نفحات
| بقلم |
![]() |
| د.علي رابحي |
| الشريعة والقانون، معا من أجل منظومة مجتمعية جامعة |
يعالج المقال إشكاليّة العلاقة بين المجتمع والتشريع من خلال مساءلة موقع الشريعة الإسلاميّة إلى جانب القانون الوضعي، وحدود الاتصال والانفصال بينهما. ويناقش الفوارق في المصدر والغاية والجزاء والمرجعيّة، قبل أن يتوقّف عند التجربة المغربيّة بوصفها نموذجًا للتعايش بين الفقه المالكي والتشريع الحديث. كما يستعرض المسار التاريخي لهذا التداخل منذ الحماية الفرنسية إلى ما بعد الاستقلال، وينتهي إلى إمكان بناء منظومة قانونية تجمع بين المرجعية الشرعيّة ومتطلبات الدولة الحديثة.
لتقصّي إشكالية المجتمع والتشريع،المتمثّلة في السؤال: أيُّ قانونٍ لأيِّ مجتمع؟ سأحاول في هذه الورقة العجلى تلمس الإجابة عن هذا السؤال الإشكالي بتفكيك الإشكالية إلى محورين فرعييّن: المحور الأول أتناول فيه جدلية الاتصال والانفصال بين الشريعة والقانون. والمحور الثاني أعرض فيه الجدلية التاريخية والقانونية بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في المغرب، وكيف تعايش النظامان ليشكلا الهوية القانونية للمملكة المغربية.
ترتكز فرضيتي على أنّه لا يعيش مجتمع بلا قانون وقواعد حاكمة مُلزِمة،تتسق مع الرؤية الحضارية لذلك المجتمع، وأنّ العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي مسألة تجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة القانونية، ويتوافق النظامان ويتكاملان في العديد من المجالات التنظيمية ولا سيما المجالات الأسريّة، حيث تُعدّ الشريعة مصدرًا رئيسيًّا.
وأستهل العرض بتناول أبعاد قضية العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، التي تتعدد وجوهها، مؤكدًا ابتداءً أن الخلاف الحقيقي بينهما ليس خلافًا في التفاصيل والفروع، وإنما يتمثل محل الاختلاف في التصورات الوجودية والرؤى الكونية لكل منهما، وكذلك في مصدر النصوص: أهي شرعية أصيلة أم وضعية وافدة؟ وأيضا التوظيف السياسي أهو قائم على المفاصلة أم على الاستهداء بالشريعة؟
ومن أوجه التعارض الجوهرية بين خصائص القانون وخصائص الشريعة يمكن أن نذكر:
أولًا، من حيث المصدر: الشريعة ربانية، تتسم بالكمال والشمول والخلود والعدل المطلق؛ أما القانون فهو تشريع بشري يصدر عن السلطة السياسية التشريعية لتلبية الاحتياجات الآنية وقد تتغيّر نصوصه بتغيّر تلك الاحتياجات.
ثانيًا، من حيث الهدف، غاية الشريعة هي بناء الإنسان الصالح وإسعاده في الدنيا والآخرة؛ في حين أن القانون غايته حفظ الأمن والاستقرار وتسيير مصالح أفراد المجتمع، ولا يتصل غرضه مباشرةً بصلاح الفرد طالما أنه لا يخالف النصوص المكتوبة.
ثالثًا، من حيث الشمولية، الشريعة نظام متكامل ينظم علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بالمجتمع؛ بينما يقتصر القانون على ضبط سلوك الأفراد وحفظ النظام العام داخل حدود الدولة، ولا يتدخل في العبادات أو ضمائر الأفراد.
رابعًا، من حيث طبيعة العقوبة، الجزاء في الشريعة مزدوج: جزاء دنيوي تطبقه السلطة مثل الحدود، وجزاء أخروي عند الله، والرَّدْع هنا يرتكز على الإيمان؛ بينما الجزاء في القانون دنيوي مادي فقط، تطبقه السلطات العامة ولا علاقة له بالآخرة، فإذا استطاع المجرم إخفاء معالم جريمته، أو وظّف ثغرات قانونية تُبرِّئه، ينتهي الأمر ويُعتبر «بريئًا» أمام المجتمع.
خامسًا، من حيث الالتزام، الشريعة تعتمد بدرجة أكبر على الرقابة الذاتية المتمثلة في الضمير والوازع الديني، والإنسان يلتزم بالأحكام خوفًا وطمعًا فيما عند الله، حتى في غياب رقابة البشر؛ أما القانون فيعتمد على السلطة والقوة الجبرية، ولا يتحرك إلا إذا ظهر إلى العلن سلوكٌ مخالف للنّص.
