دراسات

بقلم
موسى علاوة
فلسفة التاريخ عند القديس أوغسطين، الأسس والمعالم (2-4) أوغسطين وعلاقته بالتاريخ والفلسفة
 كشفت الحلقة الأولى أنّ فلسفة أوغسطين التاريخية لم تظهر في فراغ، بل تشكّلت داخل عالم مضطرب، كان سقوط روما فيه حدثًا مزلزلًا أعاد طرح العلاقة بين الدين والسلطة والمصير. ومن هنا تنتقل هذه الحلقة إلى بيان الصلة العميقة بين تكوين أوغسطين الفلسفي وقراءته اللاهوتية للتاريخ. فقد انشغل بسؤال السعادة والحقيقة، وتأثّر بالتراث الأفلاطوني والأفلوطيني، ثم أعاد توجيه هذا الانشغال نحو خدمة العقيدة المسيحية والدفاع عنها. وفي هذا السياق لم يكن التاريخ عنده مجرّد مادّة معرفية، بل صار حقلًا للتأويل، ومجالًا لإثبات المعنى الديني داخل الوقائع. لذلك تعرض هذه الحلقة علاقته بالفلسفة والتاريخ، ثم تفصّل المبادئ التي اعتمدها في قراءته التاريخية، مثل سدّ الثغرات، وإعادة ترتيب الأحداث، والنقد التاريخي، والتأويل الرمزي. وبهذا يتضح كيف انتقل أوغسطين من التأمل الفلسفي في النفس والحقيقة إلى بناء منهج لاهوتي في فهم التاريخ.
لكلّ عالم ميولاته واختياراته الفكريّة التي تعبّر عن آرائه المعرفيّة، وتنتج هذه الآراء عن منهجه في دراسة العلوم والمعارف، فقد يكون فيلسوفًا ينطلق من رؤية فلسفيّة معيّنة، ينتقل من هذه الرؤية إلى ممارسة فلسفة التاريخ، والعكس صحيح، فقد يكون مؤرّخًا ثم يدخل بعد ذلك إلى فلسفة التاريخ، وهذا ما سنحاول بيانه في تجربة القدّيس أوغسطين.
«فمنهجه الفلسفيّ صورة حياته: علم من قراءة هورطانسيوس أنّ الفلسفة وسيلة إلى االسعادة التي هي مطلب كلّ إنسان، ففكّر في السعادة، فوجد أنّ الموضوع الذي يحقّقها يجب أن يتوفّر فيه شرطان: أحدهما: أن يكون ثابتًا مستقلًّا عن تقلّب المصادفة والحظّ، وإلّا نغصت السعادة بالقلق عليها وخوف زوالها، والشرط الآخر: أن يكون الموضوع كاملًا لا مزيد عليه، إذ إنّنا لا نرضى تمام الرضا إلّا بالخير الأعظم، وليس يتوفّر هذان الشرطان في غير الله؛ لأنّ الله وحده ثابت كامل، فنحن إذ نطلب السعادة نطلب الله، علمنا بذلك أو لم نعلم: لقد صنعتنا لأجلك يا ربّ، وإنّ قلبنا لا يزال مضطربًا حتى يطمئنّ لديك. هل تبلغ الفلسفة بالإنسان إلى الله؟ لقد استكشف الفلاسفة حقائق جليلة نافعة، ولكنّهم لم يستكشفوا كلّ الحقيقة الضروريّة للإنسان، ووقعوا في أضاليل خطيرة، وليس يستطيع العقل بقوّته الطبيعيّة أن يهتدي إلى الحقيقة بأكملها وأن يحترز من كلّ ضلال، وفوق ذلك ليس للفلسفة بذاتها قوّة على تحويل النفس من مجرّد المعرفة إلى العمل الفاضل، فالفلسفة قاصرة من هاتين الناحيتين، والمسيحيّة وحدها تعرض علينا الحكمة كاملة عن الله والنفس، وتوفّر لنا الوسائل الفعّالة للحياة الصالحة، والاتّحاد بالله، وتحمل إلينا الأسرار المقدّسة هذه الوسائل، أي النعم، فإذا أردنا السعادة وأردنا الحكمة، وجب علينا الإيمان، والعمل به» (1).
