فقه المقامات
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 7: مقام القضاء والإفتاء والإشارة والنّصيحة |
هذا مقام مشترك في كثير منه بين مقام الدّولة ومقام رعاية الحال، ذلك أنّ القضاء النّبويّ يكون أحيانا شريعة ملزمة مطّردة ويكون أحيانا رعاية لحال ما ومعالجة لها بما يناسبها. القضاء والإفتاء عند غيره مشترك ومختلف في الآن نفسه، إذ القاضي مفتٍ ملزمٌ إفتاؤه بقوّة الدّولة ولكنّ المفتي قاضٍ غيرُ ملزمٍ قضاؤُه. عندما جاءه -عليه السّلام - الرّجل الذي وقع على امرأته في يوم رمضان، وهو متّفق عليه ـ فقضى بكفّارة التّحرير ثمّ بصيام شهرين متتابعين ثمّ بالإطعام، فإنّه هنا في مقام القضاء التّشريعيّ الموقوف الملزم. لماذا؟ هذا هو السّؤال المفتاحيّ الذي ييسّر التّمييز بين المقامات. الجواب : لأنّ موضوع القضاء هنا، أي الفتوى، دينيّ خالص. ولكنّه عندما جاءته زوج أبي سفيان تشكوه بخله فإنّه أفتاها، أو قضى لها بقوله «خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»(1). هذه مسألة في الأصل دنيوية ولكنّ الدّين يوجّهها بقيمه. من ثمّ راعى فيها ملابسات الحالة من مثل شحّ الزّوج ووجود الولد وغير ذلك. ومن هذه الواقعة استبنط بعض الفقهاء مشروعية استرداد الحقّ الضّائع من صاحبه أو ممّن يوكّله، ممّن استحوذ عليه بغير حقّ ما لم يثمر ذلك ضرارا إذ: « لا ضرر ولا ضرار» (2). ومنها التّوسّل إلى ذلك الحقّ الضّائع برشوة لا تكيّف تحت قوله سبحانه ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 188]. ما يهمّنا هنا كثيرا أنّ هذا المقام مشترك ولا مناص فيه من دقّة فقه وعمق تمييز في تكييف بعض قضائه عليه السّلام ممّا هو تشريع ملزم تكييفا يجعله قابلا للتّغيّر بتغيّر الملابسات أو فتواه بمثل ذلك.
ربّما هذا المقام هو أعوص مقام بسبب اشتراكه وعدم تمحّضه بالكليّة لهذا أو لذاك. هناك أقضية منه وفتاوى هي من صميم مقام الدّولة، وبعضها في مقام البلاغ النّبويّ نفسه، وبعضها خاضع لرعاية الحالات والملابسات، فهو متغيّر.
إرضاع الكبير
هذه مشكلة حقيقية من حيث سماجة معالجتها من كثير من المنسوبين إلى هذا الحقل لا سيّما في الحاضر حيث هيمن الهجوم ضدّ الإسلام صيدا لمثل هذه الشّبهات وجهلًا من أبنائه وبناته بكيفية بيان وجه الحقّ فيها، وغيرها كثير.ومن ثمّ جاء التّحريض من القرآن الكريم مثابرا على طلب التّفقّه. وعدّ ذلك نفيرا مثل نفير الجهاد. كيف لا. إذ ذاك جهاد لتحرير الأوطان وهذا اجتهاد لتحرير الإنسان.
حديث إرضاع الكبير صحيحٌ سندًا، وهو أنّ زوج أبي حذيفة استفتته عليه السّلام في مولى زوجها سالم، إذ بلغ الحلم ويدخل عليها، فأشار عليها بإرضاعه حتّى تكون أمّه من الرّضاعة. ما هي الخيارات الممكنة هنا شرعا وعقلا؟ الخيار الأوّل هو توخّي ذلك حكما شرعيا عامّا مطلقا تعالج به كلّ حال من مثل تلك الحال. هذا الخيار يصطدم كلّ اصطدام مع الشّريعة التي تشدّدت كلّ تشدّد في العورات لأجل تجفيف منابع الفاحشة وحفظ مؤسّسة الأسرة من الزّوال وما يثمر ذلك من بهيمية تستبدّ بالأمم والمجتمعات، فتستحيل لقمة سائغة في بطون أعدائها وتمتلئ الأرض فسادا. وليس عمارة بعدل وقسط. هذا خيار ساقط إذن. الخيار الثّاني هو القول بأنّ ذلك كان منه عليه السّلام معالجة خاصّة لحالة خاصّة بإفتاءٍ خاصّ. المسألة مشتركة بين كونها مصطدمة مع دين موقوف ثابت وبين كونها معالجة لحالة خاصّة. هنا غلّب عليه السّلام المعالجة الخاصّة، وهذا مأذون له فيه من جهة ويمكن الأخذ به من بعده، ولكن من أهله وفي محالّه الخاصّة. كثير من النّاس من الذين غلبت عليهم التّقوى غير المقيّدة بفقه يستهجنون هذا، وكثير منهم يهتبله لتكون العورات كلأ مباحا.
