تمتمات
| بقلم |
![]() |
| م.رفيق الشاهد |
| التراث الأبيض |
في أروقة المعرض بين لوحة وأخرى، اتبعت خطاه من بعيد، من دون أن ينتبه، أي تلصّصت على حركاته التي بدت لي غريبة وكأنها مفتعلة بقصد منه لتلفت نظرات الجميع إليه. زائر يبدو ستينيّا، رصينا وكثير الانتباه إلى التفاصيل التي لا يتوانى في تثبيتها على صفحة مذكّرته التي لم تفارق يده اليسرى، بينما تسلّحت الأخرى بقلم رصاص مبريّ بعناية وقد استهلك نصفه أو أقل من ذلك بقليل. تفحّص كل اللوحات تقريبا بنفس الاهتمام والتمعّن. فكان يطيل النظر دون ملل ويتفحّص بإسهاب عن قرب جميع مكوّنات اللوحة حتى إطارها.
نحن في عطلة الربيع، أقيم بقاعة المؤتمرات بدار الثقافة حيث يُقام معرض لأعمال فنية للرسّام الشاب «طه يس»، نظّمته جمعية علوم وتراث بالقلعة الكبرى مساهمة منها في دعم الحركة الثقافية المحلية. فقامت كعادتها بدعوة رموز الثقافة والفنون بالجهة لزيارة المعرض وتشجيعا للمواهب.
كان الزائر الغريب يستعين بأدوات يسحبها من جيب الجاكيت، فأحيانا يخرج شريط قيس ملفوفا (متر) لأخذ مقاييس اللوحة بدقة ويخرج أحيانا أخرى عدسة مكبّرة يستعملها لمزيد التثبّت والإمعان في دقائق تفاصيل الرسوم. فكان يطيل فحص الرسوم الزيتية فيغوص في مطبّات تضاريسها وأطياف الألوان التي خلّفتها أدوات معالجة عجائن الطلاءات ويتحسّس برفق ما قرّبته العدسة من تدرّج متناسق بين الطبقات المرصوفة بدقة وعناية. كتل متراكمة هنا ومسطحة هناك خلّفت مزيج ألوان مسحوقة، وشكّلت كلها مع بعضها في نسق فنّي سلسٍ أحيانًا وفظٍّ في أحيان أخرى حدودا بين مناطق ظل في سهول ووديان ومناطق أخرى منيرة ومشعّة على قمم الكتل المتراكمة طبقاتها، أراد الرسام أن تبرز آثار الزمن عليها. اللوحة مثل كل الأشياء الجميلة إذا ما تعرّت ظهرت وبانت شوائبها، عناصر أساسية للعمل الفنّي الذي يبهر القارئ المتمرّس ولا يزيد صانعه إلا مجدا واقتدارا.
وما أثار اهتمامي لا يتعلق بهذا الزائر الذي توقّعت من طريقة تعامله مع الرسوم التي عالجها بشكل احترافي أنّه ليس زائرا اعتياديّا، بل لا يكون إلاّ محترفا وربما صائدا للمواهب وللأعمال الفنية المميّزة، بل كان عجبي أكبر بسبب تلك اللوحة الفريدة التي بدت بيضاء لم تشبها شائبة، أراد منظمو المعرض أن يجعلوها في الركن الأخير للرواق بالقرب من باب الخروج، إلا أنّ الرسام «طه يس» الذي أشرف بنفسه على الأعمال التحضيرية للمعرض وتعليق الصور، لم يخف عنايته الخاصة بهذه اللوحة وحرصه على جعلها في موضع يناسبها حسب تعبيره، ممّا تطلّب دقّ حاملٍ جداريّ جديد بالقرب من الفانوس الجداري الوحيد بالقاعة. وأكّد استغرابي طول مكوث الزائر المميّز الذي تفحّصها بأكثر عناية وجدّيّة من غيرها وما بدا عليه من تعابير الرضاء والانبهار.