غاية الإنسان السعادة عند أوغسطين. فالفلسفة عنده هي الحكمة والغاية من الحكمة هي السعادة، السعادة التي تؤدّي إلى طمأنينة النفس، ولا سبيل إلى إدراك حقيقة هذه السعادة إلّا «بمعرفة الإنسان لنفسه بنفسه»، كما دعا إلى ذلك سقراط، لأنّ النفس إذا عرفت نفسها: من ينبغي عليها أن تطيع؟ وعلى ماذا ينبغي أن تسيطر؟ والجواب: أن تطيع الله، وأن تسيطر على البدن (2).
إنّ السعادة تتحقّق حين يحصل المرء على ما يريد، غير أنّ المراد لا يكون أيّ شيء، بل لا بدّ أن تتوافر في الشيء المراد عدّة شروط منها: أن يكون ثابتًا باقيًا: لا يتوقّف على الصدفة، والله هو الموجد الوحيد الذي يتّصف بالدوام وعدم الخضوع للصدفة، لهذا يجب أن يكون مرادنا هو الله إن شئنا تحصيل السعادة التي تتعلّق بالروح لا بالجسد.
إنّ أهمّ هدف سعى أوغسطين إلى تحقيقه هو السعادة، «فالسعادة التي يبحث عنها القدّيس أوغسطين هي السعادة المتّجهة إلى الله، والفلاسفة في بحثهم عن السعادة لم يصلوا إليها كاملة، بل نالوا قبسًا منها، واعتقدوا خاطئين أنّهم نالوها كلّها، ومن هنا تنشأ الأخطاء والأضاليل، عجز العقل عن الوصول إلى الحقيقة المطلقة، ومن هنا كان بحاجة إلى معين، هو الله؛ حيث يرى أوغسطين بأنّ الحكمة لا تُدرَك إلّا من خلال نعمة الله... وليس ثمّ غير المسيحيّة هاديًا ومنيرًا لأنّ المسيحيّة وحدها هي التي تقدّم الحكمة الكاملة وتقدّم لنا الله في أعظم صورة» (3).
والله عند أوغسطين هو الحق الأبدي السرمدي الصمد، وهو الخير المطلق وهو مبدأ كل وجود ومبدأ كل معرفة ذهنية توجد «الصور. «أو الحقائق الأزلية الأبدية ففيه وبه وحده يمكننا معرفة كل الأشياء إذ هي تجد سندها وأصلها في الله كخير مطلق ومصدر كل خير .
إن التاريخ بوصفه علما، شغل تفكير أوغسطين، ولهذا فهو يحلل لنا هاته المسألة من خلال أن الرجل بوصفه رجل دين هدفه الدفاع عن العقيدة وتقديم مختلف الأمثلة التاريخية، وهذا بالضرورة من أجل إثباتها، من منطلق هذا وظف التاريخ من أجل إثبات الحدث الديني العقائدي، ونذكر هنا مثالا وهو لو أردنا التمييز بين المسيحية والوثنية، فهاته الأخيرة دعامتها الأسطورة، في حين الأولى دعامتها التاريخ، لأن الاعتماد على التاريخ يساعدنا في فهم مختلف المسائل المسيحية، على العكس من الوثنية التي لم تعتمد على التاريخ، وفي هذا صعوبة فهم» (4).
وقبل بسط علاقة أوغسطين بالتاريخ، ينبغي الاطّلاع على منهجه في دراسة التاريخ، ذلك أنّ منهجه يقوم على أربعة مبادئ أساسيّة.
1. سدّ الثغرات التاريخيّة
«لم يكن شاغل القديس أوغسطين ابتكار منهج جديد للمؤرخين ليستعينوا به إنما كان شاغله الحقيقي تقديم تفسير خاصّ للتاريخ المتضمن في الكتاب المقدس ليوظفه بعد ذلك في بناء لاهوته، و أول مثال الثغرة التاريخية صادف القديس أوغسطين في الكتاب المقدس في ذكر أولاد آدم ثلاثة فقط: «قابيل وهابيل وشيت» رغم أن أيام آدم ثماني مائة، والحل الذي كان لسد هذه الثغرة التاريخية قول أوغسطين:(إن الكتاب المقدس لم يكن يعنيه حصر كل ذرية آدم بل كان يعنيه فحسب ذرية آدم تنتمي في تسميتها إلى إبراهيم أبو الأنبياء)»(5).
