شخصيات
| بقلم |
![]() |
| م.فيصل العش |
| عبد الرحمن الكواكبي: رائد التّجديد ومفكّك بنية الاستبداد |
يمثّل المفكّر والأديب عبد الرّحمن الكواكبي إحدى الرّكائز الأساسيّة في حركة النّهضة العربيّة الحديثة، وصوتا طليعيّا أدرك مبكّرا أنّ الكلمة المكتوبة هي الجبهة الأولى في معركة الإصلاح. لقد أدرك الكواكبي، من خلال موقعه المتقدّم في إدارة التّحرير الصّحفيّ، أنّ مسؤوليّة الصّحافة تتجاوز نقل الأخبار إلى صناعة الوعي وتفكيك بنية التّخلّف. ولم يكن مجرّد ناقد سياسيّ، بل كان باحثا يغوص في التّحليل الفكريّ العميق، ويمارس «التّدبّر» الهادئ في النّصوص المؤسّسة والتّاريخ لفهم أسباب تراجع الأمّة. إنّ مسيرته تجسّد دور الكاتب والمحرّر الذي يحمل هموم مجتمعه، محاولا تصحيح الأخطاء المفاهيميّة وبناء عقل جمعيّ قادر على مقاومة الاستعباد.
1. المولد والنّشأة والتّعليم
أبصر عبد الرّحمن بن أحمد بهاء الدّين الكواكبي النّور في مدينة حلب سنة 1271 هجريّة، الموافقة لسنة 1855 ميلاديّة. ونشأ في كنف أسرة حلبيّة اشتهرت بالعلم والقضاء والتّوجيه الدّينيّ. هذه البيئة الأصيلة وفّرت له حاضنة ثقافيّة متينة، حيث بدأ مسيرته التّعليميّة في «المدرسة الكواكبيّة» التي أسّسها أجداده. هناك، تلقّى علومه الأولى فدرس الفقه الإسلاميّ، وأصول الشّريعة، والمنطق، وتعمّق في دراسة اللّغة العربيّة وآدابها، محقّقا تمكّنا لغويّا استثنائيّا. وأتقن اللّغتين التّركيّة والفارسيّة، ممّا فتح له نوافذ واسعة للاطّلاع على آداب وثقافات مختلفة. كان الكواكبي منفتحا على عصره؛ فقرأ بشغف التّرجمات الحديثة للفكر السّياسيّ الغربيّ، وتعرّف على مفاهيم القوانين والأنظمة الدّستوريّة، ممّا منحه قدرة عالية على المقارنة والتّحليل الفكريّ الرّصين. ورغم أنّه لم ينخرط في أروقة الجامعات الغربيّة الحديثة، إلّا أنّ تكوينه الموسوعيّ وشهادات شيوخه في المدرسة الكواكبيّة جعلت منه عالما متبحّرا ومفكّرا يمتلك أدوات التّحليل الهيكليّ لواقع أمّته.
2. المناصب والمسؤوليّات
انخرط الكواكبي في الحياة العامّة مبكّرا، مدركا أنّ التّغيير يتطلّب التّواجد في الميدان. بدأ مسيرته المهنيّة في حقل الصّحافة، وهو الميدان الذي وجد فيه ضالّته لخدمة مشروعه الإصلاحيّ. عمل محرّرا في جريدة «الفرات» الرّسميّة التي كانت تصدر باللّغتين العربيّة والتّركيّة، لكنّه سرعان ما أدرك القيود التي تفرضها الصّحافة الرّسميّة على حريّة التّعبير.
وانطلاقا من إيمانه بضرورة وجود منبر حرّ، انتقل لتأسيس وإدارة تحرير صحفه المستقلّة. أصدر صحيفة «الشّهباء» سنة 1877، لتكون منبرا جريئا يفضح الفساد وينتقد ممارسات السّلطة العثمانيّة، ممّا أدّى إلى إغلاقها سريعا. لم ييأس، بل عاد ليصدر صحيفة «الاعتدال» سنة 1879، والتي لاقت نفس المصير. إنّ هذه التّجربة المريرة في إدارة المطبوعات والتّوزيع، ومواجهة الرّقابة، صقلت وعيه بأهمّيّة العمل التّحريريّ المنظّم في إيقاظ وعي الجماهير. إلى جانب الصّحافة، تقلّد الكواكبي عدّة مناصب حكوميّة وقضائيّة في حلب. عيّن عضوا في مجلس المعارف، وتولّى إدارة المطبعة الرّسميّة، واختير رئيسا فخريّا لبلديّة حلب، كما مارس مهنة المحاماة، حيث كرّس وقته للدّفاع عن الفقراء والمظلومين في وجه كبار الموظّفين الفاسدين. أدّى هذا الصّدام المستمرّ مع السّلطة، وتحديدا مع والي حلب، إلى تدبير مكائد ضدّه، أسفرت عن سجنه ومصادرة أملاكه. وبعد تبرئته، اختار الهجرة إلى مصر سنة 1899، باحثا عن فضاء أرحب لنشر أفكاره ومطبوعاته دون تضييق.