لم أكن متمرّسا بما يكفي لأستخلص من تأملاتي في لوحات المعرض ما يمكّنني من كتابة مقال يقدم الأعمال الفنية المعروضة ويلبّي تطلعات قارئيه فكنت عادة ما أكتفي بتقديم إفادة إجمالية حول الحدث ونقل بعض الملاحظات التي التقطها من الزائرين. وكم تمنيت أن ألقي نظرة على كنش الأستاذ المختص وأسرق منه بعضا من ملاحظاته لعلي أثري بها التقرير الذي أعتزم إعداده وتقديمه للهيئة المديرة للجمعية التي كلّفتني بذلك في إطار تقاسم الأدوار بين الأعضاء وتنسيق أنشطتها. ولكنني كنت هادئا قليلا لأنه تمّ الاتفاق مع الرسام على أن ينسجم موضوع المعرض مع محور النشاط الثقافي. وعليه وجدت الرسوم على جميع اللوحات تلتقي في مفترق طرق التراث لتتطرّق إلى عادات الجهة وتقاليدها. وتشير كلها تقريبا إلى رموز الفنون الشعبية الخاصة بمنطقة الساحل وإيحاءاتها. وقد استجاب الرسام وتقيّد بالموضوع المقترح فاختار لوحات دون غيرها لإرضاء أهل الجهة بما تحمل من خصوصيّة الملبس والزينة وآثار للمباني التاريخية المحلية. وإن كنت مكتفيا بما توصّلت إليه من مادّة لتأثيث تقريري إلاّ أنّني طمعت في المزيد لإغنائه وجعله في مستوى مغرٍ للقارئ المهتم. ولم يكن لي بدّ من أن أستدرج الزائر الناقد والعارف في الفنون لعله يبوح لي بسرّ أو بكلمة مفتاح أستخدمها عند المقابلة المرتقبة مع الرسام نفسه. وبعد تردّد، اقتربت منه وافتعلت اصطداما عفويا عادة ما يحدث بين اثنين مستغرقين في تأمل عميق. وحدث ما تمّ ترتيبه ووجب الاعتذار من الجهتين وكذلك العفو المتبادل وحانت حينها الفرصة لمبادرته بتقديم نفسي:
- أهلا وسهلا سيدي، أنا رفيق، عضو بالجمعية المنظمة للمعرض
- تشرّفنا، أنا سالم
- مرحبا، يبدو أنكم أتيتم من بعيد، لم يحصل لي أن رأيتكم من قبل. هنا في بلدة مثل القلعة الجميع يعرف الجميع.
- صحيح أنا اشتغل في مجال الفنون وحصل أن تعرّفت على أعمال الرسام طه ووجدت فيها ما يجذبني. فصرت أتابع البلاغات والإعلانات لزيارة معارضه والاطّلاع عن كثب على أعماله.
- ألهذه الدرجة تبدو أعمال هذا الشاب جذابة؟
- من وجهة نظري كمختص، أعتقد أنه مشروع فنان سيذكره التاريخ. هو شاب موهوب ومبدع.
- رأيكم محترم أستاذ وليس لي أن أناقضه، ولكن من جهتي لا أرى إبداعا في تلك اللوحة البيضاء التي لا تحمل أي رسم. رغم ذلك رأيتكم توقّفتم عندها طويلا.
أمسكني الأستاذ من مرفقي وكأنّه يوجّهني نحو باب الخروج.
- ألا توجد كافيتريا قريبة؟ ألا أدعوك لفنجان قهوة؟ أنا في الحقيقة لا بدّ لي من إشعال سيجارة.
أخجلني الرجل وأربكني، كان أجدر أن أبادره أنا بالدعوة قبله.
- نعم أستاذ، يوجد هنا مقهى يمكن أن تشرفني وتقبل مني الدعوة التي سبقتموني إليها.
