يعتقد البعض من الَّذِين يُبصرون في الاكتساح العَوْلَمِيّ قَدَرًا على الإنسان، أنَّ الثَّقافات تَتَّجِه نحو التَّسْطِيح والضُّمُور، بسبب تَسَيُّد التِّقْنِيَّة ونظام الفَرْدَانِيَّة في الاجتماع والاقتصاد؛ ورغم بعض الشَّواهد الماثلة أمامنا على هذا الإقرار، إلَّا أنَّ تحديق النَّظر وتعميق الفهم، يدفع بنا إلى مراجعة هذه الفكرة على شِدَّة ذيوعها، فالعالم اليوم بقدْر ما هو تِقْنِيّ وعَوْلَمِيّ بقدْر ما هو ثقافي وروحي أيضًا، فإذا كانت التِّقْنِيَّة العَوْلَمِيَّة هي تجلٍّ للمكوِّن المادِّي في الإنسان، فإنَّ الثَّقافة هي تجلٍّ للمكوِّن الرُّوحِيّ؛ وإذا كانت التِّقْنِيَّات المادِّيَّة تتشابه؛ فإنَّ السِّمات الثَّقافِيَّة تختلف؛ لأجل هذا، فإنَّنا نبتغي الإشارة إلى أهمِّيَّة المقارنة بين الثَّقافات المختلفة وليس بين التِّقْنِيَّات المُتَشَابِهَة، والغرض ليس هو توسيع شُقَّة الاختلاف، بل الوعي بالخُصُوصِيَّات الثَّقافِيَّة التي تُمَيِّز المجتمعات اليوم، وهي خُصُوصِيَّات دافعة ورافعة ومُتَجَلِّيَة في الفعل والإنجاز، هذا، ويُعَدُّ مجال: الفلسفة المقارنة، هو المبحث الَّذِي يَتَوَلَّى القيام بمكاشفة الخُصُوصِيَّات الثَّقافِيَّة وتعيين مقولاتها التَّأْسِيسِيَّة، وشرح دورها المِحْوَرِيّ، في رسم الملامح الجَوْهَرِيَّة للمنحى الحَضَارِيّ العام. وبناء على هذه المقدِّمة: ما هي المُحَدِّدات العامَّة للثَّقافات السَّائدة اليوم؟ وما هو نطاقها المركزي في فهم العالم وطريقة الحياة فيه؟
|