في دائرة الضوء

بقلم
د. محمد شكري المرزوقي
سؤال الحرية في الفكر الإسلامي (1/2): من الجذور إلى المعتزلة
 ظلّ سؤال الحرية حاضرًا في الفكر الإنساني والإسلامي، متشابكًا مع قضايا الإرادة والقضاء والقدر  ومسؤولية الإنسان عن أفعاله. يتتبّع هذا المقال (في حلقتين متتاليتين) تشكّل مفهوم الحريّة من جذوره اللغوية والفلسفية، وصولًا إلى حضوره في التراث العربي والإسلامي ومباحث علم الكلام. ونقف في هذه الحلقة عند البدايات الأولى لهذا السؤال، ثمّ عند الجدل حول الجبر  والاختيار وما ارتبط به من أبعاد دينية وسياسية. كما نتناول التصور الاعتزالي الذي جعل العدل الإلهي وحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله في صميم بنائه الفكري. وفي الحلقة الثانية نواصل هذا المسار مع مفهوم «الكسب» عند الأشاعرة وما أثاره من إشكالات حول حدود الفعل الإنساني. ثمّ نتابع تحوّل سؤال الحريّة في الفكر الإسلامي الحديث إلى قضيّة سياسية وحضارية ارتبطت بمواجهة الاستبداد والاستعمار ومشروعات الإصلاح والنهضة.
مقدّمة
إثر المناظرة الشهيرة التي دارت بين المستشرق الفرنسي أرنست رينان( 1823-1892) ورائد الإصلاح الديني جمال الدين الحسيني الأفغاني(1838-1897م) على أعمدة جريدة الجورنال دي ديبا الفرنسية بتاريخ 29 مارس سنة 1883 وبين فيها رينان أن أحد أسباب تخلّف المسلمين هو سيطرة روح التواكل والإيمان المفرط بالقضاء والقدر، أعيد طرح سؤال الإرادة الإلهية، وإرادة البشر، والقضاء والقدر، والجبر والاختيار، أي «الحرية» بمفهومها الديني والفلسفي للدراسة بعمق، تطلب هذا العمل العودة إلى البدايات أي إلى البواكير الأولى لفكرة الحرية في القول الفقهي والكلامي الإسلامي في محاولة لإنارة البعض من الاماكن المظلمة في التمثلات التي رافقت استعمال هذا المفهوم في الثقافة العربية والإسلامية ليصلنا اليوم محملا بكل هذه المعاني الفلسفية والقانونية.
هذا المقال هو محاولة لتفكيك مفهوم الحرية في جوانبه الفلسفية والعقدية والتشريعية عبر الحفر في ثنايا الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية ثم رصد هذا المفهوم في الأدبيات الإصلاحية الحديثة علنا نظفر ببعض الأفكار التي قد تمثل مفاتيح للأبواب التي أوصدت منذ القرن السادس للهجرة وعطّلت كل محاولة للاستئناف الحضاري الإسلامي.
1.  قراءة في المفاهيم 
تعددت المذاهب في تعريف الحرية، حسب البيئة التي وجدت فيها والجهة التي تصدر عنها، وخاصة المرجعية والخصوصية الحضارية التي نبتت وترعرعت فيها، لهذا وردت في المعجم الفلسفي على عدة معان فهي «حال الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو غلبة، ويفعل طبقا لطبيعته وإرادته...ولها صورا شتى منها الحرية السيكولوجية وفيها القدرة على تحقيق الفعل دون الخضوع لمؤثر خارجي...وعلى أساسها تقوم التبعية الأخلاقية وحرية الإرادة وحرية الضمير...والحرية السياسية والاجتماعية وهي المقيدة بالقوانين التي تراعى الغير وليست مطلقة...الحرية عند الماركسيين مرتبطة بمفهوم الضرورة، أي الملاءمة بين فعل البشر وما تقتضيه ضرورات الطبيعة والمجتمع...عند الصوفية الحرية هي كسر أغلال الشهوات والتحرر من رق الكائنات والفناء في إرادة الحق»(1)، أما حرية الإرادة فتعني «امتلاك الفرد الحرية فيما يريد أن يفعل، وقدرة واستطاعة عليه» (2)  ومنها حرية الضمير التي تعني الشعور بالطلاقة عند إبداء الرأي واعتناق المعتقدات وتبني الأفكار، وقد ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن الحرية هي «حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر بالآخرين»(3)، أما لغويا فللحرية عدّة تعريفات فالحر من الناس هو خيارهم وأفضلهم، والحرّة هي الكريمة من النساء(4)، والسحابة الحرّة هي الكثيرة المطر(5).
