مراجعات

بقلم
د. سعيد الشبلي
قراءات في التّأويل(الحلقة 7/9) :دلالة الجسد في العرفان الصّوفي (الجزء الأوّل: مفهوم المملكة الإنسان
 يطرح هذا البحث إشكاليّة «الجسد» في الفكر العرفانيّ الصّوفيّ متجاوزاً النّظرة القاصرة التي تحصره في البعد الماديّ. ونظراً لعمق الإشكاليّة، قسّمنا المقاربة إلى ثلاث حلقات؛ تُعنى هذه الحلقة بهندسة «المملكة الإنسانيّة» وتراتبيّة قواها بالاستناد إلى رؤى الغزالي وابن عربي. وتنتقل بنا الحلقة القادمة إلى المستوى الكونيّ لمعاينة التّماثل بين الجسد والعالم وتجلّيات الحقّ في الخلق، متتبّعين فلسفة ابن عربي والجيلي. لتُتوَّج الرّحلة في الحلقة الثّالثة والأخيرة بالغوص في الدّلالة المعرفيّة والوجوديّة للجسد، مبيّنةً كيف يتحوّل بالمجاهدة إلى سفينة للنّجاة لبلوغ حقيقة التّوحيد، لتصل بنا مع ابن عربي إلى وحدة الدّليل والمدلول.
يذهب القشيريّ إلى أنّ «الإنسان هو الرّوح والجسد»(1) وهذا التّعريف رغم أنّه شديد البساطة إلّا أنّه عميق التّعبير عن الرّؤية الإيمانيّة العامّة للإنسان والّتي ترى في هذا المخلوق كائنا ذا بعدين صحيحين، بعد ظاهر هو الجسد، وبعد غائب هو الرّوح.
والرّؤية الصّوفيّة لا تتجاوز هذه الرّؤية الإيمانيّة العامّة باعتبار الجسد جزءا مكوّنا من مكوّنات الإنسان. وهي تستمدّ في تمثّلها لمعنى الجسد من أصل المعنى اللّغويّ للكلمة والّذي يعني التّحقّق والظّهور(2).
فالجسد هو النّسخة الظّاهرة من الذّات الإنسانيّة، وهو لم يكتسب خاصّيّة الظّهور بما هو ظاهر بالأصالة وبالفعل وإنّما بما هو مقارن بالرّوح الباطن فيه. يقول ابن عربيّ في تعريف الإنسان «فلهذا تقرّر عندنا أنّ الإنسان نسختان، نسخة ظاهرة ونسخة باطنة»(3).
هذه النّسخة الظّاهرة الجسديّة من الإنسان ستكون المعبّر الوجوديّ عن كلّ أفراد الوجود الحادث وستحمل في اكتمالها الأخير بظهور الإنسان، سرّ تاريخيّة العالم بما هو الوجود الحادث المقابل للوجود القديم. أمّا الجيليّ، فقد استخلص من خلال مقارنة للجسد الإنسانيّ بالعرش الإلهيّ أنّ «الجسم في الهيكل الإنسانيّ جامع لجميع ما تضمّنه وجود الإنسان من الرّوح والعقل والقلب وأمثال ذلك، فهو في الإنسان نظير العرش في العالم. فالعرش هيكل العالم وجسده الجامع لجميع متفرّقاته ولهذا الاعتبار قال أصحابنا إنّه الجسم الكلّيّ»(4).
وهذا الاستنساخ الّذي نجده لدى ابن عربيّ من قبله(5) يكشف عن حقيقة أخرى من حقائق الجسد وهي جمعيّته لأطراف الحدّ الإنسانيّ الشّامل الأمر الّذي سيجعله من النّاحية المعرفيّة المجال الأهمّ إن لم نقل النّهائيّ لممارسة المساءلة حول الإنسان حقيقته ومعناه ومصيره أيضا. إنّ العرفان لن يكون على مستوى الإنسان سوى نفوذ إلى الباطن انطلاقا من الظّاهر وقراءة للدّلالة من خلال الرّمز الّذي تجلّى على هيئة محكمة لا تكشف إلّا بقدر ما يمكن أن تثير وأن تستدعي إلى رحلة الأعماق.
