نبش في التراث
| بقلم |
![]() |
| عبدالقادر رالة |
| جمال الدين الأفغاني بين الانجليز والفرنسيين |
يُعَدُّ جمال الدين الأفغاني (1838ـــ1897) من أعظم رجال الإصلاح في العصر الحديث، ويُعرَف بموقظ الشرق. وقد عاش في عصر مضطرب وأيام عصيبة من تاريخ العالم الإسلامي، إذ كانت هذه البلاد الغنية بالموارد البشرية والتنوّع الحضاري هدفًا للدول ، مثل إنجلترا وروسيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا...
كان الأفغاني يكره الاستعمار كرهًا شديدًا، وكان الإنجليزُ أشدَّ من يمقتهم، ويعتقد جازما أنهم من أمكر الشعوب الأوروبية، وأن بريطانيا من أخطر الدول الاستعمارية، لكن هل كان هذا موقفه من الإنجليز فقط؟ أم من الاستعمار الفرنسي أيضا الذي كان يحتل تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، أو الروسي الذي التهم جميع الإمارات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز، بل وكان يهدّد فارس والدولة العثمانية؟ . « كان جمال الدين الأفغاني مصلحا إسلاميّا، لا يستقر له قرار، يذهب إلى أيّ منطقة يشعر أنها في حاجة الى التحرّك ضدّ التسلّط الأوروبي وضدّ استبداد الملوك، وكان عدو الاستعمار الأول(1)
« إن جمال الدين الأفغاني ليس مجرد مفكر ولا هو بالمناضل العادي ، لقد أصبح جزءا كبيرًا وعزيزًا من ضمير هذه الأمة الإسلامية في العصر الحديث» (2)
ولقد حاربت بريطانيا شخصه وأفكاره، وضيّقت عليه الخناق لأنّ أفكاره كانت تهدّد مشاريعها الاستعمارية في مصر والهند وأفغانستان، فكانت باريس وجهته رغم أنّها عاصمة دولة استعمارية كانت قد احتلت بلدًا عربيًّا وإسلاميًّا كبيرًا ومهمّا، هو الجزائر قبل وصوله إليها بخمسين سنة، وهي لا تزال تخطّط لالتهام دول أخرى في شمال إفريقيا أو الساحل الإفريقي. وفي باريس أصدر مجلّته الشهيرة «العروة الوثقى» مع تلميذه محمد عبده، وكان هدف المجلّة الأول هو محاربة الاستعمار في مصر والهند. وفي باريس التقى الفيلسوف الشهير «إرنست رينان» ودارت بينهما نقاشات حول الإسلام وحضارته والفكر الإسلامي عمومًا!
ربّما كان الأفغاني مضطرًّا لأن يهادن فرنسا ومشاريعها الاستعمارية في البلاد العربية والإسلامية، كما اضطر الكثيرون من رجال الإصلاح والنهضة والسياسة في العالم العربي والإسلامي، فمَن تحتلّ فرنسا بلدَه يتقرّب من الإنجليز، ومَن تحتلّ إنجلترا بلدَه يتودّد إلى الفرنسيين، لكن الحقيقة الناصعة هي أنّ الأوروبيين وإن اختلفوا في الظاهر فإنّهم يتّفقون في الباطن على منع أي نهضة في أي بلد عربي أو إسلامي، أيًّا كان مكانه أو موقعه، وقد أثبتت الأيام ذلك فيما بعد، وهو ما عبّر عنه مالك بن نبي في كتاباته حول النهضة والانبعاث الحضاري.
الهوامش
(1) تاريخ الشعوب الإسلامية ، عبدا لعزيز سليمان نوار ، ص 454
(2) جمال الدين المفترى عليه ، د. محمد عمارة ، ص 45
|