سؤال الحرية في الحضارات القديمة يحيلنا مباشرة إلى «الميثة» (6) المصرية والبابلية والإغريقية، يظهر هذا المفهوم في تراجيديا الإنسان عند تصديه للسؤال الأنطولوجي حول طبيعة أفعاله، هل هو مخير أو مسير؟ وعن طبيعة الخير والشر هل هو وضع بشري أم وقف إلهي؟  هي إذن حيرة ومعاناة وجدانية اعترت البشر منذ البواكير الأولى للفكر الإنساني والاجتماع البشري، خاض فيها هذا الكائن اللغز صراعا أفقيا ضد الآلهة والقوى الغيبية وآخر عموديا ضد من كان على شاكلته وتسلّط عليه بقوّة المال أو العصبية، أو الدين، أوالشوكة والغلبة...  
في اليونان القديمة يذكر الشاعر هزيود ربّات القدر والمصير الثلاث، بنات «زفس» Zeus المسمات بالنسّاجات اللواتي تنسجن اقدار الناس، كما ركّزت مسرحيات «سوفوكل» على التراجيديا التي يعيشها الإنسان أمام قهر الآلهة وفظاظتها، فيواجهها بتحد كما فعل «أوديب» الملك و«أنتيغون»، وصارع «سوزيف» الآلهة في «أودسة» هوميروس...
في التراث الفلسفي اليوناني أخذ مفهوم الحرية معان متعددة ارتبطت في البداية باستعمال العقل والتحرر من القيود الدينية والاجتماعية عند السفسطائيين، وهي تعبير عن قدرة المرء عل التحكم في نفسه والالتزام بالفضائل عبر الانقياد للعقل عند سقراط (469-399ق.م)، وهو نفس المعنى الذي طوره أفلاطون (427-347ق.م) لتصبح الحرية الحقيقية هي التي تخضع فيها النفس لقوى العقل، ويخضع فيها العوام لإرادة الفلاسفة القادرين وحدهم على إدارة شؤون المدينة «الجمهورية» بحكم قدرتهم على التفريق بين الخير والشر، بالنسبة لأرسطو(384- 322 ق.م)الحرية حكر على المواطنين القادرين على الاختيار وفق خيارات عقلية مضبوطة، كما تحدّث بارمينيدس عن الضرورة المتحكمة في مصير الإنسان، وفي مرحلة لاحقة ناصر الأبيقوريون مبدأ الحرية في حين انسجمت المدرسة الرواقية مع نسقها الفلسفي لتصبح الضرورة ذات طابع طبيعي.     
2. الحرية في التراث العربي السابق للإسلام  
لم يكن العرب في الجاهلية في منأى عن تأثير الثقافات المحيطة بهم سواء من بلاد فارس أو من الشام والعراق واليمن ... «فاللات» و«العزّى» و«مناة» هنّ بنات الله ترمزن إلى الزمن والأقدار(7)،  كما أن الإشارات إلى وقوع الإنسان تحت تصرف القوى الغيبية مبثوثة بكثافة في تراثهم الشفهي خاصة في أشعارهم فيقول كعب بن زهير(ت26ه):   لو كنت أعجب من شيء لأعجبني   سعي الفتى وهو مخبوء له القدر                  
وفي قول لبيد بن ربيعة(ت41ه):      أحمــــــــــــــــد الله فــــــــــــــلا ندّ لــــــــــــــــــــــــــــــــه ***  بيديه الخير ما شــــــــــــــــــاء فعـــــــــــــــل                  
وفي قـــــــــــــــــول عنتـــــــــــــــــــــــــــرة (ت608م):              يا عبل أين من المنية مهربي  ***  إذا كان ربي في السماء قضاها
هذه الأفكار مثلت الأرضية المعرفية التي طرح فيها القرآن الكريم الآيات البينات التي يفيد ظاهرها الجبر والأخرى التي يفيد ظاهرها الاختيار، أدّى هذا التعارض الظاهري إضافة إلى بعض أقوال الرسولﷺ  إلى الخوض في  مسألة حرية البشر بأكثر دقة، فهي تبدو في الظاهر «جعل قانوني وليس حقا طبيعيا، فما كان الإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي، وأن الإنسان لم يخلق حرا، وإنما ليكون حرا»(8)  وهي من جهة أخرى « أصلا مركوزا في فطرة الإنسان، جعلها الله مناط الابتلاء، كما جعل العقل مناط التكليف»(9) لهذا عرّفت الحرية في المدوّنة الفقهية الإسلامية عامة  كونها «المكنة العامة التي قررها الشارع للأفراد على السواء، تمكينا لهم من التصرّف على خيرة من أمرهم دون الإضرار بالغير»(10).