أمّا الحقيقة الأكبر الّتي سيوحي بها الجسد للعارف أبدا، فهي حقيقة التّركيب الّذي يشكّل العامل المميّز لعالم الخلق عن عالم الحقّ. فبظهور الجسد الصّورة سينشطر الوجود إلى بسيط من ناحية ومركّب من ناحية أخرى وستنحجب بساطة الحقّ بحجاب الصّورة وستر الجسد. إنّ الواقعة البشريّة نفسها ليست في أحد مفاهيمها عند ابن عربيّ سوى ظهور هذا السّتر الّذي أنهى حالة البساطة وأقام حادثة الانشطار العميق. يقول «فأنت حجاب نفسك عليك وستره عليك... فبشريّتك قائمة العين فالسّتر مسدل فلا تقع العين إلّا على ستر لأنّها لا تقع إلّا على صورة»(6).
وهذا التّركيب الّذي لا خلاص منه والّذي أخفى حقيقة الوجود الأساسيّة المتمثّلة في الوحدة، هو الّذي سيحتّم نشأة العرفان باعتباره ليس سوى التماس للخلاص من ستر التّعدّد والفوز بنعيم الوحدة فيما سيعرف بمشروع التّوحيد. إنّ ظهور المخلوق ذي الأبعاد بقدر ما يعدّ حدثا جوهريّا على مستوى مسرح الوجود نفسه يستدعي التّأمّل والفهم، يحتّم في نفس الوقت معالجة ما سيطرحه تعايش مختلف هذه الأبعاد ضمن مملكة واحدة لمملكة الجسد (عرش الذّات) من إشكالات ومن قضايا. ووعيا بذلك انطلق عديد الصّوفيّة مؤلّفين في كيفيّة إصلاح وتدبير المملكة الإنسانيّة قاصدين بالأساس إلى صدع التّعدّد ومعالجة همّ الاختلاف. وكان لا بدّ إذ ذاك أن تتموقع الأبعاد كلّ ضمن مجاله وحدّه المحدود في هذه المملكة(7) الواسعة.
فما هي حقيقة المملكة الإنسانيّة؟ وما هو موقع الجسد فيها؟ يذهب أبو حامد الغزاليّ وهو في هذا يعبّر عن رأي غالبيّة الصّوفيّة إلى أنّ الذّات الإنسانيّة متكوّنة من حقيقتين، حقيقة غيبيّة وأخرى من عالم الشّهادة.  أمّا الحقيقة الغيبيّة فهي الرّوح الّتي كثيرا ما يسمّيها الغزاليّ والصّوفيّة القلب.
والقلب الإنسانيّ من محتد إلهيّ سماويّ مفارق، وهو إن نزل فلابس الجسد فلأجل محدود وليعمل من جديد على الصّعود إلى أصله الّذي منه جاء. يقول «وأمّا حقيقة القلب فليس من هذا العالم لكنّه من عالم الغيب فهو في هذا العالم غريب»(8).
ويضيف معرّفا بأصله «إنّه جوهر عزيز من جنس جوهر الملائكة أصل معدنه من الحضرة الإلهيّة. من ذلك المكان جاء وإلى ذلك المكان يعود»(9).
وبما هو من الحضرة الإلهيّة، فإنّ القلب (الرّوح) هو أساس رفعة الإنسان من جهة وهو مصدر سعادته من جهة ثانية، شرط أن يتربّع على عرش الذّات وأن يقوم منها مقام الجوهر من سائر الأعراض. يقول الغزاليّ «وقد جمعت في باطنك صفات منها صفات البهائم ومنها صفات السّباع، ومنها صفات الملائكة، فالرّوح حقيقة جوهرك، وغيرها غريب منك وعاريّة عندك»(10).
