عندما يتحدّث مارتن هايدغر(1) عن نمط وجود جديد فهو لا يقصد تغيّراً في الطّبيعة البيولوجيّة للإنسان، وإنّما يشير إلى تحوّل عميق في الكيفيّة التي ينكشف فيها الوجود للإنسان، ويفهم عبرها ذاته والأشياء والزّمان والمعنى. كلّ عصر تاريخيّ ينكشف فيه الوجود للإنسان بكيفيّة معيّنة، التّقنية الحديثة ليست حياديّة، بل طريقة مخصوصة يظهر بها العالم للإنسان. الوجود عند هايدغر ليس معطى ثابتاً، وإنّما أفق انكشاف تاريخيّ، وكلّ عصر يفرض كيفيّته الخاصّة في هذا الانكشاف، وحين يتغيّر الأفق يتغيّر نمط الوجود نفسه. ماهيّة الوجود الخوارزمي ليست خوارزميّة، يقول هايدغر: «ماهيّة التّقنية ليست مطلقاً شيئاً تقنيّاً»(2)، بمعنى أنّ التّقنية الحديثة لا تُفهم على حقيقتها إذا اختُزلت في الأدوات والآلات والأجهزة والمعادلات الرياضيّة، لأنّها قبل ذلك نمط تاريخيّ لانكشاف الوجود. التّقنية ليست مجرّد وسائل وأدوات بيد الإنسان، إنّما هي أفق شامل تظهر فيه الأشياء والعالم والإنسان نفسه من زاوية واحدة، هي زاوية الوظيفة والسّيطرة والمعادلات الحسابيّة. هذا النمط من الانكشاف يسمّيه هايدغر الجهاز (Ge-stell)، وهذا الجهاز ليس آلة ولا منظومة تقنيّة بعينها، بل الإطار الكليّ الذي تظهر فيه الموجودات ويضعها تحت الطلب. في هذا الجهاز يظهر كلّ ما هو كائن، بما في ذلك الإنسان، بوصفه مخزوناً قابلاً للحساب والتّنظيم والاستغلال. |