واتجهنا معا إلى الكافتيريا الخاصة بالفضاء الثقافي حيث جلسنا حول طاولة صغيرة وتناول كلّ منّا فنجان القهوة. وما أن استقر وارتشف رشفته الأولى، أشعل سيجارة وسحب منها ثم نفث نفسًا طويلاً، رجع إلى حديثه مباشرة:
- فعلا لا أستغرب من اندهاشك. فتلك اللوحة بالذات هي عروس المعرض وهي التي تحمل دلالات ذكية تشير إلى بعد فكري ثاقب وتنبئ بمستقبل هذا الشاب. فأنا في الحقيقة أعددت منذ أشهر دراسة نقديّة لبعض أعماله والتي عالجتها وأُعجبت بها. واليوم أنا مبتهج حيث وجدت الدليل الذي يؤكّد صحة توقّعاتي والتي ستسمح لي بإتمام الدراسة ونشرها. وهذا الدليل هو بالفعل هذه اللوحة البيضاء.
- غريب والله، هل يعلم الفنان بمشروعكم؟ قد تبعثون فيه حماسة جديدة تدفع به إلى مزيدٍ العمل والإبداع.
- أعتقد أن طه فنان موهوب ومازال لم يستأنس بالاحتراف الفني، الأفضل له أن يواصل فنّه حبّا فيه وأن يعزّز إيمانه به حاملا لفكره النيّر وناقلا له. إنّه يبني صرحا.
- أستاذ، لقد أذهلني كلامكم، ورفعتم عاليا فضولي للتعرّف على ما يميّز هذه اللوحة التي أثارت على قدر إعجابكم استعجابي. هل لي، إن لم يكن لديكم مانع، ببعض الإشارات أو المفاتيح التي تمكّنني من فكّ بعض رموزها؟ لا أخفي عنكم كم أنا في حاجة إلى إضافاتكم القيّمة لتنمية معارفي.
- طبعا، ولكن لي شرط وحيد. لا أريدك أن تكتب ما لم تفهم، فلا يصدّقك أحد.
- طبعا يا أستاذ أين أنا من الكتابة؟
- سأخبرك بما فاتك بخصوص هذه اللوحة الفريدة. بانتمائك إلى جمعية علوم وتراث، لا شكّ أنك تعرف القليل عن التراث: ما هو؟، وما مدى أهميته.
- أكيد، أعرف أن التراث هو مجموع الموروثات الثقافية، المادّيّة والمعنويّة، التي خلّفتها الأجيال السابقة للأجيال الحالية.
- جميل، قد لا نختلف في تعريف ما اتّفقت عليه جميع المعاجم، كما لا نختلف في مجالات التراث الذي يُعدّ كذلك ركيزة للهويّة الوطنية والتماسك الاجتماعي، ويتمّ تناقله عبر الأجيال لتعزيز الشعور بالانتماء، كما يُعتبر جسراً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. كل هذا حفظته جملا يعيدها الجميع في كل المناسبات الفكرية.
- هذا كله جميل، والأجمل أن اللوحة البيضاء لم يضع لها الرسام اسما. أكان سهوا؟ لا أعتقد، وهذه سمة أخرى تؤكّد قيمة اللوحة كعمل فنّي يحرّك التراث ويقلب مفاهيمه.
- شوّقتني أستاذ. لو كان للوحة اسم لكنت ربّما فككت بعض رموزها. ولو كان لكم أن تختاروا لها عنوانا، ماذا قد يكون؟
- لكلّ لوحة اسم وإن لم يطلقه صاحب اللوحة سيطلقه من اهتمّ بها. ألم يدفعك إلى مشاركته إبداعه باختيار الاسم؟. ألم تشر إليها باللوحة البيضاء؟ ألا يكفيها هذا الشرف؟
- أنا من ناحيتي، لو طُلِب مني، كنت سأطلق على هذه اللوحة «التراث الأبيض» كعنوان أو ربما «لا تراث للمستقبل». ولكنني أحبّذ فكرة الفنان في أن يتركها غير معنونة حتى يدفع المتلقّي للتفاعل والتفكير.
فجأة قلب الأستاذ سالم ما تبقى من قهوته وسحب من سيجارته نفسا أخيرا قبل أن يسحقها في المطفأة. ثمّ ألقى نظرة على هاتفه، وبلهفة وعلى عجل استأذن وغادر على أمل أن نلتقي مرة أخرى لم تأت بعدُ.