ما رأيت في حياتي شيئا زهد فيه النّاس مثل زهدهم في الطّريق الثّالث الذي عادة ما يكون هو خيار الإسلام عند اصطدام مصلحتين : مصلحة رعاية ثوابت الشّريعة ومصلحة معالجة حالة خاصّة. المجال هنا ليس دفاعًا عن الشّريعة في وجه من لا يضمر لها عدا العداء المحض العاري. المجال هنا هو مجال مواءمة بين مصلحة الشّريعة ومصلحة الإنسان في أمر فيه الموقوف دينا وفيه مع ذلك حالة إستثنائية خاصّة. ذلك هو الفقه الرّاسخ فيما رأيت. ومن يدرس المنظومة الفقهية الأصولية التي اعتمدها الفاروق موازنة بين نصوص ثابتة قابلة للتّعليل وبين مصالح آن أوانها يغدق الله عليه من ذلك الفقه الفاروقيّ ـ كما أسمّيه ـ ما يغدق. العبرة هنا بحسن تقدير المصلحة أو دفع المفسدة، وكلاهما وجه لقيمة واحدة ـ وبمن يتولّى ذلك لا سيّما في المواءمة بين اجتهاد فرديّ وآخر جماعيّ. إرضاع الكبير إذن من حيث مقامه التّشريعيّ هو معالجة خاصّة من مأذون له كلّ إذن عليه السّلام. ومن حيث حكمته في التّشريع هو انفتاح الإسلام على معالجة الحالات الاستثنائية الخاصّة بما يناسبها. وهل تنزّل ذلك الدّين عدا لتأمين تلك المصالح ولكن بالانشداد إلى أصول ثابتة تعضدها نقول صحيحة وعقول سليمة. ليست الشّريعة آلة دغمائية كأنّها صفوان صلد صلب، وليست هي كذلك عجينة طيّعة ليّنة في أيدي من يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. تلك هي وسطية الشّريعة وذلك هو اعتدالها وتوازنها بعيدا عن أهواء متديّنين أسلمت قلوبهم وتأبّت عقولهم. وعن أهواء متسيّبين أسلمت عقولهم ولكن نافقت قلوبهم وفسدت طويّاتهم. تلك هي وظائف العدول الرّواحل من الذين ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
نكاح المتعة
هذا مثال شائك يتجنّبه أكثر المنسوبين إلى هذا الفضاء الدّعويّ لأسباب منها خوفهم من النّاس وليس من ربّ النّاس ابتداءً. ومنها تلبّس الشّيعة بهذا الأمر حتّى عرفوا به. ربّما لا أعرف في حقل المنسوبين إلى الفضاءات الدّينية مشكلة أعوص من مشكلة خشية كثيرين منهم النّاس أكثر من خشيتهم ربّ النّاس. قضية تقديم خشية النّاس وقالاتهم على خشية ربّ النّاس عرضت لها سورة الأحزاب التي تمحّضت وحدها لإبطال عادة التبنّي وذلك عندما عوتب عليه السّلام بما يمكن أن يعدّ أشد موضع عتاب في الكتاب كله ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾[الأحزاب: 37].
الحقّ أنّ محمّدا عليه السّلام لم يكن يخشى النّاس خشية دينية كما نفعل نحن اليوم. ولكنّه خشي عليه السّلام أنّ نكاحه زوجةَ مولاه زيدٍ، زينبَ، قد يصدّ النّاس عن الإسلام لما في صدورهم من تمكّن تلك العادة، أي حرمة مشدّدة مغلّظة لنكاح زوج المتبنّى.
