التنمية الطيبة
| بقلم |
![]() |
| الحبيب غربال |
| الزواج وأبعاده التنموية والاقتصادية في التصور الإسلامي |
من المعلوم أنّ كل حضارة تعبّر عن منظومة متكاملة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والعقدية. وتُعدّ مسألة الزواج وارتباطه بمفهوم الأسرة في النظام الاجتماعي العربي الإسلامي مسألة في غاية الأهمية. ويتميّز التصوّر العربي الإسلامي بتعبيره عن هوية تتماشى مع الفطرة البشرية، وتستجيب لمقاصد إنسانية تتّسم بالعالمية، وتسهم في تحقيق توازن اجتماعي واضح. وتتبنّى أغلب الشعوب هذا النمط من الحياة، غير أنّ النظام الإسلامي يتميّز بالدقّة والضوابط التي تمكّنه من تحقيق الغايات المنشودة والمحافظة على التوازن الاجتماعي، بما ينسجم مع نظام الحياة بأبعاده المختلفة.
وفي ظلّ هذا المفهوم، فإنّ للزواج بُعدًا تنمويًّا واقتصاديًّا لا يقلّ أهمية عن المقاصد المباشرة المتعلّقة بالجانب الشخصي والأسري. وفي هذا الإطار، سوف نتناول بالتحليل الأبعاد التنموية للزواج في واقعنا العربي الإسلامي، بغية المحافظة على جوانبه الإيجابية، من دون التفريط في ثوابت الأمة، والتصدّي للأصوات التي تريد أن تصدّر إلينا نماذج لا تتماشى مع الفطرة البشرية، وتؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتقويض أسس الحضارة؛ ولا أعني الحضارة العربية الإسلامية وحدها، بل الحضارة الإنسانية جمعاء.
الزواج محرّك للعمل والنشاط الاقتصادي
فالشاب الراغب في الزواج يرسم لنفسه هدفًا يتمثّل في الحصول على عمل مستقر يتيح له، من خلال الدخل المتحصّل منه، تنفيذ مشروعه الاجتماعي المتمثّل في تكوين أسرة. وينتج عن ذلك جملة من الأهداف الفرعية والمرحلية المتعلّقة باكتساب المعارف والمهارات والخبرات. ثمّ يظلّ يعمل بكل ما أوتي من قوة، مدفوعًا بحافز مهم يمكّنه من تحقيق هدفه المستقبلي؛ فيرشد استهلاكه، ويدّخر، ويستثمر وقته وماله. وكذلك الشابة؛ فبعد أن كانت في الماضي تكتفي، في كثير من الحالات، بتجهيز نفسها ببعض المستلزمات، أصبحت في العصر الحاضر تسلك السلوك نفسه، وتسعى إلى اكتساب المعارف والمهارات الاقتصادية والاجتماعية التي تساعدها على إدارة أسرتها وتحقيق استقلالها المادي. وبذلك، يتطلّب التفكير في الزواج وضع خطة متكاملة للمستقبل.
الزواج حدث تنموي وثقافي بامتياز
ترتبط بالزواج جوانب مهمّة تتصل بمسارات الزواج والحياة الأسرية. وكما نعلم، فإنّ لكل مجموعة بشرية هوية ثقافية تتطوّر باستمرار، وتتجدّد أساليب التعبير عن شخصيتها؛ فيبدع الشعراء والفنانون ومصمّمو الأزياء والزينة، وتزدهر بذلك الثقافة ومجالات الإبداع. ولا ننسى أيضًا تطوّر علوم التنمية البشرية وازدهارها، ولا سيما المجالات التي تعنى بتكوين المقبلين على الزواج وتأهيلهم ومرافقتهم، من خلال تقديم النصح والإرشاد السلوكي، وتعليم مهارات التعايش وقبول الآخر، وفهم الشخصيات، والتعرّف إلى مفاتيحها، وإتقان فن التعامل معها.
المتزوج يستعمل التخطيط الاستراتيجي والتدبير في كل مراحل الحياة
فالمقبل على الزواج يخطّط لحياته قبل الزواج، غير أنّ هذه العملية تستمرّ بعده؛ لأنّ الأهداف تتجدّد لتشمل الحصول على مسكن بدل الإيجار، وتغطية مصاريف الأطفال، ثمّ رعايتهم وتأطيرهم عندما يكبرون. وبذلك يصبح التخطيط، والتدبير، والمتابعة، والتقييم، وترشيد النفقات والادخار أدوات حاضرة في الحياة الأسريّة. ويستخدم كثير من المتزوجين هذه الأدوات بصورة تلقائية، فيصبحون فاعلين اقتصاديين، ويسهمون بذلك في تعمير الأرض، وهو من المقاصد التي ترتبط، من الناحية الاقتصادية، بتحقيق العمران والتنمية.
الخاتمة
يتبيّن ممّا سبق أنّ الزواج في التصوّر العربي الإسلامي لا يقتصر على كونه رابطة شخصية أو أسرية، بل يمثّل مؤسسة اجتماعية ذات أبعاد تنموية واقتصادية وثقافية. فهو يدفع الفرد إلى العمل والسعي نحو الاستقرار المادي، ويشجّعه على التخطيط والادخار وحسن تدبير موارده، كما يسهم في تنشيط عدد من المجالات الاقتصادية المرتبطة بحاجات الأسرة.
ويمتدّ أثر الزواج كذلك إلى المجالين الاجتماعي والثقافي، إذ يسهم في تحقيق الاستقرار، وتحمل المسؤولية، وتنمية مهارات التعايش والتخطيط للمستقبل.
ومن ثمّ، فإنّ تيسير الزواج والمحافظة على استقرار الأسرة لا ينبغي أن يُنظَر إليهما بوصفهما شأنًا فرديًّا فحسب، بل جزءًا من عملية التنمية الشاملة؛ فاستقرار الأسرة وقدرتها على الإنتاج والتخطيط يعززان التوازن الاجتماعي ويسهمان في البناء الاقتصادي والحضاري للمجتمع.
|




