وجهة نظر
| بقلم |
![]() |
| د.أشواق طالبي المصفار |
| التّغريب وأثره في هوّية المرأة العربيّة المسلمة: (2/2) التغريب والهوية وآثارهما في البنية الاجتماعية |
بيّنت الحلقة السابقة مفهوم التغريب وأشكاله، ووقفت عند معنى الهوية وما تتعرض له من تحولات تحت تأثير النماذج الثقافية الوافدة، كما رصدت انعكاسات ذلك على القيم والعلاقات والبنية الاجتماعية. وتنتقل هذه الحلقة من التشخيص العام إلى دراسة أثر التغريب في المرأة العربية المسلمة، انطلاقًا من موقعها المركزي داخل الأسرة والمجتمع ودورها في تشكيل الأجيال. كما تتعمق في الوسائل والمظاهر التي يربطها المقال بتغيير هوية المرأة وأنماط حياتها، قبل أن تستعرض آفاق التجاوز القائمة على الوعي النقدي، وتعزيز الخصوصية الثقافية، والانفتاح المتوازن على منجزات العصر.
5. أثر التّغريب في هُويّة المرأة العربيّة المسلمة
2.5. الآثار الخاصّة في شؤون المرأة
لقد انعكس التّغريب على المرأة باعتبارها المرآة العاكسة لكلّ التّناقضات الاجتماعيّة. وقد أدركت فلسفة التّغريب هذه المنزلة الّتي تحتلها المرأة فعمدت إلى بلبلة أفكارها وتلويث هويّتها عبر تغيير سلوكها الاجتماعيّ لتهشيم البناء الأسريّ لما له من تأثيرات شديدة الخطورة على الناشئة والشباب. وتدريجيًّا يكتشف الدّارسون آثار هذا التّمشّي السّلبيّ النّاجمة عن تغريب المرأة بدعوى علمنتها وتطويرها. ولكن في الحقيقة، أدّى ذلك إلى إبعادها عن المبادئ الدّينيّة الكفيلة بضمان المناعة للعائلة وللمجتمع بأسره.
لقد استخدم التّغريب سلاح الإعلام للفتك بالبنية الأسريّة التّقليديّة، وعليه استخدم المرأةَ العربيّةَ المسلمةَ أداةً للدعاية والإغراء تحت أغطية الفن، والإبداع، والتّحرّر. واللّافت أنّ المخطّطات التّغريبيّة تستهدف إذابة الهويّة العربيّة المسلمة تحت وطأة الشعارات البراقة من قبيل التّحرر المادّيّ والمعنويّ، والمساواة، ولا أدلّ على ذلك من تشجيع الدّوائر الغربيّة للكاتب مرقص فهمي صاحب كتاب «المرأة في الشرق» الّذي دعا فيه بقوّة إلى نزع كلّ أشكال الحجاب والتّشجيع على الاختلاط بكافة أنواعه، وتحامل فيه على أحكام الشّريعة الإسلاميّة الّتي اعتبرها أحكامًا جائرةً(1)، ونجد، شبيهًا بهذا الكاتب، آخرين كُثرًا سخّروا أقلامهم للتّهجّم على المبادئ الدّينيّة وأحكامها دون فهم.
لقد ضعفت الرّوابط الّتي تشدّ المرأة العربيّة إلى دينها تحت تأثير التّيّار التّغريبيّ، وما أحدثه من انبهار لدى الشباب، وخاصّة البنات اللّائي يُعجبن كثيرًا بالنّماذج النّسويّة الغربيّة المتمرّدة على القيود الأخلاقيّة والدّينيّة، وغير المرتبطة بالآداب النّابعة من الثّقافة المحليّة. وقد صوّر التّيّار التّغريبيّ إضاعةَ الوقت في الملاهي والمراقص علامةً على التّقدّم والتّحضّر.
