تدبير
| بقلم |
![]() |
| محمد أمين هبيري |
| الإستراتيجيا والفعل الإنساني: بين النجاعة والرشد |
يمثّل الفعل الإنساني جوهر الوجود البشري، فهو ليس مجرّد استجابة آلية للمؤثّرات، بل هو سلوك واعٍ ومقصود يتّسم بالاختيار والمسؤولية والمعنى(1). في سياق التحوّلات المعاصرة، ومع تزايد تعقيد الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، برزت الاستراتيجيا كأداة محورية لتوجيه هذا الفعل نحو تحقيق أهداف محدّدة. إلّا أن الانتقال من تحليل الأسس الفلسفية والأنثروبولوجية والقيمية للاستراتيجيــــــــا إلى اختبارها في ميدان الفعل الإنسانـــــــــي يثير تساؤلات جوهرية حـــــول المعايير التي ينبغي أن تحكم هذا الفعل. فهل يُقاس الفعل الإنساني فقط بقدرته على تحقيق النتائج المرجوّة بأقلّ التكاليف، أم أن هناك أبعادًا أعمق تتعلّق بمدى اتّساقــــه مع معايير الرشد والمسؤولية؟
1. تعريف المصطلحات
تطرح هذه المقالة فكرة مركزية تتمثّل في التوتّر القائم بين منطق النجاعة الذي تؤكّد عليه الاستراتيجيا الحديثة، ومنطق الرشد الذي يوجّه الفعل الإنساني في أبعاده الأعمق. فالاستراتيجيا، في جوهرها، تسعى إلى تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية، مركّزة على الجانب الأداتي والتقني للفعل. في المقابل، يتجاوز الرشد مجرّد تحقيق النتائج ليشمل تقييم الغايات والوسائل من منظور أخلاقي وقيمي، سعيًا إلى فعل متكامل يجمع بين سلامة الوسائل وصلاح الغايات (2) . لتوضيح الإشكالية المطروحة، لا بدّ من تحديد المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها هذا التحليل:
1.1 الفعل الإنساني
يُعرّف الفعل الإنساني بأنّه السلوك الواعي والمقصود الصادر عن الإنسان، والذي يتميّز بارتباطه الوثيق بالاختيار الحرّ، والمسؤولية الأخلاقية، والبحث عن المعنى. على عكس السلوك الغريزي أو الآلي، يتضمّن الفعل الإنساني قدرة الفاعل على التفكير والتخطيط واتّخاذ القرارات بناءً على إرادة واعية . هذا المفهوم يتجلّى بوضوح في أعمال فلاسفة مثل حنة أرندت، التي تميّز بين العمل (Labor) والإنتاج (Work) والفعل (Action)، حيث يُعَدّ الفعلُ المجالَ الذي يظهر فيه الإنسان ككائن سياسي وأخلاقي(3) .
2.1 النجاعة
تشير النجاعة (Efficiency) إلى القدرة على تحقيق الأهداف المحدّدة بأقلّ قدر ممكن من الموارد (الوقت، الجهد، المال) وبأعلى مردودية ممكنة، وهي معيار تقني بحت يركّز على النتائج والأداء، ويهدف إلى تحسين العلاقة بين المدخلات والمخرجات. في الفكر الإداري، غالبًا ما ترتبط النجاعة بالعقلانية الأداتية (Instrumental Rationality) التي وصفها ماكس فيبر، حيث يتمّ تقييم الأفعال بناءً على فعاليتها في تحقيق الأهداف المحدّدة، بغضّ النظر عن طبيعة هذه الأهداف أو قيمتها الأخلاقية (4) .
3.1 الرشد
يعبّر الرشد (Rationality/Wisdom) عن توجيه الفعل وفق معايير الحكمة والاستقامة، وهو يتجاوز مجرّد الفعالية التقنية ليشمل البعد القيمي والأخلاقي. يتضمّن الرشد القدرة على الجمع بين سلامة الوسائل وصلاح الغايات، والنظر في العواقب البعيدة للفعل، والالتزام بالقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية . في التراث الفلسفي الإسلامي، يرتبط مفهوم الرشد بالحكمة التي تجمع بين المعرفة النظرية والعمل الصالح، كما يتّضح في فكر ابن رشد، الذي أكّد ضرورة التوفيق بين الحكمة والشريعة . وفي الفكر المعاصر، يمكن ربط الرشد بالعقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس، التي تركّز على التفاهم المتبادل والاتّفاق القائم على الحجج العقلانية والقيم المشتركة (5) .