إنّ الرّوح هو قلب المملكة الإنسانيّة وهو جوهرها الأصيل فإن اتّخذ موقعه الصّحيح خليفة على سائر البدن ومدبّر الكلّ ما سواه، كانت السّعادة وإن تغلّبت على الكيان سائر القوى المدبّرة الأخرى من عقل ونفس، كانت تلك علامة الهلاك وسبيل الضّلال الأكيد. غير أنّ الاعتراف للرّوح بمنصب الخلافة على البدن وتنصيبه ملكا على مدينة الذّات لا يعني إلغاء أدوار سائر القوى المدبّرة الموجودة في المملكة. إنّ كلّ عضو من أعضاء المملكة الإنسانيّة له قيمته وله وظيفته الّتي إن لم يقم بها اختلّ نظام المملكة وفسدت أحوالها وتهدّد بنيانها الخراب.
وقد قسّم ابن عربيّ أدوار كلّ أعضاء الكيان الإنسانيّ وفصّل القول في مهامّها ضمن كتاب سمّاه التّدبيرات الإلهيّة في إصلاح المملكة الإنسانيّة يقول فيه مخاطبا الخليفة المنصّب على أرض البدن وهو الرّوح «فالعين والأذن واللّسان واليّد والبطن والفرج والرّجل من عمّالك وأمنائك من أهل باديتك وكلّ واحد منهم رئيس وخازن على صنف من أصناف المال الّذي يجبيه ورئيسهم وإمامهم الحسّ الّذي ترجع هذه الحواسّ كلّها بأعمالها إليه. وإنّ الحسّ برئاسته ومملكته مرؤوس تحت سلطان الخيال، والخيال بما فيه من صحّة وفساد مرؤوس تحت سلطان الذّكر، والذّكر مرؤوس تحت سلطان الفكر، والفكر مرؤوس تحت سلطان العقل. والعقل وزيرك وأنت الرّئيس الإمام المعبّر عنه بالرّوح القدسيّ. (11)
وهذا السّلّم التّراتبيّ المفصّل لموقع كلّ واحد من أعضاء المملكة الإنسانيّة والّذي يماثل فعلا ما يحدث في كلّ الممالك الأرضيّة من تقسيم للسّلطة والعمل، ليس تقسيما سلطويّا استبداديّا إلّا بقدر ما تكون توليّة الأفضل على المفضول وتوليّة العالم على من هو أقلّ منه علما وفهما من قبيل التّعسّف والاستبداد. إنّ الذّات الإنسانيّة أنموذج مصغّر من المدينة الكبرى الّتي يتعايش فيها الأفراد والجماعات والقبائل. وكما أنّ الدّولة ضروريّة لصلاح العمران، فإنّ الولاية واستخلاف الرّوح على أرض البدن ضروريّ لصلاح ذات الإنسان الفرد. أمّا العامل الحاسم الدّافع إلى ترتيب أركان وأعضاء المملكة الإنسانيّة وإلى تحديد دور كلّ واحد منها فهو ما أكّده الصّوفيّة من أنّ سائر القوى المدبّرة إن لم يقم عليها ضابط يحكمها سرعان ما تتداعى على مركز الإشراف والتّدبير طلبا للرّئاسة واستعلاء في المملكة بدون حقّ. يقول الغزاليّ متحدثا عن أعضاء المملكة وقواها «والملك (القلب = الرّوح) يدبّرهم حتّى تستقرّ مملكته وأحواله لأنّ الوالي وهو الشّهوة، كذّاب فضوليّ مخلّط والشّحنة وهو الغضب شرّير قتّال خراب. فإن تركهم الملك على ما هم عليه هلكت المدينة وخربت فيجب أن يشاور الملك الوزير ويجعل الوالي والشّحنة تحت يد الوزير فإذا فعل ذلك استقرت أحوال المملكة وتعمّرت المدينة. وكذلك القلب يشاور العقل ويجعل الشّهوة والغضب تحت حكمه حتّى تستقرّ أحوال النّفس ويصل إلى سبب السّعادة من معرفة الحضرة الإلهيّة. ولو جعل العقل تحت يد الغضب والشّهوة هلكت نفسه وكان قلبه شقيّا في الآخرة»(12).