وقد انعكست اللامبالاة بالأبناء على تدهور أوضاعهم التّربويّة والصحيّة والأخلاقيّة وبشكل بارز في توتّر العلاقات مع الآباء، وكثرة الجريمة وانتشار ظاهرة التّشرّد؛ ولا أدلّ على هذه الأزمات الهُوَويّة ممّا ذكره شاهد من أهل الثّقافة الأوروبيّة، وهو رئيس الاتحاد السّوفياتي سابقًا «ميخائيل جورباتشوف» (2) في كتابه عن البروستريكا أنّ الـمـرأة بعد أن اشـتـغـلـت فـي مـجالات الإنتاج والخدمات والبناء وشاركت في النشاط الإبداعي لم يعد لديْها وقت للقيام بواجباتها اليومية من أعمال المنزل وتربية الأطفال. لقد اكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا في سلوك الأطفال والشباب، وفي معنوياتنا وثقافتنا وإنتاجنا تعود جميعاً إلى تدهـــور العلاقات الأسريّة، وهذه نتيجة طبيعية لرغبتنا الملحة والمسوَّغة سياسيًّا بضرورة مساواة المرأة بالرجل(3).
لقد سعى التّغريب إلى طمس الهويّة واتخذ من قضية المرأة مطيّة لتطوير آليات الصّراع بين الشرق والغرب من أجل نقل السّموم الثّقافيّة والاجتماعيّة إلى داخل النّسيج الأسريّ في المجتمع الإسلاميّ، ومع ذلك ظلّ موضوع المرأة رغم كلّ التّشكيك والتّهجّم الصخرة الصُلبة في وجه المشاريع الاستعماريّة والتّغريبيّة.
إنّ الحرب بين الشرق والغرب ذات وجهين: وجه مادّي عسكري، ووجه ثقافي حضاري؛ فالإسلام بنظامه الاجتماعي أزعج الوسط الاستعماري فدبّر له العديد من الخُطط لتهميشه، فكرّس جهوده لإحداث التّعليم المُوازي القائم على اللّغة الفرنسيّة حتّى يسخر أبناء الوطن الواحد من الشقّ الّذي لا يُحسن النّطق باللّغة الأجنبيّة، ومن ثمّ يقع تبخيس العادات والتّقاليد، والأذواق المعبّرة عن الهويّة، ومن هذا الشقّ المتعلّم باللّغة الفرنسيّة انبرت مجموعة تؤلّف في تمجيد التّجارب الأوروبيّة والغربيّة بصورة عامّة وتدعو إلى الاقتداء بها ولا سيّما في مستوى اللّباس عند المرأة وتقنين عدد الزوجات.
وقد وجد هؤلاء في الدّين إشارات اعتمدوها أسسًا للتّفكير، ولكنّ التّغريب استثمر هذه الجهود الإصلاحيّة لتمزيق أوصال المجتمع، وضرب هويّة المرأة فتعالت أصوات منادية بإيجاد امرأة جديدة. فما عاد الطرح الإصلاحي يقتنع بتحرير المرأة من قيودها بل أصبح النداء متعلّقًا بصناعة كيان جديد وهويّة جديدة للمرأة العربيّة المسلمة (4).
رسم التّغريب خططًا يهدف من خلالها إلى تمرّد المرأة على ما أسماه بالعادات والتّقاليد المتخلّفة والمنغلقة؛ والقصد من ذلك التّنكّر للمبادئ الدّينيّة واجتثاث القيم من جذورها لصالح القيم الغربيّة المادّيّة القائمة على النّفعيّة الحاملة لشعار الحداثة والتّقدّم.
وفي حقيقة الأمر سعى الغرب إلى تركيز مركزيّته عن طريق المؤتمرات والنّدوات العلميّة، واللّقاءات الدوليّة الّتي كان الهدف منها فرض الرّؤية الغربيّة على المجتمعات الشرقيّة والإسلاميّة بالخصوص، وهي مجال التّحوّلات المركزيّة خلال القرون الأخيرة.
لقد كان نظام الأسرة وأخلاقيات الزّواج هي محاور البحث الأساسيّة لتنفيذ شعار تحرير المرأة، وكان يُراد لكلّ مرحلة من هذه المراحل أن تُصبح مكسبًا لصالح الغرب ليتمّ الانتقال إلى المرحلة التالية، وأن يترسّخ الأمر كواقع لا يمكن التّشكيك فيه أو التّراجع عنه لأنّ التّغريب يستخدم سلاح القوّة الاقتصاديّة والضغوط السياسيّة لتحقيق مآربه.