3.  «الحرية» في الفكر الإسلامي الكلاسيكي
ارتبط مفهوم الحرية في الثقافة الإسلامية بمبحثين واحد أفقي فقهي اجتماعي وآخر عمودي كلامي أطلق عليه مسمى «أفعال العباد»، البدايات الأولى للفكر الإسلامي عامة كانت مفعمة بروح التحرر في القرآن الكريم وسيرة النبيﷺ وسلوك صحابته الكرام، ثم ظهرت المقولات الجبرية التي جيرتها السلطة السياسية لصالحها، ثم كانت الانعطافة مع المعتزلة فتوسعت دائرة الفعل الإنساني لتعود وتنحصر  وتتقلّص من جديد في الأدبيات الأشعرية عامة رغم التباين الجلي بين متقدمي هذا المذهب ومتأخريهم.
1.3. الجبر في المقالات الإسلامية الأولى
إلى جانب جملة المفاعيل التي مهدت الأرضية لنشأة علم الكلام الإسلامي، وهي أسباب معرفية، وعقائدية، وحضارية، مثّلت حرب الجمل 36ه وحرب صفين 37ه وقعة حرّة المدينة 63ه الإرهاصات الأولى للقول الكلامي الإسلامي المتعلّق بأفعال العباد بعد أن برزت الفرق والنحل من  جبرية، وقدرية، وإرجاء، وخروج، وتشيع...
النظر العميق في السنة النبوية وسلوك الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين من بعدهم وفي مواقف علماء الأمة الذين ساروا على نهجهم من أئمة الفقه والحديث كانوا منسجمين مع التصوّر القرآني الداعي للتسليم بالقدر في مواضع وإلى الاجتهاد والسعي والتدبر ونبذ القعود والتواكل في مواقع أخرى، فمشيئة الله سبحانه وتعالى مطلقة في حين أن مشيئة الإنسان محدودة وكل ما يوهم الجبر ما هو إلا دليل على قدرة الله ونسبية قدرة البشر وكل ما يوهم القدرة والاختيار هو دليل على عدل الله ورحمته بتركه المجال للناس لاختيار أفعالهم وسبل سيرهم في الحياة الدنيا، قال ابن عباس «لا تقولوا ان الله تعالى قد جبر العباد على المعاصي فتجوّروه، ولا تقولوا أنه لم يعلم ما العباد عاملوه فتجهّلوه»(11).
لكن ليبرر بنو أمية المظالم الاجتماعية والسياسية التي مارسوها على الخارجين عليهم توسلوا بمقولة الجبر وهو اختيار إيديولوجي « قال عنه أبو علي» (12) ثم حدث رأي المجبرة من معاوية لما استولى على الأمر ورآهم لا يأتمرون بأمره فجعل لا يمكنه حجة عليهم واوهم أن المنكر لفعله قد ظلمه فقال «لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر، ما تركني وإياه. ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره»(13)، وكان يقول: «أنا خازن من خزاني الله تعالى، أعطي من أعطاه الله تعالى، وأمنع من منعه الله تعالى ولو كره الله أمرا لغيّره» (14). 
في نفس الفترة كان الموقف المعارض لبني أمية ممثلا في علي بن أبي طالب وأبنائه رضوان الله عليهم يرى عكس ذلك فقد بعث الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب رسالة إلى قوم ادعوا الجبر يقول فيها» من لم يؤمن بقضاء الله وقدره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد كفر، إن الله لا يطاع استكراها ولا يعصى لغلبة لأنه المليك لما ملكهم والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما فعلوا وإن عملوا بالمعصية، فلو شاء لحال بينهم وبين ما فعلوا، فإن لم يفعلوا فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، فلو أجبر الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لأسقط عنهم العقاب» (15) .
أما موقف الحنابلة من القدر فقد ورد في كتاب «طبقات الحنابلة» للقاضي محمد بن أبي يعلى عندما ينقل قول ابن حنبل (141-164ه) « القدر خيره وشرّه، قليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره: من الله قضاء قضاه، وقدرا قدّره عليهم، لا يعدو واحدا منهم مشيئة الله عزّ وجلّ، ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدّر عليهم لأفعاله. وهو عدل منه عزّ ربنا وجل» (16) .
