بهدوء

بقلم
ناجي حجلاوي
الإعجاز القرآني: المفهوم والإشكالات (الحلقة الأولى)
 لقد تنزّلت اللّغة من حياة الإنسان منزلة الضّرورة الّتي تميّزه عن كلّ الكائنات الأخرى في هذا العالم. وهذه القضيّة تعود جذورها إلى زمن جهّز الّله فيه آدم بجهاز التّصويت ونفخ فيه من روحه، فأضحى بذلك قادرا على التّصويت والمحاكاة والفصل بين الدّالّ والمدلول، وذلك بما أوتيه من قدرة على التّجريد. ومن هذا المنطلق، أضحى الاستدلال بالبيان، وإظهار المعاني، حجّة تبرهن عن هذه الميزة المتفرّدة في الإنسان. 
والاصطلاح في اللّغة علامات يُستدلّ بها، وبها يتمّ التّفاهم بين النّاس، إذ اللّغة تُرجمان العلم وبها تتّضح تصاريف الأفكار. ولقد بدت عناية اللّغويّين بضبط القواعد النّحوية والبلاغيّة والعناية بها عناية دقيقة من أجل ضبط نواميس الاستعمال وتحديد مجريات اللّسان بصفة عامّة. وهكذا تمّت عمليّة تجاوز ما هو خاصّ في التّداول، إلى الوقوف على ما هو عامّ في ضبط النّواميس المنظّمة. ولربّما تسبّب علم الكلام في دفع هذا التّوجّه المنطقيّ في اللّغة، تجريدا وتقعيدا. يورد الجاحظ في الحيوان أنّ «للعرب أمثالا واشتقاقات وأبنية وموضع كلام يدلّ عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخر ولها حينئذ دلالات أخر، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسّنّة والشّاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وضروب العلم وليس هو من أهل هذا الشّأن هلك وأهلك»(1) . 
ولمّا كان الاستعمال المجازيّ غير منضبط لما يحتوي عليه من توسّع وفرديّة، فإنّ الاتّباع لما كان عليه دأب الأوّلين إنّما هو مبرّر ومشروع، ومن ذلك تسرّبت الرّواية والحفظ حين تظافر المعقول مع المنقول تظافر الشّكل مع المضمون. وإزاء فهم القرآن تمّت دراسات تُعنى بفنّ القول لبلورة مدخل بلاغيّ يلج به الدّارس إلى الفضاء القرآنيّ، ومن ذلك توفّرت أجهزة تحليليّة عمادها المفاهيم الثّاوية في بعض  اصطلاحاته وذلك من أجل اكتناه مكامن البلاغة في الخطاب القرآني وأسرارها.  
ولمّا كان نزول القرآن أهمّ حدث شهدته شبه الجزيرة العربيّة في القرن السّابع للميلاد، فإنّ بعض المستشرقين قد أطلق عليه لفظة «الحدث»(2)، وذلك لبيان آثار القرآن في تشكيل الثّقافة السّائدة آنذاك. فكانت الرّسالة الّتي بشّر بها القرآن متميّزة بخطابها المتّجه لعقل إنسانيّ أكثر نضجا وأشدّ استعدادا للنّهوض بما تضمّنته من أبعاد دنيويّة وإيمانيّة. 
وقد كانت المسألة اللّغويّة، حسب القدامى، هي الحجّة البالغة الّتي تشهد بصحّتها وإعجازها. وقد أذعن لها أصحاب اللّسان، الّذين كانوا أمّة شِعْر، لما فيها من قوّة البيان وشدّة التّحدّي. وقد أشار الرّمّاني إلى هذه الظّاهرة الدّاعمة لقوة القول في الخطاب القرآنيّ عندما قال: «الإعجاز هو امتناع الشّيء كامتناع ما يعجز عنه بعض القادرين دون البعض، واللّه جلّ وعزّ قادر عليهم لا يمتنع عليه ما يريده فيهم»(3) .
 وإذا دأبت العرب على أفانين من القول، فإنّ المفسّر، حسب ابن قتيبة، يتعيّن عليه الإمساك بهذه الأفانين، يقول: «وإنّما يَعرف فضل القرآن من كثُر نظره واتّسع علمه وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب وما خصّ بها لغتها دون جميع اللّغات، فإنّه ليس في جميع الأمم أمّة أوتيت من العارضة والبيان واتّساع المجاز ما أوتيته العرب»(4). علمًا بأنّ القرآن وإن خرج عن مألوف الكلام، فإنّه لم يخرج عن أساليب العرب في أداء المعاني وإنتاجها، وقد جرى القرآن من المادّة اللّغويّة وقُدَّ منها.
وإذا كان المجاز خروجا عن الكلام العاديّ، فإنّ القرآن قد خرج عن الخروج في الكلام، لذلك سيبحث المفسّرون عن مسالك تضطلع أكثر فأكثر بالمقاصد والمعاني البعيدة (5) .
الهوامش
(1)    الجاحظ، الحيوان، ج1، م س، ص ص 153،154.
(2) انظر حمّادي صمّود، التّفكير البلاغي عند العرب، م س،  ص33.
(3) الرّمّاني، التّفسير، م س،  ص257.
(4) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، م س، ص20.
(5) الفرّاء، معاني القرآن، ج1، م س،  ص ص 289،290.