وهكذا يتسنّى للمشاريع التّغريبيّة أن تتسرّب وتتسلّل إلى المجتمعات الإسلاميّة باستخدام بعض المثقّفين المتغرّبين والأحزاب والحركات النّسويّة العلمانيّة، وبدعم غربي مادّيًا وأدبيًّا وإعلاميًّا، فظهر شبه تكتّل دولي يشمل المجتمعات العربيّة الإسلاميّة والمجتمعات الغربيّة، وباسم حقوق الإنسان والمساواة، تشكّلت جماعات ضاغطة وأصبحت قراراتها تتمتّع بشرعيّة قانونيّة، وحقوقيّة دوليّة، ثمّ تمّ تدويل هذه القرارات عبر العولمة، وروّجت الوسائط التّواصليّة الحديثة للرؤى الجديدة المتعلّقة بالمرأة والأسرة، وهي تقوم على تمجيد الأخلاق الليبراليّة وحرّيّة الاختيار، ومبدأ المنفعة والرغبة الذّاتيّة، والفائدة المباشرة والفردانيّة؛ وهي مفاهيم جذّابة تحتاج إلى كثير من المراجعة والتّدقيق.
لقد تعاظمت التّحدّيات أمام المرأة المسلمة لأنّ قضيّة المرأة تجرّ وراءها قضيّة العائلة، والعائلة بدورها تجرّ وراءها شؤون الاجتماع؛ علمًا بأنّ سلامة الحضارة نابعة من سلامة المجتمع، ولمّا كان هدف التّغريب إضعاف المجتمعات المنافسة في كلّ المجالات عمد إلى كسر هويّة المرأة في مستوييها المادّي والمعنويّ، والنّتيجة أنّنا صرنا أمام لباس تقليدي خاصّ بالأمّ، ولباس حديث خاصّ بالبنت، واختلط المعجم لدى الشباب، وباختلال اللّغة اختلّ التّفكير وغفلت البنات عن حقوقهنّ النّابعة من المجال الدّينيّ، وتشبّثن بشعارات الثّقافة الغربيّة.
لقد نجح الغرب في إضعاف الرّوابط الّتي تشدّ المرأة المسلمة إلى تراثها المفعم بتجارب امتدّت على مدى خمسة عشر قرنًا، وكان بالإمكان تطوير هذه التّجارب وربطها بالمعاصرة والحداثة في الوقت الذي نجح فيه في شدّ الانتباه إلى ثقافة الغرب الّتي لها قرنان فحسب من العمر، ما أدّى إلى تفسّخ الأسرة، وتلاشي الأخلاق، وإذلال المرأة، واستغلال جهودها في المصانع والشّركات.
إنّ التّقليد الّذي غرسه التّغريب في المرأة العربيّة هو أخطر مظهر من مظاهر إفساد هويّتها حيث أصبحت مسلوبة الشخصيّة، وضعيفة الذّاتيّة؛ ولذلك نجدها منبهرة بالمرأة الغربيّة الّتي تشير الإحصائيات إلى أنّ أكثر من أربعين بالمائة من الفرنسيّات يلدن خارج مؤسّسة الزواج، وأنّ ثلاثًا وخمسين بالمائة من النساء يلدن خارج العلاقات الزوجية الشرعيّة، وأنّ ثلاثمائة ألف مولودٍ يولدون من علاقات محرّمة ومشبوهة. وقد وصلت نسبة المراهقات الحوامل إلى ثلاثين فتاةً من كلّ ألف فتاة تتراوح أعمارهنّ بين ثلاث عشرة سنة وخمس عشرة. واللّافت في هذا الإطار أنّ عدد الزيجات في تناقص كبير، وكذلك الأمر بالنسبة إلى العديد من البلدان الأوروبيّة والغربيّة كالسويد والنرويج، وتزداد النّسب ارتفاعًا في بريطانيا، فلا غرابة، حينئذ، في أن يتحوّل المجتمع لدى الغرب إلى مجتمع تسوده الغرائز البهيميّة (5).