سادسًا، من حيث التطور، نجد أن الشريعة تمتاز بالثبات في أصولها وكلياتها القطعية، لحماية الفطرة البشرية، وذلك باعتبارها صالحة لكل زمان ومكان، مع مرونة فروعها الظنيّة عبر الاجتهاد الفقهي لتستوعب كل المستجدات والنوازل؛ أما القانون فهو دائم التغير والتبدل، يتبع تطور المجتمع؛ فقد يكون الفعل مشروعاً اليوم ومجرّماً غداً بناءً على حاجة المشرّع.
هذا من جهة التمايز بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وقد اختلف أفراد المجتمع حول تطبيق الشريعة في المجال العام، ودفعهم هذا الاختلاف إلى تبنّي مذاهب أيديولوجية وسياسية متباينة، وتشكلت لديهم قناعات وآراء ومواقف على طرفي نقيضٍ:
فنجد التيار المحافظ، ولا سيما أنصار الانغلاق فيه على الشريعة، وتبنّي الحاكمية لأحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها حقيقة مطلقة، فحكموا على أنفسهم بالبقاء خارج حركة التاريخ لصيانة بيضة الدين والهوية، غافلين ومتغافلين عن النظر العميق في السياقات المحيطة بالواقع المعاصر.
وهناك التيار الحداثي، ومن أبرز ممثليه دعاة القطيعة مع الشريعة، بدافع الشك أو الهدم أو الاغتراب الثقافي الذي أصابهم بعد انبهارهم بالحضارة الغربية، وانفصالهم عن بيئتهم الأصلية لصالح الثقافة الكولونيالية ومنظومتها القيمية، واصطدم هؤلاء بثوابت المجتمع الحضارية والثقافية وهويته المحلية الراسخة التي تأبى الأفول ولو شكليًّا.
وهكذا، ظهرت فجوة واسعة في المجتمع، حيث ينظر الفريق الحداثي إلى الفريق المحافظ باعتبار أن خطابه منفصل عن الواقع، وغير قادر على استيعاب التحولات العالمية الكبرى، وفي المقابل، ينظر الفريق المحافظ إلى المدنية الحديثة الوافدة باعتبار أنها تهديدٌ لهوية المجتمع.
وبدلًا من أن يعيش المجتمع أزمة هوية وحيرة التموقع بين كونية القيم الإنسانية والديمقراطية الحديثة وخصوصية الهوية الثقافية والدينية، وطالما أن التعامل الإيجابي مع تحدّي الوصل بين الشريعة والقانون غير متعذر، وتقتضيه طبيعة الاجتماع العمراني والتنوع الثقافي، وحاجة المجتمع إلى التماسك الاجتماعي، اختار فريقٌ آخر مساءلةَ علاقة الشريعة بالقانون وتحديد نقاط الالتقاء التي تتأسس عليها أرضية مشتركة تكون فيها المرجعية العليا للشريعة، مع اعتماد الإجراءات والآليات المتعارف عليها في الديمقراطيات الحديثة، باعتبار أن مقصود الشارع من التكاليف الشرعية وأحكام القانون هو تحقيق المصالح.
وهذه الرؤية نلمسها في النظام القانوني المغربي الذي يمزج بين «أصالة» الفقه المالكي و«حداثة» القوانين المستمدة من المدرسة الفرنسية. هذا المزيج الهجين هو نتاج سيرورة تاريخية بدأت مع دخول الحماية الفرنسية واستمرت كخيار استراتيجي للدولة المغربية بعد الاستقلال.
فالعلاقة بين الشريعة والقانون الوضعي في النموذج المغربي ليست علاقة صراع بقدر ما هي علاقة «احتواء متبادل». فقد استطاع المشرع المغربي أن يصوغ أحكامًا مستمدة من الشريعة في نصوص قانونية، وأن يؤصّل بعض أحكام القانون الوضعي شرعيًّا، ممّا أوجد نظامًا قانونيًّا يتّسم بالمرونة والاستمرارية.
فقبل الحماية، كان المغرب يعيش في ظل سيادة كاملة للشريعة الإسلامية. وكان «القاضي الشرعي»، بصفته صاحب الولاية العامّة، يفصل بناءً على المذهب المالكي، إلى جانب «العرف» إلى حدّ ما في المناطق القبلية.