ونستخلص من هذه الخطوة أنّ أوغسطين لم يكن هدفه ابتكار منهج جديد، وإنّما كان هدفه تقديم تفسير خاصّ للتاريخ، وأراد أوغسطين أن يوضّح الخطأ الذي ورد في الكتاب المقدّس، لم يقصد وجود أخطاء فيه، وإنّما رأى أنّ هناك أحداثًا لا أهميّة لسردها ضمن ثنايا الكتاب المقدّس.
2.  إعادة ترتيب الأحداث وتركيبها
أن الكتاب المقدس لم يلتزم بسرد الأحداث بشكل متسلسل، فإن أوغسطين يرى أن على المؤرخ بذل جهد في الترتيب الزمني للأحداث, ومن الأمثلة التي تتناول إعادة ترتيب الأحداث « بنوة عابر لسام  التي يقول فيها  أوغسطين: إن عابر هذا لا يعقل أن يكون ابنا لسام بل هو أحد أفراد الجيل الخامس من ذريته وما ذكره الله قبل سائر الذرية سام إلا ليؤكد على أن أوغسطين حقبه تاريخية ليبرز أمرا (6)
ونستنتج من هذه الخطوة أنّ أوغسطين أراد أن يبيّن لنا أنّ الكتاب المقدّس لا يلتزم بترتيب الأحداث، وأنّ المؤرّخ هو الذي يبذل جهدًا لإعادة ترتيبها، ولقد بذل القدّيس أوغسطين جهدًا وذلك لتتبّعه للتاريخ ودرجة توافقه مع ما جاء في الكتاب، ومثال ذلك: أنّ الكتاب المقدّس يتعرّض لمسائل غير مراعية لترتيبها الزمنيّ، فيعيد أوغسطين في كتاب «مدينة الله» ترتيبها.
3.  النقد التاريخيّ
«أما الأخذ بالنقد التاريخي فيتضح في رفض أوغسطين صراحة وبكل جرأة لبعض الروايات التاريخية في الكتاب المقدس»(7). فقد رفض أوغسطين بعض الروايات في الكتاب المقدس لأنها تعارض المنطق والواقع  ، ومنها ما رواه الكتاب عن بناء قابيل أو ابنه مدينة بأكملها وعمل أوغسطين رفض بأن المدينة بحكم تعريفها هي مجموعة من الناس تربط بينهم صلات اجتماعية وهو ما يتنافى مع الكون ففرد واحد هو الذي بناها» (8).
إذن يمكن القول إنّ القدّيس أوغسطين في هذه الخطوة أراد أن يبيّن لنا أنّ النقد التاريخيّ يتّخذ الصراحة والجرأة في بعض الروايات، وهذا ما جعل منطقه يرفض كلّ ما جاء من أخبار عن الأمم السابقة.
4. التأويل الرمزيّ أو التفسيريّ المجازيّ
««أما أهم الخطوات المنهجية التاريخية ، والتي برع أوغسطين في استخدامها إلى أبعد الحدود فيه التأويل الرمزي المعتمد على التحميل اللغوي، ولقد جعلت هذه الخطوة آخر خطوات المنهج الأوغسطيني لأن أوغسطين كان يلجأ إليه في حالة عجز الخطوات السابقة (سد الثغرات واعادة ترتيب للأحداث ونقد التاريخي ) عن حل المشكلة التي يوجهها. وأن أوغسطين كان يستخدم هذه الخطوة في دراسته للنصوص التاريخية الواردة في الكتاب المقدس» (9).
ويتبيّن لنا أنّ أوغسطين لجأ إلى منهج التأويل الرمزيّ لأنّه كان يؤمن بأنّ الكتاب المقدّس يحتوي على الحقيقة التاريخيّة، غير أنّه كتاب صعب وغامض ومليء بالأسرار، بمعنى أنّ المرء يعجز عن معرفة المعنى الذي ترمي إليه نصوص الكتاب، وأنّ التأويل هو الطريق لمعرفة هذه الحقائق الخفيّة المبثوثة في هذا الكتاب.
