خواطر
| بقلم |
![]() |
| شكري سلطاني |
| خاطرة في ظلمة الليل الحالك |
الله عز وجل الواحد الأحد،المكتفي بذاته، والمستغني عن غيره؛ فوجوده لا يحتاج إلى أحد، بل هو وحده الموجود بذاته، الواحد الأحد الصمد، ولا يحتاج وجوده إلى غيره فهو الغنيّ الحميد. كان الله عز وجل ولم يكن معه أحد؛ لا يستأنس بغيره، ولا يستوحش من ذاته العليّة. فلماذا خلق الخلق سبحانه وتعالى، وهو الغنيّ بذاته؟
القرآن الكريم والشرائع الربانية لم تفصّل لنا سرّ الخلق، وإنما جاءت لتربية البشر، وتوجيههم إلى عبادته سبحانه وطاعته واتباع سبيل الحق. وفي القرآن الكريم يقول عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فكيف إذن نفهم سرّ الخلق؟
كان الله عز وجل، ولم يكن أحدٌ غيره، فلا زمان ولا مكان؛ فخلق الخلق بقدرته وحكمته، وأوجد الإنسان ومنّ عليه بالإيجاد والإمداد، ومنحه من الملكات المادية والروحية ما يستطيع به أن يتأمّل، ويسأل، ويبحث عن الحقيقة، ويعرف مولاه. فالعبد مملوك لسيّده، وما وجوده إلاّ فضل ومنّة، وما أمدّه به من عقل وقلب وروح وبصيرة وقدرة على الاختيار إلاّ عطاء منه سبحانه، ليتعرّف العبد إلى مولاه، ويسير إليه، ويحقّق معنى عبوديته. ولعلّ الوجود كله آياتٌ ناطقة بتجليات القدرة والحكمة والجمال؛ فالكون مرآة تنعكس فيها آيات الله، ومن أحسن النظر أبصر آثارها، ومن صفّى قلبه أدرك شذاها.
طوبى لمن تماهى مع هدايات مولاه وتجلياته، وفهم ووَعَى أنّ الوجود عطاءٌ إلهي، وأنّ كلَّ خيرٍ فمنه سبحانه، وأن الشر والباطل إنما هما ثمرة انحراف بعض مخلوقاته، حين تجهل الحقّ وتعاند سبيله وتناقض مقتضيات هدايته.
ولم يتعامل الخالق سبحانه مع عباده بالقسوة والظلم، وقد حرّم الظلم على نفسه، بل ترك للبشر هامشًا من الحرية، يمارسون فيه اختيارهم ، ويحدّدون توجّههم، ويسيرون نحو إدراك الحقيقة على مهل. ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]
إن الوجود ربانيّ المصدر، والعباد خلق الرحمن؛ فمن أبصر آيات مولاه في مرآة ذاته، وتلقّى من شذاها ما يوقظ قلبه، وتواضع وطاع وأخلص، سعد في وجوده واستنار طريقه. ومن طمس بصيرته، وأعرض عن آيات مولاه، وقطع حبل الودّ معه، وغفل عن حقيقة عبوديته، خاب وشقي.
ولعلّ الشيخ عبد القادر الجيلاني عبّر عن هذا المعنى في قوله: «شُمّ شذاه، فهو في الخلق ضائع». فالشذا مبثوث، والآيات ظاهرة، ولكنها لا تُدرك بالعين وحدها، وإنّما يشمّ عبيرها قلبٌ حيّ، وبصيرةٌ صافية، ونفسٌ أخلصت السير إلى مولاها. فإذا نظر العبد في نفسه وفي الآفاق، ورأى آثار القدرة والحكمة والجمال، وأدرك أنّ أنّ وجوده وما أُمدّ به من وعي وهداية إنما هو من فضل مولاه، انكشف له شيء من سرّ الخلق، وعرف أنّه لم يُخلق عبثًا، وإنما خُلق ليعبد مولاه، ويعرفه، ويشهد آياته في الوجود. وهنا قد تنكشف للروح حقيقة طالما بحثت عنها: «عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي».
|




