في العمق
| بقلم |
![]() |
| د.كمال جعبر |
| الحدود والهويّة في المجتمعات المحلية بالمغرب العربي: من الانغلاق الجغرافي إلى أفق التنمية (2/3) ال |
تثير العلاقة المركّبة بين الحدود الجغرافية والهويّات الثقافية في المجتمعات المحليّة بالمغرب العربي إشكالات نظرية وعملية. فالحدود، بما تفرضه من خصوصيّات تاريخيّة وجغرافيّة وثقافيّة تعزّز العزلة والانغلاق، يمكن أن تتحوّل، في سياق رهانات التنمية، من عائق أمام التكامل والاندماج إلى فضاء للعيش المشترك ولتفاعل الهويّات، وساحة لتجديد ديناميكية التنمية. تمنح الحدود فرصة لبناء استراتيجيات ثقافية واجتماعية وتعزيز التبادل الرمزي والمادّي، ممّا يدعّم التنمية المشتركة. فهل تشكّل الحدود عائقًا أمام تحقيق هذا الانتقال، أم يمكن أن تتحوّل إلى فضاء للتفاعل والتبادل؟ وكيف تسهم إعادة تعريف الهوية المحليّة في فتح آفاق جديدة للتنمية في المجتمعات المغاربية؟ إنّ معالجة هذه الأسئلة تمثّل مدخلًا ضروريًّا لفهم العلاقة المعقّدة بين الجغرافيا والهوية والتنمية في السياق المغاربي الراهن.
يسعى الدكتور كمال جعبر إلى تقديم إجابة شافية عن هذه الأسئلة من خلال بحث يُقدَّم في ثلاث حلقات متتالية. وقد بيّن في الحلقة السابقة كيف تحوّلت الحدود الكولونيالية من خطوط جغرافية إلى أدوات لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي وإنتاج انتماءات وطنية جديدة.
وينتقل في هذه الحلقة إلى رصد كيفيّة تفاعل الهويّات المحلية مع هذه الحدود وتراوحها بين حماية الخصوصيّة والانفتاح على المجتمعات المجاورة.
وفي الحلقة الثالثة والأخيرة، يتناول إمكان تحويل هذا التداخل الحدودي والهوياتي إلى مورد للتنمية والتعاون والاندماج المغاربي.
أدّت التقسيمات الاستعمارية للحدود إلى نشأة هويّات (1) متنوّعة، غالبًا ما تكون جزءًا من هويّات قديمة تمتد عبر الصحاري أو الواحات أو الجبال المغاربية. تؤثّر عدّة عناصر في تشكيل الهويّة الحدودية، منها التداخل الثقافي واللغوي الممتد إلى الدول المجاورة. مثال ذلك الأمازيغ الذين يسكنون المناطق الحدودية في المغرب وتونس والجزائر وليبيا، وكذلك الجماعات الموجودة في المناطق الصحراوية بين المغرب وموريتانيا، حيث تربطهم هويّة واحدة وعادات وتقاليد ولغة ولهجة مشتركة. هذا يولّد حدودًا ثقافية أكثر فاعلية من الحدود السياسية. كما أنّ العلاقة مع الدولة المركزية داخل الحدود يمكن أن تكون عاملًا محدّدًا ومؤثّرًا في تشكيل الهويّة.
في الجزائر والمغرب، انتزعت الحركة الأمازيغية الاعتراف بهويّتها، وأصبحت لغتها معتمدة في التعليم، كما اعتُمدت العلامة الأمازيغية في الفضاء العام. يقول العقاد: « وقد حاولت فرنسا أن تثير النعرة القومية بين البربر، غير أنّها لم تستطع أن تحقّق سوى جزء يسير من أهدافها. وعندما حصلت مراکش على استقلالها أخذت مشكلة البربر تتلاشى سريعا وتتغلّب روح الوحدة القومية سواء باسم العروبة أم الإسلام »(2).
تؤثّر الجغرافيا والعزلة، لا سيما في الواحات والصحاري والمناطق الجبلية، في نشأة الهويّة الحدودية، وهو ما يُسهم في الحفاظ على التراث اللغوي والثقافي. تساهم هذه المناطق شبه المعزولة، ذات الانتقال المحدود مع المناطق الأخرى، في تعزيز الهوية والاستمرارية الثقافية. تعيش الواحات الصحراوية، مثل واحات تونس والمغرب والجزائر ومنطقة الساحل الصحراوي الغربي، هذه العزلة التي تُسهم في الحفاظ على هويّتها وتعزيزها.
على العكس من ذلك، أسهمت الهجرة والحركة العابرة للحدود في نشأة هويّات جديدة متماسكة. فقد تنقّل البدو بهدف التجارة عبر الصحراء، وأدّى التقارب والزواج إلى اندماج القبائل على طرفي الحدود. نتج عن ذلك علاقات عائلية وقبلية متينة لا يمكن للحدود السياسية أن تحصرها. ومن الأمثلة على ذلك الحدود التونسية الليبية، والعلاقات الأسرية والثقافية واللغوية المتينة بين القبائل الرحّل. ومن أمثلة ذلك أيضًا البدو الصحراويّون الذين يتنقلون بين الجزائر وموريتانيا والمغرب، والقبائل الأمازيغية التي تتنقل بين شمال الجزائر وجنوب المغرب، إضافة إلى الواحات المرتبطة تاريخيًّا بحركات مثل الحج والتجارة.