«ولقد عالج أوغسطين منهجه هذا بالذات في «المذهب المسيحي»(De Doctrina Chriana) الذي لخصه أوغسطين في هذه القاعدة : إن كل ما جاء في الكتاب المقدس ولا يتعلق مباشرة بالإيمان وبالأخلاق لابد من اعتباره معنى مجازيا. ويقصد أوغسطين من هذا القول أن الكتاب المقدس يحتوي على معانٍ وعبارات إيمانية وأخلاقية وأي كلام ورد في الكتاب المقدس لا يتعلق بالإيمان والأخلاق يعتبره أوغسطين معنًى مجازيّا» (10).
وقد اعتمد أوغسطين في هذه الخطوة على كلّ التجارب الفكريّة التي مرّ بها في حياته، خاصّة الفلسفيّة، ويرى أنّ التأويل ضروريّ، لأنّ الاعتماد على ظاهر نصّ الكتاب لا يكفي، ممّا يؤكّد ضرورة التأويل في الكشف عمّا غمض.
ويمكن القول إنّ القدّيس أوغسطين كان يستخدم تلك الخطوة المنهجيّة في دراسته للنصوص التاريخيّة الواردة في الكتاب المقدّس، لم يكن في حاجة إلى استخدامها في دراسة الكتابات التاريخيّة الأخرى، فالتأويل إذن يهدف إلى التفسير.
«ونلاحظ أن التأويل عند أوغسطين يختلف عند تأويل الفلاسفة المسلمين فبينما كان التأويل عند الفلاسفة المسلمين من حق الفلاسفة الذين يمكنهم وحدهم اكتشاف المعنى الباطني العميق المستتر وراء المعنى الظاهري البسيط، فإن أوغسطين إعتقد أن التأويل لا يكشف لنا عن معنى أعمق، وانما هو يكشف عن أحد مفاهيم العقيدة الوطيدة» (11).
في هذا الصدد نجد أنّ القدّيس أوغسطين ينطلق «من رؤية دينية إيمانية أن التاريخ كعلم لن تكون له وظيفة سوى خدمة العقيدة المسيحية، وأنه يجب أن يعاد النظر في الكثير من مناهجه وأدواته التي طورها المؤرخون اليونانيون، وتخليصه من الأبعاد الوثنية التي ألبسها له اليونانيون، حينما خلطوا بين التاريخ الواقعي والأسطورة، أما ما دفع أوغسيطن إلى الاهتمام بالتاريخ فهو دفاعه عن العقيدة الدينية المسيحية، خاصة بعد الانحطاط الذي أصاب الرومان، فراح في كتابه مدينة الله ينفي هذه الفكرة» (12).
وفي هذا الصدد يقول القدّيس أوغسطين: «لما اجتاح القوط الرومان سنة 410م، لم يكن غير طبيعي من الوثنيين أن يعزوا هذه الكارثة إلى هجر  الناس للآلهة القديمة، قائلين إن روما قوية ما بقيت عبادة «جوتير» قائمة، أما وقد أدير الأباطرة عن عبادته، فلم يعد يحمي أتباعه الرومان، وكانت هذه الحجة الوثنية،  تتطلب ردا، فكان كتاب « مدينة الله» الذي كتب جزءا منه ما بين 412-427م، هو الرد الذي تقدم به أوغسطين» (13).
ولتحقيق الغايات التي سعى إليها، توسّل القدّيس بعدّة مناهج في كتابة التاريخ، وطوّرها انطلاقًا من خلفيّته العقديّة المسيحيّة دفاعًا عن هذه العقيدة. وفي هذا يقول: «إن الذين يناصبون العداء لاسم المسيح، أليسوا أولئك الرومانيين الذين نجوا من ظلم البرابرة باسم المسيح؟ إنني  اتخذ شهودا على كلامي أنصاب الشهداء وكنائس الرسل التي فتحت أبوابها أمام كل طارئ سواء كان مؤمنا أم لا»(14).