ولا يلتفت المرء إلى الصّورة القاتمة المتعلّقة بمسائل الدّعارة، الظاهر منها والخفي في المجتمعات الأوروبيّة والأمريكيّة حيث أصبحت المرأة مجرّد سلعة لا علاقة لها بالمجال الإنسانيّ. ولا أدلّ على ذلك ممّا كتبته البرلمانيّة السويسريّة نيكول كاستيوني (6) في كتابها «الشمس في آخر الليل»، وفيه شهادة حيّة وشخصيّة على الظروف القاسية المحيطة بحياة اللّواتي انخرطن في مجال الدّعارة أو تجارة الرقيق الأبيض والنساء. وقد بلغ عدد ضحايا هذا المجال الغامض الآلاف من النساء، وما وراء ذلك من قضايا السّلب، والنّهب، والاغتصاب، والقتل، والفساد السياسيّ والاجتماعيّ، وفي الكتاب إشارات مهمّة إلى جهود المؤلفة باعتبارها محامية وبرلمانيّة سخّرت جهودها لمكافحة هذا التيّار عبر الكتابات وتأسيس الجمعيات. وفي الكتاب أيضًا فضحٌ للشعارات المتعلّقة بتحرير المرأة الّذي انتهى إلى تشييئها وسلعنتها، وهو الهدف الأكبر من أهداف مشاريع الغرب كيْ تُصبح نساء الشرق مادّة طيّعة في يد أصحاب الشركات الرأسماليّة والأموال الطائلة يُشكّلون منهن عبيدًا يفعلون بهن ما يشاؤون.
إنّ التّغريب يتمتّع بوجهيْن: وجه ظاهريّ برّاق يقدّم نفسه على أنه ثقافة وأدب، وفلسفة في الحياة، ووجه باطنيّ يشي بحقيقة مفزعة تقدّم سمومًا فتّاكة ضدّ كلّ خصوصيّة. وقد انتبه منظّرو التّغريب إلى أنّ المرأة العربيّة قد كانت كالمجتمع العربي الّذي تنتمي إليه تُعاني من العديد من السّلبيّات (7)، فبادروا إلى النبش في حقوقها وحرّيّتها. وفي الواقع استعمل التّغريبيّون كلمة حقّ أُريد بها الباطل. وهذا الباطل هو نقض عُرى الإسلام وتحطيم مبادئه وقيّمه.
إنّ التّركيز على مسألة المرأة يؤكّد مرّة أخرى أهمّيّة هذا العنصر في بناء الحضارة بأسرها، وقد ورد في كتاب بروتوكولات حكماء صهيون ما يلي: «علينا أن نكسب المرأة ففي أي يوم مدّت إلينا يدها ربحنا القضيّة» (8)، وهو ما يدل على أنّ المرأة مجرّد وسيلة محقّقة لأغراض الاستعمار لا أكثر من ذلك. وقد انبنت فلسفة التّغريب على ترويج ثقافة الكأس والغانية الّتي تعمل على تحطيم الأمّة المحمّديّة أكثر ممّا يفعله ألف مدفع. وكانت الدّعوة إلى الإغراق في عوالم المادّة والشّهوات.
وقد لجأ الاستعمار الفرنسيّ لمّا عجز عن مواجهة المقاومة المسلّحة إلى كسر شوكة المجاهدين بالاعتداء على زوجاتهم وبناتهم، وهو الفعل الاستعماري التّغريبيّ المستمرّ وإنْ تعدّدت وجوهه ومظاهره، فالمعركة الّتي كانت عسكريّة تحوّلت إلى مواجهة ثقافيّة، وأساس هذه المواجهة الجديدة تذويب الشخصيّة المسلمة في الشخصيّة الغربيّة ومحو هويّتها بحيث تُصبح المرأة المسلمة لا ترى إلّا من خلال المنظور التّغريبيّ ولا تُعجب إلّا بمنجزاته، وتبتعد عمّا يشدّها إلى قيم الإسلام، وأخلاقه، ومُثله، وكلّ ما يُشكّل مكوّنات الهُويّة والخصوصيّة. وعلى ذلك تُربّي المرأة المسلمة أبناءها وتؤثّر في من حوِلها فتكون أداة طيّعة لترويج الأفكار التّغريبيّة القائمة على الجشع، والنّفعيّة، والاستهلاك. والنّتيجة هي إيجاد كيان نسويّ ممسوخ فلا هو مسلم خالص ولا هو غربي صرف.