ومع توقيع الحماية، واجه المغرب صدمة التحديث وواقعاً قانونياً جديداً، فقد أرادت فرنسا فرض قوانينها، لكنها اصطدمت بمجتمع محافظ ترتبط هويته بالشريعة. وكانت المحاولة الأولى لـ «تقنين» المعاملات هي ظهير الالتزامات والعقود سنة 1913، استلهمه الفرنسيون من الفقه المالكي والقانون الفرنسي معاً، ليكون مقبولاً لدى المغاربة. وأسس المستعمر «المحاكم العصرية» لتُطبِّق القانون الوضعي، وترك «المحاكم الشرعية» تطبق الفقه للمغاربة في أحوالهم الشخصية، مما أوجد ازدواجية في القضاء والتشريع، وكانت هناك محاولة من طرف المستعمر لعزل بعض القبائل عن الشريعة الإسلامية وإخضاعها رسمياً للأعراف والتحكيم الفرنسي، لكنها أثارت موجة احتجاجات وطنية وتصدى لها المغاربة، والمقصود هنا الظهير البربري الصادر سنة 1930.
وبعد الاستقلال، وحّد المغرب القضاء سنة 1965، وأُلغيت المحاكم الشرعية المستقلة، وتم دمج القضاة الشرعيين في المحاكم. وأصبح النظام القانوني المغربي يستند إلى دعائم دستورية ومؤسساتية، حيث يؤطّر الدستور العلاقة التفاعلية بين البعد الشرعي والوضعي من خلال التنصيص على أنّ:
* الإسلام هو دين الدولة؛
* الملك هو أمير المؤمنين وحامي حِمى الملّة والدين، وهو رئيس المجلس العلمي الأعلى، والمسؤول الأسمى عن ضمان احترام الإسلام في التشريعات؛
* الفقه المالكي يُعتبر ركيزة أساسية للنظام العام بالمملكة، حيث يُبطل القضاء أي ممارسة تخالف المقاصد الشرعية القطعية.
لكنّ النظام القانوني، حافظ على خيار الفصل الوظيفي بين الشريعة والقانون الوضعي في بعض المجالات، كالأحوال الشخصية مثلا؛ إذ تعتبر «مدونة الأسرة» حصن الشريعة والمرجع الأساسي في الزواج، والطلاق، والحضانة، والإرث، وهي مستمدة بالكامل من الفقه المالكي مع اجتهادات حديثة، وتنص المادة 400 منها على أنه في حال غياب نص، يجب على القاضي الرجوع إلى المذهب المالكي والاجتهاد الفقهي.
وبالنسبة للقانون المدني والتجاري أو قانون الالتزامات والعقود فهو نص وضعي في شكله، موادًّا وفصولًا، لكن كثير من قواعده كشروط البيع، وضمان الاستحقاق وغيرهما، صيغت بطريقة تتوافق مع الشريعة، وهي قواعد فقهية مالكية تمت صياغتها بأسلوب عصري. كما أُدخلت «البنوك التشاركية» الإسلامية عبر قوانين خاصة لتتوافق مع أحكام الشريعة في المعاملات المالية.
أما في مجال القانون الجنائي، فقد تراجع دور الشريعة لصالح القانون الوضعي الفرنسي، فلا توجد عقوبات الحدود مثل الرجم، ويكتفي المشرع بتبني قيم إسلامية في التجريم مثل تجريم الإفطار علناً في رمضان، أو تجريم الخيانة الزوجية، لكن العقوبات تكون سجنية سالبة للحرية أو غرامات مالية، وفق فلسفة العقاب الغربية.
صفوة القول، إن الشريعة ليست غاية في حد ذاتها، والقانون ليس غاية في حدّ ذاته؛ ولا تعارض في مقاصدهما وغاياتهما اعتبار أن كلًّا منهما يسعى إلى تحقيق العدالة، وحفظ النظام، وصيانة الكليات الخمس (أعني الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال). وهذا جسر متين يستوجب تلازم الشريعة والقانون بوصفهما مرجعيةً تأسيسية وأداةً تنظيمية ومصدرًا لقواعد حاكمة لمجتمع مسؤول، تستدعيان الفقيه الشرعي والخبير القانوني معا، وكذا الجيل الجديد من خريجي كليات الشريعة والقانون الذين يجمعون بين الثقافتين الشرعية والوضعية، وذلك من أجل توجيه القوانين التشريعية، وضمان ملاءمتها للشريعة الإسلامية، بما يشكّل صمام أمان أمام التحديات المعاصرة تحت الضغط الدولي وخاصة منها المطالب الحداثية التي تدعو إلى مراجعة بعض النصوص القانونية الوضعية المستمدة من النصوص الشرعية القطعية، مثل حساب المواريث الشرعي أو تجريم العلاقات الرضائية، لتتماشى مع المواثيق الدولية.
|