وفي قضية نقده التاريخيّ للوثنيّات السائدة يقول: «تأملوا الآلهة الذين فاخر الرومان بهم حراسا للمدينة، يا لفداحة الخطأ الذي يستدعي الشفقة؟ فيقاوموننا عندما نتكلم، بهذا الشكل عن آلهتهم ويبتلون شعراءهم» (15).
من خلال هذا الكلام نستشفّ أنّ القدّيس يدعو الرومان إلى التخلّص من عبادة الأوثان لأنّها مدعاة للهوان، ولن يقدروا على مساعدتهم أمام هجمة البرابرة. فالتاريخ حسب القدّيس أوغسطين « يدور حول كل المؤقت والأبدي، فالله أبدي وهو خالق الزمن، ولا يجوز فهم الأبدي ولا وصف من جهة نظر المؤقت، فالله موجود وحال في الزمان كله، مثلما هو الأبدي» (16).
يتبيّن جليًّا من خلال ما سبق أنّ رؤية القدّيس أوغسطين للتاريخ تظلّ ذات غاية ومقصد، هو الدفاع عن العقيدة المسيحيّة، ولن يتحقّق هذا المقصد ما لم يتحرّر النظر التاريخيّ من الطابع الذي أضفاه المؤرّخون اليونانيّون على التاريخ، لأنّ هذا التاريخ مليء بالأسطورة والوثنيّة، وهذا ما يتعارض مع رؤية أوغسطين للتاريخ.
ومن جهة أخرى نجد أنّ القدّيس أوغسطين كانت تربطه علاقة قويّة بالتاريخ، يتّضح ذلك من خلال تقسيمه لمراحل تطوّر التاريخ الإنسانيّ إلى سبع مراحل.
المرحلة الأولى: الملوك الآشوريّون والسيشيّون حتى ولادة إسحاق، ثمّ ما يتصل بعيسى ويعقوب، ويقول أوغسطين في هذه المرحلة: «في عهده أعطي لإبراهيم إسحاق في السنة المائة من عمره وامرأته سارة التي كان العقر و الشيخوخة قد حجبا عنها كل أمل  بالولادة، إسحاق، الذي وعد الله به، كان أراليوس خامس ملك على الأشوريين، ... ومات إبراهيم في عهد الملك كزرس، المدعو بالاوس، على الأشوريين» (17).
أمّا المرحلة الثانية في التقسيم الذي تبنّاه القدّيس أوغسطين، وهي المرحلة التي جاء فيها الحديث عن زمن يعقوب وابنه يوسف، ففي هذا الصدد يقول القدّيس أوغسطين: «كان يملك لانتنتروس الأشوريين الملك العاشر و على السيشيين ملكهم التاسع المدعو سايوس...وفي عهد الملك الثاني عشر على الأشوريين و العاشر السيشيين توفي يوسف في مصر» (18).
بعدما فصّل الحديث في المرحلة الثانية عن يوسف ويعقوب، انتقل إلى الحديث في المرحلة الثالثة عن عهد الملوك وما شابه من أحداث تاريخيّة إلى عهد مولد موسى. وفي هذا الباب يقول القدّيس: «حين كان سفروس الملك الرابع عشر على الأشوريين، وأرتوبوليس الملك الثاني عشر على السيشيونيين كريازوس، الملك الخامس على الرجيانيين، ولد موسى في مصر، محررا شعب الله، فحطم نير العبدوية الذي كان يثن تحته الشعب المختار» (19). 
إنّ الناظر في التسلسل التاريخيّ لهذه المرحلة يجد أنّها شهدت تحوّلًا كبيرًا في تاريخ الشعب المختار، وخاصّة بعد قدوم النبيّ موسى الذي حرّره من قيود مكابل العبوديّة التي كان يمارسها الملوك. وفي السياق التاريخيّ نفسه، وضمن التسلسل الزمنيّ ذاته نجد أوغسطين يتحدّث عن المرحلة الرابعة التي جاءت زمن الخروج من أرض مصر وعهد الملوك إلى لحظة وفاة يشوع. وفي هذا يقول أوغسطين: «إن موسى الذي حرر شعب الله من العبودية، وفي عهد أسكاتاد على الأشوريين وماراتوس على السيشيونيين وريوياس على الأرجيانيين، أعطى الشعب المحرر، الشريعة التي تسلمها من الله فوق جبل سيناء المسماة بالعهد القديم؛ لأنه لم ينل إلا وعودا أرضية وأن يسوع المسيح سوف يوحي بالجديد الواعد بملكوت السماوات» (20).