2.3. الحرية  في المدوّنة الاعتزالية
كنا قد بينا عند حديثنا عن الجبرية أن القول بعدم قدرة الإنسان على خلق أفعاله رغم ما فيه من تعظيم لله وإقرار بلا محدودية قدرته وإطلاق ليده في الكون، فإنه يفني العبد ويحد من قدرته ويكبّله، ويدفعه للتواكل والتسليم والرضى والخنوع والقبول بالفقر والظلم والحيف لكونه قدر من الله في مخالفة لمبدأ المسؤولية، والجزاء، والعدل الإلهي، كما أن القول بالجبر يشجع على انتشار الرذيلة، والظلم بين الناس، وجور الحكام طالما أن الامر مقدّر من الله ولا قدرة للعبد على دفعه وتغييره ، وقد فشت هذه الممارسات في عهد الأمويين فقد ذكر الأصفهاني أنه « حين أتى يزيد (17)  بعلي بن الحسين (18)  سأله عن اسمه فقال: «علي بن الحسين فقال له أولم يقتل علي بن الحسين؟ قال قد كان لي أخ أكبر مني يسمى عليا فقتلتموه. قال: بل قتله الله»(19).
في وقت لاحق (أوائل القرن الثاني للهجرة) وقع الخلاف الشهير بين الحسن البصري(20) وواصل بن عطاء الغزّال(21) وعمر بن عبيد بن باب(22) فتأسست المدرسة الاعتزالية(23)، ولا يمكن الحديث عن فرقة أو مدرسة كلامية بصفة مجملة فكل متكلّم يمثل تيارا فكريا بذاته فالنظّام(ت185ه) يختلف عن الخياط (ت321ه)، والجبائي(ت303ه) يختلف عن القاضي عبد الجبار(ت415ه)، ولكن توجد أصول يجتمع عليها الطّيف الاعتزالي وهي ما أطلق عليها مسمى الأصول الخمسة، في هذا الإطار يقول أحد أعلام هذه المدرسة أبو الحسن الخياط «ليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت في الإنسان هذه الخصال الخمس فهو معتزلي»(24)، لا تعبّر هذه الأصول عن ترف فكري، أو تهويمات فلسفية بقدر ما تعبّر عن موقف، ورأي فيه من العقيدة والسياسة والفلسفة، والفقه ما يجعله يحدث ثورة  في الثقافة الإسلام. 
ورغم الارتباط النسقي الوثيق بين الأصول الاعتزالية الخمسة فإنّ مركز الاهتمام عندهم اجتمع حول أصل «العدل» لكونه يشمل في ثناياه باقي الأصول، يقول القاضي عبد الجبار «فإن قيل ألستم تقولون الأصول الخمسة وتعدون فيها: الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قيل له: كل ذلك يدخل في العدل، لأنا إذا نزّهناه عن الخلف والكذب والتعمية، بطل قول المرجئة، فإذا بينا جنس ما تعبد به، ثبت ما نقوله في المنزلة بين المنزلتين، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(25).
يعرف صاحب لسان العرب العدل فيقول هو«ما قام في النفوس أنه مستقيم وهو ضد الجور... وفي أسماء الله سبحانه: العدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل سمي به فوضع موضع العادل، وهو أبلغ منه لأنه جعل المسمى نفسه عدلا، وفلان من أهل المعدلة أي من أهل العدل. والعدل الحكم بالحق»(26).
أصل العدل إذا هو الأوزن عند المعتزلة وهو الذي شيد عليه المعتزلة نظريتهم حول أفعال العباد، دافعوا فيه عن العدل الإلهي، فنزّهوا الله عن الظلم والقبح والشر، وأثبتوا حرية الإنسان وقدرته على خلق أفعاله، وإذا ما استثنينا التوحيد، فإن باقي الأصول تنضوي تحت هذا الأصل، فالوعد والوعيد هو القول بأن التوعّد بالعقاب والوعد بالثواب مبني على الفعل الإنساني الحر والمسؤول، ومن العدل أن لا يخلف الله وعده ووعيده، وكذلك المنزلة بين المنزلتين حيث يقول القاضي عبد الجبار « المنزلة بين المنزلتين داخل في باب العدل، لأنه كلام في أن الله تعالى إذا علم أن صلاحنا في أن يتعبدنا بإجراء الأسماء والأحكام على المكلّفين، وجب أن يتعبدنا به، ومن العدل أن لايخلّ بالواجب، وكذا الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»(27) وتظهر قيمة العدل خاصة عند قوله في كتاب « رسائل العدل والتوحيد» وتعبّر بشكل واضح وجلي على قيمة أصل العدل عند المعتزلة « فإن قيل ما العدل؟ قيل: العلم بتنزيهه تعالى من أمور ثلاثة. 