من الواضح إذن أنّ التّفاوت بين أعضاء المملكة الإنسانيّة إنّما حصل للاختلاف البيّن في غاياتها وأهدافها. فإذا كان هدف القوّة الشّهوانيّة تحصيل الشّهوات دون اعتبار لضابط ولا كابح(13) وإذا كان هدف القوّة الغضبيّة التّسلّط والتّخريب فإنّ غاية القلب المعرفة بالله إذ فيها وحدها سعادته وراحته. ولذلك فإنّ الصّوفيّ لا يتردّد في اختيار القلب (الرّوح) خليفة ومهيمنا على باقي أعضاء المملكة الإنسانيّة إذ في هذا الاختيار تحصيل وعد البقاء الّذي جاء به القرآن. ومعنى اختيار الرّوح، جعله بؤرة للوعيّ وظهوره كمعبّر أوّل عن الأنا.
ثمّ إنّ مختلف قوى النّفس الإنسانيّة تفهم على أنّها أحوال لها، وهي ليست متضادّة بالضّرورة ولا مختلفة بالجوهر وإنّما يحصل لها التّضادّ عندما تتصارع على مركز الولاية والخلافة الأمر الّذي يؤدّي إلى ظهور كلّ قوّة بأقصى معناها مستخدمة كلّ طاقة ممكنة. فينشأ الإفراط ويظهر الطّغيان والإفساد. ومن المعلوم اليوم أنّ شتّى الأمراض النّفسيّة يمكن أن تفسّر بكونها نتيجة لسوء استخدام الطّاقة النّفسيّة الكامنة في الذّات. فالمرض النّفسيّ فقدان للتّوازن الدّاخليّ الّذي يقوم أساسا على حسن توزيع الطّاقة الدّاخليّة. وكلّما بذل في مجهود ما أو في أيّ مظهر فكريّ أو سلوكيّ من مظاهر التّعبير عن الذّات، طاقة زائدة على المطلوب أو أقلّ منه، كنّا على طريق المرض النّفسيّ. فلو توسّطت كلّ قوّة من قوى النّفس في إظهار مطلوبها لزال التّعارض ولحازت النّفس فضائلها المطلوبة. لذلك فإنّ ابن عربيّ والغزاليّ وسواهما من الصّوفيّة لم يقصدوا باعتبار الرّوح جوهر الذّات وبإعلان سلطته على المملكة الإنسانيّة إلى إلغاء سائر القوى الأخرى، وإنّما كان مطلوبهم نفي الصّراع وإنقاذ الذّات من الخراب. إنّ من كمال المعرفة بالنّسبة للعارف إعطاء حقّ كلّ جزء من أجزاء الذّات وتوفية مطالب سائر قوى النّفس بلا إفراط ولا تفريط. يقول ابن عربيّ «فالعارف المكمّل المعرفة يعلم أنّ فيه من يطلب مشاهدة ربّه ومعرفته الفكريّة والشّهوديّة فتعيّن عليه أن يؤدّي إليهم حقّهم من ذلك. وعلم أنّ فيه من يطلب المأكل الشّهيّ الّذي يلائم مزاجه والمشرب والمنكح والمركب والملبس والسّماع والنّعيم الحسّيّ المحسوس فتعيّن عليه أيضا أن يؤدّي إليهم حقوقهم من ذلك، الّتي عيّن لهم الحقّ»(14).
فتدبير الرّوح للمملكة إنّما هو الحلّ الأمثل لصلاحها بحسب الصّوفيّة وذلك اعتبارا لسموّ غايته من جهة واعتبارا لطبيعة علاقته بربّه والّتي تقوم على قاعدة العبوديّة الخالصة من الشّوائب. الأمر الّذي يمكّنه من تنفيذ أحكام الله في المملكة دون اتّباع للهوى. ولذلك فإنّ الرّوح لا ينفرد بالتّشريع بل هو نائب عن الله وخليفته في هذه الأرض الإنسانيّة يقوم فيها بأمره وذلك أيضا سبب آخر يجعل من تدبيره أمرا تتطلّبه الحقيقة وتقتضيه المصلحة، أي جزاء وظيفيّا أكثر من كونه أمرا متّصلا بشرف النّسبة. فحكم الرّوح في سائر البدن إنّما هو بمثابة حكم الله فيه. فليس له أن يتعسّف ولا أن يهيمن بالباطل. بذلك فقط ترضخ له سائر القوى وتقبل مطيعة على المبايعة. وعليه فإنّ الطّابع السّلطويّ لحكم الرّوح يغيب تماما لصالح الغرض الوظيفيّ ومن أجل تحصيل المقصد الأكبر متمثّلا في سعادة الجميع. إنّ اختيار المملكة للجوهر القلبيّ الرّوحانيّ السّماويّ مدبّرا وخليفة معناه في نظر الغزاليّ اختيار الإنسان أن يكون ملكا وأن ينتسب إلى العالم الإلهيّ الخالد الباقي ورفضه أن يكون حيوانا، كلبا أو خنزيرا أو أن يصبح شيطانا. يقول: «واعلم أنّ في جلد ابن آدم أربعة أشياء، الكلب والخنزير والشّيطان والملك»(15).