3. مشروعه الفكريّ وأهمّ عناصره
يعدّ المشروع الفكريّ لعبد الرّحمن الكواكبي من أنضج المشاريع النّهضويّة العربيّة، حيث ارتكز على منهجيّة التّحليل الفكريّ والتّفكيك العميق للمنظومات الحاكمة، بعيدا عن السّطحيّة. يتأسّس مشروعه على ركنين أساسيّين متكاملين:
1.3 تفكيك طبائع الاستبداد:
أدرك الكواكبي أنّ الانحطاط الحضاريّ ليس قدرا حتميّا، بل هو نتيجة مباشرة للاستبداد السّياسيّ. وقد تفرّغ لدراسة هذا الدّاء دراسة بنيويّة، محلّلا تأثيره المدمّر على الدّين، والعلم، والمجد، والمال، والأخلاق. كان يرى أنّ المستبدّ يتعمّد نشر الجهل وتشويه المفاهيم الدّينيّة الصّحيحة ليضمن بقاءه، وأنّ الإصلاح الحقيقيّ يبدأ بتحرير العقل من الخوف. ففي التّشخيص الهيكليّ لأصل الاستبداد وتحالفه مع الفساد، يقول الكواكبي: «الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشّرّ، وأبي الظّلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمّي الضّرّ، وخالي الذّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أمّا ديني وشرفي فالمال المال المال.»(1)
وفي رصد العلاقة بين الجهل كسلاح والخوف كنتيجة، يقول: «أضرّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف»(2)، وفي نقده لتوظيف الدّين لخدمة الطّغيان، يقول الكواكبي: «ما من مستبدّ سياسيّ إلى الآن إلّا ويتّخذ له صفة قداسة يشارك بها الله، أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله. ولا أقلّ من أن يتّخذ بطانة من خدمة الدّين يعينونه على ظلم النّاس باسم الله» (3). وفي تعريف فقدان الحريّة وتأثيره المهلك يقول: «إنّ البليّة فقدنا الحريّة، وما أدرانا ما الحريّة؟ هي ما حرمنا معناه حتّى نسيناه، وحرّم علينا لفظه حتّى استوحشناه! إنّ الحريّة أعزّ شيء على الإنسان بعد حياته... بفقدانها تفقد الآمال وتبطل الأعمال وتموت النّفوس وتتعطّل الشّرائع وتختلّ القوانين.» (4) وعند الحديث عن القواعد الحتميّة للتّغيير اشترط الوعي الجمعيّ لتحقيق التّحرّر كأولى القواعد قائلا: «الأمّة التي لا يشعر كلّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقّ الحريّة» (5)
2.3 الجامعة الإسلاميّة والنّهضة العربيّة:
في مشروعه الثّاني، قدّم رؤية استراتيجيّة تتجاوز نقد الواقع إلى اقتراح الحلول. فشخّص أسباب الفتور في العالم الإسلاميّ، ودعا إلى توحيد الصّفوف عبر رابطة إسلاميّة صحيحة قائمة على الشّورى، مؤكّدا على الدّور المحوريّ للعرب في قيادة هذه النّهضة نظرا لكونهم حملة الرّسالة وأصحاب اللّغة الأصليّة التي نزل بها القرآن الكريم. تجلّت هذه الرّؤية الاستراتيجيّة بوضوح في كتاب الكواكبي الثّاني «أمّ القرى». ففي تعليله للمركزيّة المحوريّة للعرب في نهضة الإسلام:
أورد الكواكبي في خاتمة الكتاب (تحت عنوان المنشور العامّ للمؤتمر) نصاً حاسماً يربط فيه بين حياة الإسلام وحياة العرب، قائلاً: «إنَّ جزيرة العرب هي مهد الإسلام، والحجاز هو المركز، والعرب هم مادّة الإسلام، والعربيّة هي لسانه، وهم أحرص النّاس على حفظه، وأحقّ النّاس بالقيام به... فما لم ينهض العرب لا ينهض الإسلام، كما أنّه ما لم يضعف العرب لا يضعف الإسلام.» (6) وفي تشخيصه «داء الفتور» وضرورة التّجمّع يصف الكواكبي الحالة العامّة للأمّة وضرورة البحث عن حلّ جماعيّ: «إنَّ هذا الفتور الذي ران على المسلمين منذ قرون، ليس له سبب واحد، بل هو مجموع أسباب دينيّة، وسياسيّة، وأخلاقيّة، تضافرت على إماتة القوّة الحيويّة في الأمّة... وإنَّ من أعظم الأدوية هو الاجتماع والتّعاون على البرّ والتّقوى.» (7) وفي بناء الرّابطة على أساس الشّورى والعلم
يشرح الكواكبي الغاية من «جمعيّة أمّ القرى» التي اقترح تأسيسها، مؤكّداً على الطّابع الاستشاريّ والعلميّ: «إنَّ الغاية من هذه الجمعيّة هي إيقاظ القلوب، وتنبيه الأفكار، وتعليم الجاهل، وتذكير الغافل، بمقتضى ما تقرّره الشّورى بين العلماء المخلصين، بعيداً عن الاستبداد بالرّأي أو الانفراد في التّدبير.» (8)
بهذا المنهج التّحليليّ الرّصين، والكلمة المحرّرة بدقّة، خلّد الكواكبي اسمه في سجلّ روّاد الفكر، تاركا إرثا لا يزال قابلا للتّدبّر وإعادة القراءة حتّى يومنا هذا.
الهوامش
((1) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، تقديم ومراجعة: د. محمد لطفي اليوسفي، إصدارات سلسلة «كتاب الدوحة»، وزارة الثقافة والفنون والتراث (الدوحة - قطر)، ط 1، 2011م، ص67.
(2) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، كلمات عربية للترجمة والنشر (القاهرة - مصر)، ط 1، 2011م، ص35.
(3) نفسه ، ص 27.
(4) أمّ القرى، عبد الرحمن الكواكبي، مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة (القاهرة - مصر)،ط 1، 2012م، ص 69.
(5) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، مؤسّسة هنداوي للتّعليم والثّقافة (القاهرة - مصر)،ط 1، 2012م، ص 110.
(6) أمّ القرى (ضمن «الأعمال الكاملة للكواكبي»)، الدكتور محمد جمال طحّان، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت - لبنان)، ط3، 2007م، ص 343
(7) نفسه، ص 265
(8) نفسه، ص 328
|