* القبائح أجمع
* تنزيهه عن أن لا يفعل ما يجب من ثواب غيره
* تنزيهه عن التعبد بالقبيح وخلاف المصلحة، واثبات جميع أفعاله حكمة وعدلا وصوابا» (28)  
ركّزت المعتزلة على معاني الألفاظ ومعجمية الكلمات المستعملة في الحقل الكلامي لذلك تكثر في مقالاتهم الحدود والتعاريف مثل قول القاضي عبد الجبار في حدّ الفعل « هو يحصل من قادر من الحوادث وهذا يوهم أن الفاعل يجب أن يكون قادرا حال وقوع الفعل لا محالة، وليس كذلك. فإن الرامي ربما يرمي ويموت قبل الإصابة. فالأولى أن يقال في حقيقة الفعل: هو ما وجد وكان الغير قادرا عليه. فلا يتوجّه عليه الاعتراض الذي وجّهناه إلى الأول»(29) هذا الحد يقيم من جهة العلاقة بين الفعل والقدرة عليه ومن جهة أخرى يقيم علاقة بين الفعل والفاعل، وهل أن هذا الفعل خلق أم فعل لما هو مقدّر؟ فالخلق كما أشار إلى ذلك ابن حزم الأندلسي يأخذ معنى الاختراع والإبداع وانتقال بالشيء من العدم إلى الوجود هي من اختصاص الله سبحانه وتعالى، أما معنى ظهور الفعل فمن العبد فقط وانفراده به والله خالقه فيه، وقد أشار الأشعري في «مقالات الإسلاميين» إلى هذه المعضلة ورأى أن المعتزلة اختلفت في حد هذا اللفظ إلى ثلاثة مواقف:
- الفعل والخلق واحد.
- الفعل لا بآلة ولا بجارحة وهذا يستحيل منه.
- الخلق هو وقوع الفعل المقدّر. 
وقد أعرض القاضي عبد الجبار عن مصطلح الخلق لكونه مرتبط بالمصلحة ولما كانت أفعال العباد لا تراعي في العديد من الحالات هذه المصلحة كان من الضروري عدم اسناد صفة الخالق للعبد.
انتهى القول الاعتزالي إلى نتائج نظرية لها استتباعات عميقة من الناحية العملية فالقول أن «كل قبيح حرام وكل حسن حلال» ، و«القبيح ما قبحه العقل والحسن ما حسنه العقل» يعد ثورة داخل الثقافة الإسلامية في ذلك الزمن إذ يقول أبو الحسن العامري «فما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إذا لم يصدئها الهوى»(30) بالنسبة إليهم المجبّرة تعتبر أن القبح من الله للنهي فهي لم تدرك الفرق بين القبح والنهي لتصوّرها التلازم بينهما فاعتقدوا حسن القبح من الله إذا كان المقصود به النهي، لكن القبيح بالنسبة للمعتزلة هو ما قبّحه العقل، وهو من الصفات الذاتية للأفعال وليست من الصفات الإضافية، فالزنا حرام لأنه قبيح في ذاته دون النظر إلى الظروف والواقع المحيط به أما الإحسان إلى الوالدين، وغير ذلك من الأعمال الحسنة فهي كذلك لأنها حسنة في العقل، هذا ما يجعل التكاليف والمعاملات مطابقة للعقل وكل ما اتصل بالضر والنفع، بهذا المعنى يصبح الواجب في التكليف هو ما يوجب فعله، والقبيح ما يلزم تركه، والحسن هو المندوب فتكون أحكام الشريعة مستندة على علل عقلية.    
وهكذا بلغت فكرة حرية الإنسان في التصور الاعتزالي مدى واسعًا، غير أن الجدل حول العلاقة بين قدرة الله وفعل الإنسان لم يتوقف عند هذا الحد.
الهوامش
(1) المعجم الفلسفي، تصدير إبراهيم مدكور، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، سنة 1403ه-1983م، ص 71.
(2)  مرجع-نفسه، ص 71.