تبحث هذه الدراسة العلاقة بين الاستراتيجيا والفعل الإنساني من خلال مفهومي النجاعة والرشد. فقد تحوّل الفكر الحديث، خاصة بعد الثورة الصناعية، من التركيز على سؤال الصواب إلى سؤال النجاح، حيث أصبحت النجاعة معيارًا أساسيًا للأداء. وقد تجلّت مركزية النجاعة في الإدارة العلمية لدى فريدريك تايلور، التي ركّزت على الكفاءة والإنتاجية. أدّى ذلك إلى هيمنة العقلانية الأداتية التي تنظر إلى الفعل كوسيلة لتحقيق الغايات بأقلّ تكلفة، مع تراجع الاعتبارات القيمية. في المقابل، ظلّ مفهوم الرشد حاضرًا في التراث الفلسفي والأخلاقي بوصفه توجيهًا للفعل بالحكمة والاستقامة. وتبرز أهمية هذه المقاربة في التمييز بين الفعل الناجع والفعل الرشيد، بما يساعد على تحقيق توازن بين الكفاءة والمسؤولية الأخلاقية عند اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
في ضوء ما سبق، تتحدّد إشكالية هذا المقال في التساؤلات المحورية التالية: إلى أي مدى يكفي معيار النجاعة لتوجيه الفعل الإنساني، وهل يمكن للاستراتيجيا أن تظلّ إطارًا كافيًا لتوجيه الأفعال إذا اكتفت بتحقيق الأهداف من دون مراعاة الأبعاد القيمية والأخلاقية؟ وإلى أي حدّ يمكن التوفيق، في إطار التفكير الاستراتيجي، بين النجاعة سعيًا إلى تحقيق النتائج، والرشد بوصفه التزامًا بالحكمة والمعايير الأخلاقية؟
تتطلّب هذه الإشكالية تحليلًا معمّقًا للبنى الفكرية التي يقوم عليها مفهوما النجاعة والرشد، وبيانَ كيفية تجلّي هذا التوتّر في الممارسات الاستراتيجية المعاصرة.
2. الجزء الأوّل: النجاعة كمعيار مركزي في الفكر الاستراتيجي
لقد أصبحت النجاعة حجر الزاوية في الفكر الاستراتيجي الحديث، حيث يُنظر إليها على أنّها المفتاح لتحقيق التميّز والتفوّق في مختلف المجالات. يعكس هذا التوجّه تحوّلًا عميقًا في النظر إلى الفعل الإنساني، إذ انتقل الاهتمام من الغايات الأخلاقية إلى النتائج المادية.
1.2. العنصر الأوّل: مركزية تحقيق الهدف
يعرّف النجاح في الفكر الاستراتيجي بأنّه تحقيق النتائج المحدّدة مسبقًا، وغالبًا ما تكون هذه النتائج قابلة للقياس الكمي. فالاستراتيجيا تُصمّم لتحقيق أهداف واضحة، مثل زيادة الحصّة السوقية، وتعظيم الأرباح، وتحسين الكفاءة التشغيلية. هذا التركيز على الأداء والفاعلية يجعل من القرار الاستراتيجي مسألة حسابية بالدرجة الأولى، حيث يتمّ اختيار الخيار الذي يحقّق أكبر عائد بأقلّ تكلفة . في هذا السياق، يصبح الفعل الإنساني مجرّد أداة لتحقيق هذه الأهداف، ويتمّ تقييم الأفراد والمؤسسات بناءً على قدرتهم على المساهمة في تحقيق هذه النتائج، بغضّ النظر عن الجوانب الأخرى للفعل (6).
2.2. العنصر الثاني: أدوات قياس النجاعة
لتأكيد مركزية النجاعة، طوّرت الاستراتيجيا الحديثة مجموعة واسعة من الأدوات والمؤشرات لقياس الأداء وتقييم النتائج. تشمل هذه الأدوات المؤشرات المالية، ومؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs)، وأنظمة التقييم والمراجعة الدورية، ونظم إدارة النتائج. تهدف هذه الأدوات إلى توفير بيانات موضوعية حول مدى تحقيق الأهداف، وتحديد الانحرافات، واتّخاذ الإجراءات التصحيحية لضمان استمرار تحقيق النتائج بكفاءة. ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات الكمية قد يؤدّي إلى إغفال الجوانب النوعية للفعل الإنساني، وتجاهل القيم غير المادية التي قد يصعب قياسها بسهولة (7) .
