همسة

بقلم
مراد العربي
البيان رقم 2
 نشرت إحدى الصحف اليومية التونسية منذ أيام نصّا أمضاه عدد من المثقّفين «الغاضبين» وأطلقوا عليه «البيان رقم 1»... وبقطع النّظر عن مضمون النّص ودواعي الغضب التي قد لا يختلف حولها إثنان، فإنّ الدّلالة التي يحملها عنوان البيان خطيرة وهي الدّعوة الصّريحة إلى انقلاب يقوم به «عسكري منتظر» يملك في يمينه عصا سحريّة يحلّ بها مشاكل البلاد الإقتصادية، وفي شماله عصا بيضاء يقمع بها التّحركات الإجتماعية، يعضده في ذلك «بنفسجيّون جدد» يملؤون وسائل الإعلام تطبيلا وتضليلا.
وإن كان هذا الرّجاء لا يُستغرب لو صدر عن بعض من عامّة النّاس الذين أخذهم الحنين إلى «زوج أمّهم الأول»، فدور المثقف ليس مجاراتهم في الهروب «من القطرة إلى الميزاب» والحلم بحسم قصووي، لكنّه على المدى الطّويل كارثي، بل دوره هو استخلاص العبرة من التّجارب الماضية في تونس واقتراح الحلول التي أثبتت نجاعتها على مستوى التّاريخ البشري وتتمثّل ببساطة في الانتخابات والتّداول السّلمي على السّلطة يرافق ذلك تثمين للخبرات الموجودة في ميدان الإقتصاد والإدارة لتحسين الأوضاع ما أمكن ذلك...
إن الإصلاح عموما لا يخرج من اتجاهين :
إذا حصلت القناعة بأنّ الشّعب قد فشى فيه الجهل والهمجيّة، فإن إصلاح المجتمع يكون هو الأولوية والمفترض أن تقوم به طليعة من المثقّفين الملتزمين مثلما فعل أدباء وشعراء الحركة الوطنيّة خلال فترة الاستعمار حيث جابوا قرى البلاد وأريافها لإحياء الهمم وتنوير العقول. 
أمّا إذا «بلغ الشّعب درجة من الوعي» فالمطلوب حينئذ إصلاح فوقي عن طريق الدّولة وهذا يتمّ بإعداد برنامج إنقاذ واقتراحه على الشّعب في الانتخابات القادمة التي من المفترض إجراؤها أواخر 2019. 
هذان الطريقان المشروعان لمن أراد إصلاحا وسدادا...
أما التّخلي عن المسؤوليّة وإلقاؤها على عاتق الأمن أو العسكر، فلن ينتج غير حالة تشبه في أفضل الأحوال، الحالة المصريّة.
يروى أنّ الحسن البصري كان يقول أنّ « الفتنة إذا أقبلت عرفها كلّ عالم ...وإذا أدبرت عرفها كلّ جاهل»، وبما أنّ القرن العشرين الذي أدبر مليء بفتن الإستبداد في عالمنا، فالمطلوب من مثقفينا فقط الإرتقاء إلى مستوى الجهلاء إذا لم يقدروا على الإستشراف كما يفعل العلماء.