(3)  انظر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، قرار رقم 2173
(4) ابن منظور (محمد بن مكرم الإفريقي المصري)، لسان العرب، ج11، ط1، دار صادر، بيروت، ص 181.
(5) الفراهيدي (الخليل بن أحمد)، معجم العين، ج3، ص 23.
(6) استعملنا مفهوم «الميثا» mythe لتجنب مصطلح «الأسطورة» لما فيه من شحنة تهجينية.
(7) لمزيد التوسع انظر المشرقي أحمد والجمل بسام، مدخل إلى مقالات الإسلاميين في أفعال العباد حتى القرن 6ه، المركز القومي البيداغوجي، ط1، تونس، 1999، ص 16.
(8) الفاسي (علال)، مقاصد الشريعة ومكارمها، دار الغرب الإسلامي، ط5، الرباط، 1993، ص 248.
(9) مسألة الحرية في النظام السياسي الإسلامي، مجلة إسلامية المعرفة، العدد 31
(10) خلاف (عبد الوهاب)، السياسة الشرعية أو نظام الدولة في الإسلام، المطبعة السلفية، القاهرة، 1350ه، ص31.
(11) البلخي (أبو القاسم)، عبد الجبار (القاضي)، الجشمي (الحاكم): فضائل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق، فؤاد السيد، الدار التونسية للنشر، ط2، تونس، 1986، ص145.
(12) المقصود هنا هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة 303هـ / 915م من كبار المعتزلة.
(13) فضائل الاعتزال وطبقات المعتزلة، المصدر نفسه، ص143.
(14) فضائل الاعتزال وطبقات المعتزلة، المصدر-نفسه، ص 143.
(15) المرتضى (أحمد بن يحيى): المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، مطبعة حيدر أباد، 1312ه، ص 29.
(16)  القاضي محمد بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ط1، القاهرة، 1952، ص25. 
(17) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (26ه-64ه)
(18)  (أبى محمد) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ويكنى بالسجاد
(19) الأصفهاني (أبو الفرج): مقاتل الطالبين، تحقيق السيد أحمد صقر، منشورات الشريف الرضا،ط2، قم، 1416ه، ص 119.
(20) الحسن بن يسار البصري إمام أهل البصرة وحبر زمانه قال عنه بن سعد « كان جامعا عالما رفيعا فقيها حجة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما» توفي سنة 110ه. البغدادي (عبد القاهر)، الفرق بين الفرق، تح، محمد محي الدّين عبد الحميد، دار الطلائع للنشر والتوزيع، القاهرة، 2009، ص 24.
(21)  هو واصل بن عطاء البصري ولد بالمدينة وتوفي سنة 131ه قال عنه المسعودي « هو قديم المعتزلة وشيخها، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين»، لقب بالغزال بسبب كثرة جلوسه في سوق الغزالين. المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
(22) عمر بن عبيد بن باب الزاهد العابد المعتزلي القدري قال عنه ابن قتيبة» كان يرى رأي القدر ويدعو إليه واعتزل الحسن هو وأصحابه فسموا المعتزلة» وقال عنه الذهبي « صحب الحسن ثم خالفه واعتزل حلقته لذا قيل (المعتزلي) توفي سنة 142ه. المصدر نفسه، الصفحة نفسها. 
(23) لمزيد التوسّع انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، مصدر سابق، ص 24.
(24) الخياط (أبو الحسن)، الانتصار والرد على ابن الروندي الملحد ما قصد به من الكذب على المسلمين والطعن عليهم، تحقيق، نيبرج، الدار العربية للكتاب، القاهرة، 1991، ص 126.
(25) عبد الجبار(القاضي)، البصري(الحسن)، الرسي(القاسم)، المرتضى (الشريف)، ابن الحسين، الإمام يحيى: رسائل العدل والتوحيد، دراسة وتحقيق محمد عمارة، دار الشروق، 1988، ص198.
(26) ابن منظور، لسان العرب، المجلّد الحادي عشر، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 430-434. 
(27) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تعليق الإمام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، حققه وقدّم له عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، أم القرى للطباعة والنشر، أبريل 1986، ص 123.
(28) القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، مصدر سابق، ص 123.
(29) القاضي عبد الجبار شرح الأصول الخمسة، مصدر سابق، ص324.
(30) العامري (أبو الحسن)، الإعلام بمناقب الإسلام، تحقيق ودراسة وتعليق حمد عبد الحميد غراب، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967، ص 189.