أمّا المرحلة الخامسة فقد كان الحديث عن مختلف الممارسات الدينيّة الكاذبة: «وخلال ذلك الوقت، منذ الخروج من مصر، حتى موت يشوع الذي ملك الشعب أرض الميعاد، أقام الملوك إكراما للآلهة الكاذبة، احتفالات دينية تحيي باستمرار  في ذاكرة الناس الذين خلصوا من الطوفان» (21).
أمّا المرحلة السادسة في هذا التاريخ الذي وضعه أوغسطين، فهي التي جاء فيها الحديث عن مرحلة تأسيس روما تزامنًا مع أفول مملكة أشور، «حيث تأسست روما كبابل ثانية، ابنة الأولى، إرادة الله أن يستخدمها للسيطرة   على الكون ، ولكي يخضعه لوحدة الجمهورية وشرائعها لهذا السلام فيه حتى آخر حدوده» (22).
ليختم بالمرحلة السابعة متحدّثًا عن وضع الأنبياء زمن أفول أشور وتدهور روما، حيث يقول بهذا الصدد: «بينما كانت المملكة الأشورية تنتهي لتبدأ الإمبراطورية الرومانية،  وكما أن إبراهيم قد كان في بداية العهد الأشوري ليقبل الوعود الإلهية المباركة ( الشعب في ذريته) كان عليها أن تذاع مع ولادة بابل الغربية (روما) أن عليها أن ترى في عهدها المسيح الذي تتحقق في ذاته أقوال الأنبياء» (23).
الهوامش
(1) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، دار المعارف بمصر، ط2،  ص:29.
(2) عبد الرحمن بدوي المرجع السابق، ص9 .250-24
(3) كامل محمد عويضة، أوغسطين، فيلسوف العصور الوسطى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1993، ص:36. 
(4) عامر عبد زيد وآخرون: فلسفة التاريخ، جدل البداية والنهاية والعود الدائم، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2012، ص:87.
(5) زينب محمود الخضري: لاهوت التاريخ عند القديس أوغسطين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة ، ط :1، 1992، ص:62-63.
(6) المرجع السابق، ص:63.
(7) نفسه، ص: 63.
(8) مجموعة من المؤلفين ،فلسفة التاريخ : جدل البداية و النهاية والعد الدائم ، دار الروافد الثقافية للنشر والتوزيع، بيروت ، لبنان، 2012، ط:1، ص: 92-93.
(9)   زينب محمود الخضيري، المرجع السابق، ص:64.
(10) المرجع نفسه، ص:67.
(11) المرجع نفسه، ، الصفحة، 67-68.
(12) عبد الحليم مهور باشة، فلسفة التاريخ، مدخل إلى النماذج التفسيرية للتاريخ الإنساني. مركز النماء للبحوث و الدراسات، تكوين 9، ص:49.
(13) برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الثاني، الفلسفة الكاثوليكي، ترجمة : زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2010، ص:82
(14) القديس أوغسطين، مدينة الله، مجلد 1، ترجمة: الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، ط2، 2006، ص:10.
(15) المرجع نفسه، ص: 11
(16) البان ويد جري، التاريخ وكيف يفسرونه، عبد العزيز جاويد، مطابع الهيئة المصرية، ج1،  ص:180. 
(17) القديس أوغسطين، مدينة الله،   المجلد 3، ترجمة: الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، ط2، ص:10.
(18) المرجع نفسه، ص: 13-14.
(19)  القديس أوغسطين، مدينة الله،   المجلد 3،مرجع سابق، ص: 15.
(20)  المرجع نفسه، ص:20.
(21) المرجع نفسه، ص21.
(22) نفسه، ص: 21.
(23) هرنشو، علم التاريخ، ترجمة: عبد الحميد العيادي، سلسلة المعارف العامة، مطبعة لجنة التأليف و الترجمة  والنشر، مصر، 1944، ص:27.