تركني السيد سالم في حيرة من أمري دفعتني مباشرة إلى اللوحة من جديد، لأتفحّص آثار التراث الذي أشار إليه وقد تسلّحت بالأدوات التي رصدتها عند الأستاذ المختص. وسجّلت مثلما فعل كل الملاحظات التي أثارت انتباهي واهتمامي. وقد تبيّن لي أن من يدقّق النظر في صفحة اللوحة يمكن أن تتجلّى له من خلال بياضها الباهت تضاريس وعرة وأحيانا عنيفة وأنها مطلية بطبقات متراكمة تشكّل سهولا ومنخفضات لا تحمل ضلالا وكأن إضاءة باهتة سلّطت على وسط اللوحة عموديا فوق قمة التراكمات وانسابت سلسةً دون ضلال على سفوح امتدت إلى أطراف اللوحة. ولكن أين التراث على اللوحة؟ أين ذلك التراث الأبيض الذي رآه السيد سالم؟ إعجاب الأستاذ كان أكبر مما اكتشفته. هل عليّ أن أستنجد بالفنان لقراءة العمل وفهمه؟ في تلك الحالة سأحرجه، معلوم أنّ المبدع لا يريد الإفصاح عن مغزى عمله الفني حتى لا يختزله فيه، بل يتمنى أن يبقي الباب مفتوحا لنقدٍ بناءٍ يزيد العمل عمقا ويوسع أبعاده فينفتح على آفاق أرحب. سأقرأ اللوحة بعيني أنا وأستنتج رؤى جديدة ربما لم يتفطّن إليها الأستاذ سالم نفسه.
انتظرت آخر الدوام وبعد خروج الزائرين وغلق باب القاعة خلفهم، رجعت إلى اللوحة لأتفحّصها من جديد، فقلبتها من كل جانب. وخذلني هزال معارفي بالمجالات الفنية وجهلي بتقنيات الرسم بصفة خاصة، ولم يزدني حرصي إلا اضطرابا وتشويشا لأفكاري. أطفأت الأضواء واكتشفت كم تأخر الوقت، وأغلقت القاعة وغادرت المقر حاملا برأسي اللوحة بتفاصيلها مثل لاعب شطرنج علقت بذهنه الرقعة ومواقع القطع وكل الاحتمالات المتوقعة لكل حركة مرتقبة
لا أعرف كيف وصلت إلى البيت ولا كيف وجدتني في فراشي ممدّدا ولا أعرف كم من الليل تزحزح أمام تقدّم جبهة الفجر، ولولا أنني انتبهت إلى الساعة الجدارية التي تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. هذا يعني أنني لم أنم. كيف يأتيني نوم يهدهد جفوني وأبواب حسّي تطرق بمطارق من حديد؟ نسيت أن أنام لمّا فتحت جميع مذكّراتي الدراسية وتحاورت مع عدّة مواقع للبحث السيبراني، والتجأت إلى المعاجم والذكاء الاصطناعي لمزيد إلمام بمعارف تتعلق بالتراث لعلّي أتطلّع إلى ما يراد بالمصطلح الذي قدمه السيد سالم عنوانا للوحة البيضاء. وهكذا قضيت ثلثي الليل بين دفتين افتراضيتين جمعتا كل ما له صلة بالتراث: ماهيته، وأنواعه ، وفوائده. لقد أثار السيد سالم فيَّ أسئلةً وفتح لي بابا قد لا يُغلق.
طالما ارتبطت بالتزام أن أقدم التقرير للهيئة المديرة في موعده وقبل أن يبرد معدن الحدث «معرض الفنان الموهوب طه يس»، لا بدّ أن أفي بوعدي. إلا أنني بعد أن غصت فيما لا أفهم دون أن أفهم، اتضح لي أنني لست ملزمًا بأن يحمل تقريري إشارات إلى النقد الفنّي الذي لا أتقنه. زد على ذلك، فقد وعدت من جهتي الأستاذ سالم ألاّ أكتب ما لم أفهم. ولكنني في كل الحالات سأكون كما تعوّدت صادقا، والصدق سيدفعني للبوح بسرّ هذه اللوحة الغريبة دون الخوض في تفاصيلها. هذا ما خلصت إليه في الأخير وهو ما يفترض أن أقوم به اليوم ودون تأخير. ولابدّ في هذه الحالة من زيارة أخيرة للوحة قبل أن يتم تفكيك المعرض وترحيلها.