تنعكس النزاعات السياسية والتوترات الحدودية في تشكيل الهويّة وطبيعتها. وتثير هذه النزاعات شعورًا بتهديد الهويّة، ممّا يحفّز آليّة الدفاع عنها ومواجهة الخصم والدولة الأخرى. ومثال ذلك الصراع القائم بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربيّة، وما ترتب على إغلاق الحدود الجزائرية المغربية من آثار في القبائل الأمازيغية الموجودة في المناطق الحدودية.
لم تتلاشَ الهويات المحلية في الإطار الوطني، بل استمرت في التشكّل من خلال اللغة والثقافة والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية. وظلّ سكان الحدود من الأمازيغ في الأطلس والواحات المغربية، أو سكان غدامس في ليبيا، أو الطوارق بالصحراء الكبرى، يحافظون على الخصوصيات اللغوية والثقافية التي تميزهم، والتي تجسدها العادات والتقاليد واللباس والموسيقى. لا تمثل هذه الخصوصيات مجرد مظاهر فولكلورية، بل تؤدي دورًا جوهريًا في تعزيز الوحدة والتماسك الاجتماعي.
درس كليفورد غيرتز (3) التوتر بين الهويّة التقليدية والانتماء الوطني الجديد الذي تواجهه الدول الحديثة في العالم الثالث، بما في ذلك منطقة المغرب. ويرى غيرتز أنّ« الحركات القومية ترتكز في أفريقيا على أساس عرقي، بينما في كردستان على أساس قبلي، بينما في لاوس ودول الشّان ( Shan) وتايلاند هو اللغة. إلا أنّ هذه الظواهر كلها تشترك في معنى ما تُبقي شعوب المناطق الحدودية ممزّقة بين الانتماء العرقي والقبلي الذي تفرضه الهوية الأصلية، وبين مقتضيات الدولة الحديثة التي تفرض الانتماء إلى الهوية الوطنية» (4).
ويرى غيرتز أيضا أنّ تعارض هذين المطلبين يمثّل قوّة دافعة مركزية في التطوّر الوطني للدول الحديثة، ويمثل، في الوقت نفسه، إحدى أكبر العقبات أمامه. و« يتخذ هذا التوتّر شكلاً حاداً ومزمناً في الدول الجديدة، ويعود ذلك إلى مدى الارتباط الوثيق في النفوس بين حسّ الذات عند الناس ووقائع الدم والنسب أو العرق أو اللغة أو المكان أو الدين أو التقاليد، كما يعود أيضا إلى الأهمية المتزايدة في هذا القرن للدولة ذات السيادة بما هي أداة إيجابية لتحقيق الأهداف الجماعية » (5).
عندما تتجاوز الدولة حدود الهوية الأصلية التي يسميها غيريتز (الروابط الفطرية)، فإنها تواجه تحديات ناتجة عن صعوبة اختراق تلك الهوية وتفكيكها. تتمثل هذه الروابط في« التطابقات، بذاتها وكما هي، في الدم والنسب، في الكلام، في العادات، وما إلى ذلك، تأثير قاهر لا يوصف، وأحيانا يصبح هذا التأثير غامرا في الإملاء على المرء ما يكون وما يفعل. فالمرء يرتبط ارتباطا وثيقا بذوي قرباه، وبجيرانه، وبإخوانه في المعتقد، بفعل الواقع، ويكون ذلك نتيجة ليس فقط للعاطفة الشخصية والضرورة العملية والمصلحة المشتركة أو الالتزام الذاتي بحكم الأمر الواقع، بل هو أيضا، جزء على الأقل بسبب معنى مطلق يستحيل تفسيره وتبريره ملتصق بالرابط ذاته» (6).
يُفرز التقسيم الاستعماري للحدود دولًا وهويات وطنية، لتحلّ محل الانتماءات الدينية والقبلية والعرقية بالانتماء المشترك للدولة المدنية.« فالدولة تُبنى على الاحساس بالزمالة والشبه في المواطنة. وما هو هذا الإحساس بالزمالة؟ باختصار، هو إحساس بعاطفة تشاركية توحيدية تجعل أولئك الذين يتحلون بها يشعرون بجامع القربى فيما بينهم» (7).