3. الجزء الثاني: الرشد كأفق للفعل الإنساني
على الرغم من هيمنة منطق النجاعة، يظلّ الرشد أفقًا ضروريًا للفعل الإنساني، فهو يضيف بعدًا قيميًا وأخلاقيًا يتجاوز مجرّد تحقيق النتائج.
1.3. العنصر الأوّل: الرشد بوصفه توجيهًا للفعل
يتضمّن الرشد حضور القيم والمعايير الأخلاقية في توجيه الفعل. فهو لا يكتفي بطرح سؤال: «كيف نحقّق الهدف؟»، وإنّما يطرح أيضًا سؤالَي: «لماذا نسعى إلى هذا الهدف؟» و«هل هذا الهدف مشروع أخلاقيًّا؟». يعتمد الرشد على الاعتبار بالمآلات، أي التفكير في العواقب القريبة والبعيدة للفعل على الفرد والمجتمع والبيئة. كما يجمع الرشد بين سلامة الوسيلة وصلاح الغاية، مؤكّدًا أن الغاية النبيلة لا تبرّر الوسيلة غير الأخلاقية. هذا المنظور الشامل للفعل الإنساني يضمن اتّسام القرارات بالفعالية والعدالة والمسؤولية معًا .
2.3. العنصر الثاني: التوتّر بين النجاعة والرشد
يبرز التوتّر بين النجاعة والرشد في العديد من المواقف، حيث قد تكون بعض الأفعال ناجحة من الناحية التقنية، لكنها غير رشيدة من الناحية الأخلاقية. على سبيل المثال، قد تحقّق شركة أرباحًا قياسية من خلال استغلال العمالة أو تلويث البيئة. هذه الأفعال، وإن كانت ناجعة اقتصاديًا، إلّا أنّها تفتقر إلى الرشد الأخلاقي. هذا يكشف عن حدود المنهج الأداتي في توجيه الإنسان، فبينما يوفّر هذا المنهج أدوات قوية لتحقيق الأهداف، فإنّه لا يقدّم إطارًا قيميًا لتقييم هذه الأهداف نفسها. لذا، فإن ثمّة حاجة ماسّة إلى أفق أوسع للفعل الإنساني، يتجاوز المنطق الضيّق للنجاعة ليشمل الأبعاد الأخلاقية والقيمية التي يجسّدها مفهوم الرّشد (8) .
4. ختامًا،
لقد أوضح هذا المقال أن الاستراتيجيا، في صيغتها الحديثة، تعطي الأولوية لمنطق النجاعة في توجيه الفعل الإنساني، مركّزة على تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية. ومع ذلك، فقد تبيّن أن الفعل الإنساني، في جوهره، يتطلّب معيارًا أوسع وأعمق يتمثّل في الرشد، الذي يدمج الأبعاد القيمية والأخلاقية، ويوازن بين سلامة الوسائل وصلاح الغايات. إن التوتّر بين النجاعة والرشد ليس مجرّد تباين نظري، بل هو إشكالية عملية تتجلّى في العديد من القرارات الفردية والمؤسسية التي قد تحقّق نجاحًا ماديًا على حساب القيم الإنسانية والمسؤولية الاجتماعية.
الهوامش
(1) أرندت، حنة. (1958). الوضع البشري. (ص. 7-10).
(2) طه عبد الرحمن. (2000). سؤال الأخلاق. (ص. 45-50).
(3) هابرماس، يورغن. (1981). نظرية الفعل التواصلي. (ص. 120-125).
(4) فيبر، ماكس. (1905). الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية. (ص. 60-65)
(5) هابرماس، يورغن. (1981). نظرية الفعل التواصلي. (ص. 150-155)
(6) Drucker, Peter F. (1967). The Effective Executive. P10 -15
(7) Kaplan, Robert S., & Norton, David P. (1996). The Balanced Scorecard: Translating Strategy into Action. p. 40- 45
(8) ResearchGate. (2025). Rationality and Efficiency in Human Decision-Making. P. 1- 5.
|