وقد لخّص محمد محمد حسين فلسفة التّغريب بقوله: «وكانت برامج التّغريب تقوم على قاعدتيْن أساسيّتيْن، يعني عند المستعمرين الأولين، الأولى اتخاذ الأولياء والأصدقاء من المسلمين وتمكينهم من السّلطة، واستبعاد الخصوم الّذين يعارضون مشاريعهم، ووضع العراقيل في طريقهم، وصدّ النّاس عنهم بمختلف السبل . القاعدة الثّانية التّسلّط على برامج التّعليم وأجهزة الإعلام والثّقافة عن طريق من نصّبوه من الأولياء وتوجيه هذه البرامج بما يخدم أهدافهم ويدعم صداقتهم»(9).
6. آفاق التّجاوز
أمام كلّ هذه التّحدّيات الحضارية الّتي تُواجهها المرأة العربيّة المسلمة يُمكن القول: إنّه لا يمكن رفض التّغريب كلّيًّا، ولا إغضاءالطّرف عنه لأنّه جزء من الواقع المتمكّن، بل يمكن التّعامل معه بوعي وتوازن ونقد، ومجادلته عبر تعزيز الهويّة الثّقافيّة؛ ولا يتسنّى ذلك إلّا بإعادة إحياء التراث الثّقافي وتعليمه للأجيال الجديدة، وعندئذ يعمّ الإنتاج الفكريّ والأدبيّ، والعلميّ المحليّ بشكل قويّ حتّى يبلغ قدرًا يمكّنه من منافسة الفكر الغربيّ فيكون الانفتاح الواعي الضامن للاستفادة من الغرب فيما لا يتعارض مع القيم المحليّة، فيكون التمييز بين التّطوّر العلميّ والتّقنيّ وبين التّغريب الثّقافيّ، وعندئذ تتطوّر البدائل المحليّة من إنشاء لأنظمة تعليميّة وإعلاميّة متماشية مع الهويّة الخاصّة بأبعادها المتنوّعة، وتشجيع الصناعات الوطنيّة والاكتفاء الذّاتيّ اقتصاديًّا وتقوية الإعلام المحليّ، وإنشاء منصات إعلاميّة تنافس الإعلام الغربيّ لنشر المحتوى الثّقافيّ الهادف لتعزيز الهويّة الوطنيّة، وإصلاح التّعليم الّذي يعمل على إدراج مناهج تعليميّة تحافظ على الهويّة الثّقافيّة، ومن ذلك أيضا دعم البحث العلميّ المستقلّ عن النّماذج الغربيّة، فتتشكّل معالم الهويّة المستقلّة في تربة أصيلة تتضافر فيها عوامل النجاح والتّقدّم المتنوّعة كسلامة اللّغة وعمق الفكر، وجمال الإبداع. فعلاقة الحضارات ببعضها علاقة حيويّة تحتاج إلى دراسة عميقة لضمان سبل السّلام لإرساء علاقات الاحترام والتّفاعل الإيجابيّ من أجل التّعارف والاستفادة في المجالات المادّيّة والمعنويّة، فللغرب إيجابيات وسلبيات، وعلى العاقل الاستفادة من الإيجابيّ والتّصدّي للسالب، فالغرب ذاته مخترع التكنولوجيا هو نفسه المنادي بموت الإله.
وعليه فإنّ تجنّب الانحرافات هو الطريق السّويّ المجنّب للعثرات والصّدام والحرب، وقد ذكر المستشرق درمنجهم أنّ: «ما يجب أن نعترف به أنّ أكثر البغضاء كان من جهة المسيحيّين» (10). والأكيد أنّ منهج التّغريب قد عجز عن احتواء الإنسان متعدّد الأبعاد، فكلّ اتّجاه ذو بعد واحد يعارض طبيعة الإنسان، ويعارض الطبيعة والسنن التاريخية، ممّا ولّد نزعات الاستعلاء الّتي جعلت الثّقافة الغربيّة حكمًا على غيرها من الثّقافات (11) .