غالبًا ما تتكون الدولة المدنية من أجناس وأعراق ولغات متنوعة، وسرعان ما يصبح هذا التمايز الطبيعي أساسًا حقيقيًا لهويتها الوطنية المميّزة. و« عندما يُخضع الفرد هذه التعريفات المحددة لهويته، وهي المألوفة عنده، يُخضعها لالتزام معمّم بنظام مدني شامل، غريب لديه.. يكون إما بالذوبان في مجموعة غير متمايزة ثقافيا، أو، وهذا أسوأ من الأوّل، بالخضوع لجماعة إثنية أو عرقية أو لغوية منافسة تمتلك القدرة على تشريب ذلك النظام بمزاجها الشخصي» (8) . وأمام ما تعيشه الهوية الوطنية من تنوع واختلاف تفرضه الانتماءات الفطرية الأصلية يرى غيرتز أن« ما يتعين على الدول الجديدة أو قادتها فعله، أو بذل الجهد في فعله، في ما يتعلق بالانتماءات الفطرية، ليس كما كانت تفعله غالبا، في تمنّي زوالها بتصغيرها أو بإنكار حقيقتها، بل أن تروّضها وتدجّنها. على الدولة أن تعقد صلحا بين هذه النوازع والنظام المدني المتطوّر» (9).
تتأرجح الهوية بين الانغلاق على حدود الوطن والانتماء الديني والعرقي الذي يفرض الانفتاح والامتداد إلى ما وراء الحدود. وتُسهم هذه الروابط القويّة في مدّ الجسور بين البلدان ذات الانتماء الواحد. فلا يكون التنوع والاختلاف، على حد تعبير شتراوس، مجالًا للصراع والعنف، بل سمة للتعايش والتطور. فهو يقول:« لا أريدكم الآن أن تفهموا هذه العملية على أنّها ضارّة أو هي جملة فروقات يجب التغلّب عليها. هذه فروقات ولودة مبدعة في الحقيقة، ومن خلالها بالذات يمكن إحراز التقدّم » (10).
يرى غيرتز أنّ الهويّة تتشكّل كنظام رمزي من خلال الثقافة، ويعرف الثقافة بأنّها نظام رمزي يعبّر عن مفاهيم موروثة يتبنّاها البشر ويتواصلون بواسطتها ويطوّرون معارفهم بشأنها. هذا يجعل الهوية غير ثابتة في مجموعة من القواعد أو السلوكيّات، بل هي حيوية ومتجدّدة، مفتوحة على التأويل والتوليد المستمر للمعنى المتصلة بالحياة والعالم. وتشمل تلك الرموز اللغة والأساطير والمعتقدات والفنون، وهي وسائط يستخدمها الأفراد للتواصل وفهم العالم. يقول غيرتز:« إن مفهوم الثقافة الذي أعتنقه هو بالأساس مفهوم سيميائي Semiotic. وأنا مقتنع مع ماكس فيبر أن الانسان هو حيوان عالق في شبكات رمزية نسجها بنفسه حول نفسه، وبالتالي أنا أنظر إلى الثقافة على أنّها هذه الشبكات، وأرى أنّ تحليلها يجب ألاّ يكون علما تجريبيا يبحث عن قانون بل علما تأويليا يبحث عن معنى» (11) .
الهوامش
(1) تُعرًف الهوية في معناها المجرد بما هي جملة علامات وخصائص من أجناس مختلفة، تستقل بها الذات عن الآخر، فبغياب هذه العلامات والخصائص تغيب الذات وتذوب في الآخر، وبحضورها تحضر. (عبد الغني الودغيري، اللغة والدين والهوية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، 2000، ص 68.)
(2) صلاح العقاد، المغرب العربي في التاريخ الحديث والمعاصر الجزائر، تونس، المغرب الأقصى، مكتبة الأنجاو المصرية، ط6، 1993، ص10.
(3) كليفورد غيرتز «Clifford Geertz»ا(1926 - 2006): مفكر أمريكي وأحد أبرز الأنثروبولوجيين في القرن العشرين. درس اللغة الإنجليزية والفلسفة ثم الأنثروبولوجيا، وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1956. يُعد من مؤسسي المدرسة التأويلية في الأنثروبولوجيا، وقد أولى أهمية بدراسة الرموز الثقافية، معتبرًا أن تلك الرموز تضفي معنى ونظامًا على حياة الإنسان. كان له دور هام في تطوير دراسة الأنساق الرمزيّة والثقافيّة داخل الممارسات الانثروبولوجيّة منهجا وتنظيرا. له أبحاث هامة في اندونيسيا والمغرب ضمنها في كتابه«الدين في جاوة» سنة 1960 ثم كتاب« ملاحظة الإسلام: التطورات الدينية في المغرب وإندونيسيا» سنة 1968. ومن أهم كتاباته « تأويل الثقافات» سنة 1973 الذي كان له وقع هام في حقل الأنثروبولوجيا وخاصة في الدراسات التراثية.
(4) كليفورد غيرتز، تأويل الثقافات، مقالات مختارة، ترجمة محمد بدوي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت لبنان،2009، ص503.
(5) كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص 506.
(6) كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص 508.
(7) كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص509.
(8) كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص 506-507.
- كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص538.
(9) كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص538.
(10) كلود ليفي شتراوس: الأسطورة والمعنى، ترجمة صبحي حديدي، دار الحوار، ط1، 1985، ص19.
(11) كليفورد غيرتز، المرجع السابق، ص82.
|