نكاح المتعة من المواضيع التي تحتاج فقها وليس موضعَ لغطِ دهماءَ أو نفاقِ غربٍ غازٍ بثقافته. ماذا تقول في نفسك عندما تعلم أنّه عليه السّلام أباح نكاح المتعة لصحابته،وليس لغيرهم، ممّن حمل أعباء الدّعوة إيمانا وهجرة وجهادا؟ هو نكاح مؤقّت على خلاف النّكاح المعروف. عليه السّلام هو من أباح ذلك وهم الذين فعلوا ذلك، ليس غيره ولا غيرهم. إذا هُديت إلى أنّ ذلك تقديرا وحسن اعتبار لأقوى غريزة مادية في الإنسان لا يمكن تجاهلها، وهي الغريزة الجنسية ـ. ولكن يمكن تلبيتها في حلال ولو فقها إنتقاليّا مرحليّا حتّى تستقرّ الأوضاع من جهة، وهُديت إلى أنّ الشّريعة التي تحمل عزائم ومطالب وعقبات للتقحّم من مثل الهجرة تركا للوطن والأهل والذّريّة والجهاد الذي هو مهلكة المال والنّفس، هي الشّريعة نفسها التي حوت مخارج للطّوارئ يستخدمها صاحب الطّارئة ضرورة وحاجة مثلها ليجمع بين عزيمة ورخصة. إذا هُديت إلى ذلك فقد هُديت. أمّا إذا هُديت إلى أنّ تلك فضيحة تشريعية عليَّ أن أسترها وأدفنها من مثل ما أستر ملك اليمين الذي امتلأ به الكتاب، وأنّها عورة عليّ أن أقبرها، فقد هُديت إلى العسرى والسوء. عائذا بالله سبحانه.
صحيح أنّه نهى عن نكاح المتعة عليه السّلام بعد ذلك بثماني سنوات تقريبا، ولكنّ ذلك النّهي لا ينفي الإذن السّابق له. لو سُئلت عن نكاح المتعة فلا تسارع إلى النّهي عنه لتخلّص نفسك من التّعرّض لفضيحة أو عورة لا تريد من النّاس إثارتها. ليس هناك في الدّين ما يدافع عنه المدافع خوفا من عورة أو تفصّيا من تشريع أو قضاء قضاه عليه السّلام أو أفتى به، بل هناك فقه يجب أن يبلغ ما استطاع.
نكاح المتعة إذن قضاء نبويّ أو إفتاء ـ سيّان ـ ولكنّه مؤقّت لمعالجة حالات خاصّة بمعالجات استثنائية خاصّة. أرأيت كيف أنّ الشّريعة في بعض جزئياتها يصار إلى رخصها بدل المكث في عزائمها لمعالجة خصوصيّات يجود بها الزّمان المشيّد على التّقلّب؟
بريرة ومغيث :
هذه من أشهر أحداث السّيرة التي جسّدت مقام الإشارة النّبوية غير الملزمة. إذ كانت بريرة زوجة لمغيث الذي يحبّها حبّا جمّا، ولكنّها لا تحبّه. فلمّا تحرّرت بمال عائشة وظلّ مغيثٌ زوجُها عبدًا انفصلت عنه. فساء حاله هيامًا بها في المدينة حتّى طلب منها عليه السّلام ذات يوم أن تراجعه. فسألته إن كان يأمرها، فقال : «لا، بل أشفع». فرفضت مراجعته(3). لا يمكن لمثل هذا المشهد إلاّ أن يكون إشارة منه عليه السّلام وشفاعة، إذ رقّ لحال مغيث الهائم الولهان. ذلك أنّ الإسلام له شأن آخر في العواطف والأحاسيس نحن عنه جميعا ، إلاّ قليلا من الأوّلين والآخرين معا، متخلّفون كثيرا وناؤون بعيدا. ربّما يسأل أولئك : ولم لم ينهره عليه السّلام ويزجره؟ ومثلها إشارته نصيحة لفاطمة بنت قيس إذ خطبها رجلان هما معاوية وأبو جهم، فاستشارته، فقال لها عليه السّلام : «أمّا معاوية فهو صعلوك، فقير، وأمّا أبو جهم فهو لا يضع عصاه عن عاتقه، كناية عن الضّرب،فانكحي أسامة» (4). هي نصيحة منه عليه السّلام إذ استنصحته.
