هناك، من المساحة الجغرافيّة الضّيقة وامتدادها على طول الشّريط الحدودي مع تركيا، على شكل ثلاث مناطق منفصلة، تخترقها مناطق ذات أغلبيّة عربيّة. 
وعليه، يمكن وضع تصريحات بعض السّياسيين الكرد، حول مشروع الدّولة المستقلّة والتّهديد بالسّعي إلى الاستقلال وتقرير المصير، ضمن خانة الاستثمار في عواطف القاعدة الشّعبيّة الكرديّة، واستخدام هذه المطالب كأداة تفاوضيّة للحفاظ على شرعيّة محلّية.
ثمّ أنّ المشروع الفيدرالي في شمال سوريّة ربّما سيولّد نزاعاً جديداً بين مكوّناته لا يستطيع أحد التّنبؤ بنتائجه، خاصّة أنّ للمشروع حدوداً جغرافيّة قد تتسبّب في نزاعات شبيهة بالنّزاعات التي واجهها إقليم كردستان العراق مع حكومة المركز.
سورية، بخلاف العراق، لا تسمح طبيعتها الجغرافيّة، وتداخل مكوّناتها، بالقسمة وفق هذا التّصوّر الذي يُراد الاسترشاد به، أو استنساخه، إذ لا يستطيع أيّ مكوّن الانفصال عن غيره، خاصّة أنّ المكوّنات العرقيّة والدّينيّة والمذهبيّة في سوريّة، ليس لها جغرافيا محدّدة، وليس لها أغلبيّة بشريّة إلاّ في أماكن محدودة، غير مؤهّلة لأن تكون أقاليم فيدراليّة قائمة بذاتها. 
وفوق كلّ ذلك فإنّ الحديث عن فيديراليّة وديموقراطيّة لا يستقيم مع وجود حزب مهيمن يفرض سطوته الأحاديّة بالقوّة المسلّحة، لأنّ هذا سيكون نموذجاً لحزب بعث آخر. أمّا في حال أخرى، أي في حال حسم الأكراد الأمر باعتبارهم غير سوريّين، أي أكراد يريدون انتزاع دولتهم القوميّة، ومن ضمن ذلك ما يعتبرونه أرضهم الخاصّة من سوريّة، في هذه الظّروف الصّعبة والدّقيقة، فهذا شأن آخر، ويخشى أن هذا سيضعهم في مشكلة أخرى، وإزاء حروب أهليّة أخرى، ووقوداً لمآرب دوليّة وإقليميّة، بغض النّظر عن رأينا بمظلوميّة الأكراد التّاريخيّة، وعدالة أو مشروعيّة حقّهم في دولة قوميّة، في أراضيهم المتوزّعة بين إيران وتركيا والعراق وسوريّة.
إنّ توزّع الأكراد الدّيموغرافي على قسم كبير من الجغرافيا السّوريّة، خاصّة في مدينتي دمشق وحلب، واختلاطهم الكثيف في مناطق الجزيرة السّورية وشرق نهر الفرات بالعرب وغيرهم من القوميّات الأخرى، يجعل الخيار الوطني السّوري خياراً مفروضاً موضوعيّاً بقوّة الجغرافيا والدّيموغرافيا.
ثالثًا: نحو عقد وطني جديد
إنّ الأمر يتطلّب بلورة عقد وطني جديد، وهذا يستدعي أن يتناول الحلّ السّياسي القادم المسائل الأساسيّة كافّة، التي تهمّ جميع المكوّنات السّوريّة، من خلال انخراط الجميع في عمليّة صياغة هذا العقد، مع توفير الضّمانات لإنجاحه وتثبيت نتائجه وحماية هذه النّتائج.
ممّا يستوجب الانخراط في إنتاج نظرة سوريّة راهنة إلى سائر القضايا السّوريّة، وما يعنيه هذا من ضرورة الانتقال من الصّراع القومي إلى الحوار الوطني، الهادف إلى بناء الدّولة الوطنيّة الحديثة، دولة كلّ مواطنيها المتساوين في الحقوق والواجبات. 
وفي هذا السّياق فإنّ وحدة القوى الدّيمقراطيّة العربيّة والكرديّة ضروريّة، لنيل حقوقهم كاملـة في مرحلـة ما بعد الاستبداد، بدعم من جميع الأطياف الدّيمقراطيّة التي ستشترك في بناء النّظام الجديد، سيجعل من الاستحالة تجاوز حقوق كلّ الأطياف.
لهذا تبدو الحاجة ملحّة الآن، أكثر من أي وقت مضى، إلى تنظيم وإطلاق حوار وطني واسع، يقوم به سوريّون أحرار، يمتدّ ليشمل البلد بأكمله، ويفضي إلى عقد اجتماعي جديد. وإنّه لأمر بديهي أنّ استعادة الدّولة أولاً، وإرساء الدّولة الوطنيّة الحديثة، والمجتمع الدّيمقراطي التّعدّدي ثانياً، يشكّلان حجر الزّاوية في العقد الاجتماعي المأمول.
وهكذا، يخطئ من يعتقد بأنّ الرّفض والإدانة للفيديراليّة والعودة للتّهديد بأساليب القهر والقسر يمكنها حماية وحدة البلاد، فالطّريق المجربة للحفاظ على اللّحمة الوطنيّة هي حين تنظّم حياة السّوريين قوانين لا تميّز بينهم ويتلمّسون بأنّهم بشر متساوون في الحقوق والواجبات، طريق لا يمكن أن تنهض إلاّ بنقد الماضي المكتظّ بكلّ أنواع الظّلم والاضطهاد، والاعتراف بأنّ النّظام المركزي بنسخته الشّموليّة ذهب إلى غير رجعة. ما يعني ضرورة إعادة النّظر بأفكارنا القديمة، وبشعاراتنا عن التّعايش والتّعدديّة، استناداً إلى أنّ وحدة الوطن ومعالجة تنوّعه القومي والدّيني، لا يمكنهما أن تتحقّقا بصيغة عادلة إلاّ على قاعدة الدّيموقراطية ودولة المواطنة.