على هذه الهواجس يبدو أنني استسلمت للراحة فنمت غلبة لا رغبة. وأفقت في ذعر خشية ألاّ ألحق بركب عروس المعرض، فتغادر دون أن ألقى عليها النظرة الأخيرة. وخرجت مسرعا، ومن حظّي أن وجدتها مازالت في مكانها تنتظر قدوم فريق العملة لتفكيك المعدات وحفظ اللوحات، وكلّ ذلك تحت إشراف ورعاية الرسام نفسه.
اقتربت من اللوحة البيضاء ورغم أنني تركت بالخارج الشمس مرتفعة شوطا من النهار والسماء صافية دون غيوم، إلا أنّ القاعة بدت شبه مظلمة لبقاء النوافذ والأبواب مغلقة، ممّا دفعني لتشغيل الفانوس الجداري المحاذي للوحة. وكانت المفاجأة. يا للروعة! تغيّرت اللوحة وأصبح لها ظلال من الجهة المعاكسة للفانوس الكهربائي. ارتسمت وتوضّحت الطبقات والكتل المتراكمة على الصفحة وظهرت التضاريس أكثر حدّة. فعلا السيد سالم محقّ. إن ما يفصل الجمال عن المأساة التي صنعته خطوة إلى الخلف وأخرى إلى الأمام. والسيد سالم قد خبر الحياة وتسلّح بالإرادة يمينا وبأدوات النظر الثاقب شمالا، وغاص في المعارك الضارية الأبديّة الجارية بين التناقضات. وفهمت شيئًا مما كان يقصده حين أشار إليه متحدثا عن اللوحة عروس المعرض. لست في حاجة إلى مشعل يدوي لأنير اللوحة وأقرأها من زوايا مختلفة. ما أروعها من فكرة تفطن إليها الأستاذ الخبير فأسقطها على التراث. ولكن التراث يجب التقاطه من الحفريات الأثريّة بنبش الذاكرة والتاريخ. هذا ما تعلمته مما قرأته البارحة. تعلّمت أيضا أن التراث يعزّز الهويّة وهو أداة لصنع المستقبل عندما يوفّر جذوراً وقِيماً تساعد الأجيال الجديدة. واقتنعت أيضا «أن التراث لا يقتصر على مجرّد الحفاظ على الماضي، بل هو عملية ديناميكيّة تهدف إلى إدارة العلاقة بين المجتمعات الحاليّة والمستقبليّة، كما لم يعد يُنظر إليه كأشياء ثابتة في المتاحف، بل كإرث «حيّ» يتطوّر ويتأثر بالتكنولوجيا والتغيّرات الاجتماعيّة». وجرّني ما اطّلعت عليه البارحة وتعلمته إلى عدّة أسئلة بقيت دون إجابة وأهمّها السؤال الذي شغلني وأعتقد أنه سيشغلني أكثر وأطول لأنه سؤال جوهري مستدام، «هل يجب أن نعدّ تراثا نورثه للأجيال القادمة؟ ولماذا؟»
اقتربت أكثر من اللوحة من جهة الإنارة المسترسلة من الفانوس الجانبي. اقتربت أكثر فأكثر لمّا لمحت نقطة لامعة ساطعة، حقيقة سوداء على صفحة بيضاء. هل هذه النقطة من صنع الأستاذ سالم؟ لا، هي من صنع الفنان، وقد توضّحت لقارئ الرسالة. أصبحت لا أشك في ذلك وتأكّدت أنني دون نبش، فهمت اللّغز الذي أشار إليه الزائر المختص.
يا لها من نشوة. ولكن هل تكفي للبوح بهذا السر في تقريري أو في مقالي؟ لا أظنّني قادرا على الحديث فيما لا أفهم. المهم أنني سعيد كيفما كان التقرير ولست في مستوى الحدث، ولا أريد لمقالي أن يشوّهه. فليكن فارغا من هذا المحتوى.
|