من أمارات مقامات غيرِ البلاغيّة الملزمة: تراجُعُه عليه السّلام
وقع ذلك مرّات، منها في غزوة تبوك حيث استأذنه النّاس في ذبح نواضحهم، أي إبلهم ـ إذ جاعوا فأذن بذلك ثمّ تراجع، إذ أخبره عمر بأنّ في ذلك مظنّة خفّةِ الظَّهر، أي ألّا يجد الناس بعد ذلك ظهورًا يحملون عليها، إذ كانت هي وسائل نقلهم (5). ومثل ذلك مع الفاروق نفسه، إذ آب عليه السّلام إلى رأي الفاروق لمّا قال له : «دع النّاس يا رسول الله يعملون». وذلك عندما طفق أبو هريرة يبشّرهم بحديثه عليه السّلام « من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة على ما كان منه من عمل». إذ أبصر الفاروق المآل فراجع النبيَّ، فتراجع عليه السّلام (6). وما أدراك ما بصر المآل لمن له عقل فقهيّ صحيح وألقى سمعه عقولا، لا مقلّدا بليدا. نهيه عليه السّلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية في غزوة خيبر وهو ثابت ـ هناك من حمله على المشهد الآنف، أي مراجعة الفاروق له في ذبح الإبل بسبب الحاجة إليها ظهورا ووسائل نقل. وهناك من حمله على النّهي الدّينيّ بمثل النّهي الثّابت عن ذوات الأنياب من السّباع والمخالب من الطّير. وقريبا من ذلك نهيه عن الجلاّلة، وهي الدّابة التي تأكل الجلّة أي البراز. النّهي هنا مقصور على ما يكون له ذلك غذاءه الأساس، إذ علّة النّهي مذكورة.
المشهد الأشهر الذي عدّ فيصلا في التّمييز بين المقامات النّبوية هو قوله عليه السّلام للأنصار في قضية تأبير النّخل «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (7). إذ أشار عليهم في البداية لمّا رآهم يؤبّرون نخلهم بعدم ذلك فلزموا نهيه ـ هو في الحقيقة لم يكن نهيا صريحا، ولكنّه صيغة قوليّة أقرب إلى الرّأي المجرّد ـ فلم يثمر نخلهم، فلمّا أخبروه قال ذلك. ولكن عند مفارقة الإعتدال من جهة ونبذ المنهاج الموضوعيّ الجامع للوحي كلّه انتقائية بليدة ـ من جهة أخرى فإنّ مثل هذا الحديث يكون سبيلا إلى منتحلي الباطل والمؤوّلين بغير علم إلى القول بعلمانية الإسلام، فهو يفرّق بين الدّين والدّنيا. لا، الإسلام يوجّه الدّين والدّنيا معا ولكن تختلف معايير ذلك التّوجيه وأغذيته لتكون في الدّين الموقوف غيبا كاملا أو شبه كامل. والموقف فيه هو « سمعنا وأطعنا» وفي الدّنيا أو ما شابه الدّين والدّنيا معا « نجتهد ولا نألو». الدّين هنا هو القلب الذي يدير حركة الدّم، وهو نفسه يتغذّى بها. والدّنيا هنا هي آخر عضو في الجسم يتلقّى من تلك الحركة الدّائرية وقلبها النّابض ما به يتغذّى ويحيا.
الهوامش
(1) أخرجه البخاري (3825)، ومسلم (1714)، وأبو داود (3532)، والنسائي (5420)، وابن ماجه (2293) واللفظ له، وأحمد (24163) عن عائشة أم المؤمنين.
(2) أخرجه الدارقطني (3/77)، والحاكم (2345) مطولاً واللفظ لهما، والبيهقي (11717) مطولاً باختلاف يسير عن أبي سعيد الخدري.
(3) القصّة كاملة في صحيح البخاري (5283 ) عن عبدالله بن عباس.
(4) القصّة كاملة في صحيح مسلم (1480 ) عن فاطمة بنت قيس.
(5) القصّة كاملة في صحيح مسلم (2769 ) وصحيح البخاري (4418 ) عن كعب بن مالك.
(6) القصّة معروفة بـحديث النعلين وبشارة أبي هريرة ومراجعة عمر ، في صحيح مسلم (31 ).
(7) أخرجه ابن ماجة (2471)، وأحمد (24920)، وابن حبان (22) واللفظ لهم عن عائشة رضي الله عنها.
|