7. الخاتمة
لقد حاول هذا البحث رصد مفهومي التّغريب والهويّة وتتبّع الآثار الّتي يُمكن أن يُخلّفها تيّار التّغريب في شخصيّة المرأة العربيّة المسلمة. وقد توصّل البحث إلى أنّ التّغريب ظاهرة معقّدة تحمل في طيّاتها تحديات كثيرة، فإذا كان الانفتاح على الغرب إمكانية من إمكانيات الاستفادة، فإنّه طريق محفوف بالمخاطر والمزالق قد يؤدي إلى فقدان الهويّة الثّقافيّة إذا لم يُتعامل معه بحذر.
لذلك، فإنّ الحلّ يكمن في تحقيق توازن بين الاستفادة من التّطوّر الغربيّ والحفاظ على الخصوصيّة الثّقافيّة، ولكنّ الغرب يُمارس هيمنته بحكم تفوّقه في شكل استعمار ناعم يُعرف بالتّغريب وفيه يعتمد التّلاعب بالعقول، وقد ركّز هذا التّيّار على المرأة لما تحتله من مكانة في الأسرة، والمجتمع، والحضارة فسارع إلى التّلاعب بهويّتها وطمس أخلاقها وقيمها.
الهوامش
(1) مرقص فهمي، المرآة في الشّرق، المطبعة العصرية، القاهرة مصر ، ط1، 1894، ص 03 وما بعدها.
(2) ميخائيل سيرغييفيتش غورباتشوف (2 مارس 1931 – 30 أغسطس 2022) سياسي سوفياتي، وكان آخر زعيم للاتحاد السوفياتي. أطلق إصلاحات البيريسترويكا (إعادة البناء) والغلاسنوست (الشفافية والانفتاح)، وأسهم في تخفيف التوتر بين الشرق والغرب وإنهاء الحرب الباردة، ونال جائزة نوبل للسلام سنة 1990.
(3) Voir Gorbachev Mikhail, Perestroika: New Thinking for Our Country and the World, Harper & Row, New york, 1987, page 80
(4) يُنظر شرابي هشام، المثقفون العرب والغرب، دار النهار للنشر، بيروت، ط 3، 1981، ص 52.
(5) يُمكن العودة في هذا المجال إلى الكنبوري إدريس، الصراع بين الإسلام والتّغريب في قضية المرأة، مقال إلكتروني منشور بتاريخ 30-12-2002 بموقع إسلام ويب https://www.islamweb.net/ar/. تاريخ الدخول 20/03/2025.
(6) نيكول كاستيوني (Nicole Castioni، مواليد 14 يوليو 1958 في جنيف) كاتبة وسياسية فرنسية-سويسرية، شغلت عضوية برلمان كانتون جنيف (المجلس الكبير) بين 1993 و2001، وعملت أيضًا قاضيةً مساعدة في المحكمة الجنائية بجنيف.
(7) يُنظر خليل أحمد خليل، المرأة العربية وقضايا التغيير: بحث اجتماعي في تاريخ القهر النسائي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط 3، 1985، ص 77.
(8) غولوفينسكي ماثيو، بروتوكولات حكماء صهيون، تعريب عجاج نويهض، دار الجليل للنشر، عمان، ط بعة مزيدة ومنقحة، 2016، ص
(9) حسين محمد محمد، أزمة العصر، دار عكاظ للطباعة والنشر، الرياض، ط 1، 1978، ص 105.
(10) نقلا عن الوراكلي حسن، الإسلام والغرب: محاور التحدي وشروط المواجهة، عن أشغال ملتقى واقع الإسلام وتحدّيات العصر: تونس 12-16 نوفمبر 1984، سلسلة الدراسات الإسلامية ومركز الدّراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، الجامعة التونسية، المطبعة العصرية، تونس، 1986، ص 155.
(11) يُنظر العمري أكرم ضياء، التراث والمعاصرة، كتاب الأمّة، قطر، ط 2، ربيع الآخر 1406 ه، ص 68.
|