فالذّات الإنسانيّة تبرز على هيئة وجود بكر قابل لعديد الماهيّات وليست الصّورة الآدميّة الظّاهرة سوى ستر دنيويّ يغطّي الحقيقة الباطنة ولكن إلى حين معلوم فقط. ولذلك يدعو الغزاليّ الإنسان إلى أن يعرف طبيعة باطنه وإلى أن يكتشف الطّابع الغالب عليه، فربّما تسلّطت عليه الشّهوات فانقلب في الباطن خنزيرا وهو يتصوّر أنّه إنسان وربّما طغت القوّة الغضبيّة فأصبح كلبا. أمّا عند طغيان النّفس الأمّارة بالسّوء فإنّ الشّيطان سيتقمّص الذّات وسيسري فيها مسرى الدّم في العروق ولن يغني عن ابن آدم صورته الإنسانيّة الظّاهرة فيما إذا كان باطنه قد مسخ، فإنّ هذه الصّورة تزول وتفنى بالموت وعند البعث سوف يبرز كلّ إنسان على الصّورة الكامنة في باطنه. يقول: «واعلم أنّ الإنسان في صورة ابن آدم اليوم وغدا تنكشف له المعاني فتكون الصّور في معنى المعاني. فأمّا الّذي غلب عليه الغضب فيقوم في صورة الكلب وأمّا الّذي غلب عليه الشّهوة فيقوم في صورة الخنزير لأنّ الصّور تابعة للمعاني»(16).
الجسد الإنسانيّ بحسب هذا التّصوّر يتضخّم ليضمّ في أعماقه كلّ الأجساد الكونيّة الأخرى، وهو على المستوى الوجوديّ رمزٌ إلى أنّ الإنسان هويّة تضمّها وتعبّر عنها صورة. أمّا المعنى الأعمق الّذي يختفي وراء هذا، فهو الإقرار بأنّ الإنسان كائن يختار صورته بنفسه، أي أنّه يحكم على نفسه أن يكون خنزيرا أو كلبا أو شيطانا أو ملاكا. فالظّهور الجسديّ ليس قيدا على الذّات إلّا بما هو إشارة وتنبيه إلى ماهيّة الإنسان لا بدّ لها من صورة، وهذا الارتهان هو الجبر الأعظم الّذي يحكم كلّ العالم الممكن. أمّا الصّورة في حدّ ذاتها وفي نوعيّتها فيحكمها المعنى ويخلقها الجوهر، والمعنى والجوهر يصنعان الإنسان بحسب عرفانه وبحسب همّته. يمكن أن نستخلص كذلك أنّ الصّوفيّة ينظرون إلى الجسد الإنسانيّ لا على أنّه مجال التّعيّن وأداة حصر الماهيّة بل على أنّه إطار يستوعب كلّ صورة وصحيح أنّ الإطار هو للصّورة حدّ من معنى ما ولكنّه لا يتحكّم في طبيعة الصّورة نفسها وفي حقيقتها. وهذا التّصوير للجسد الإنسانيّ الّذي يرى فيه إطارا قابلا كلّ صورة، مستمدّ من التّصوير القرآنيّ للنّفس الإنسانيّة. فالقرآن قد اعتبر النّفس واحدة لدى كلّ البشر ولكنّها تنقلب بحسب تزكيتها أو إهمالها إلى نفس أمّارة(17) أو لوّامة(18) أو مطمئنّة(19).
معنى ذلك في النّهاية أنّ الإنسان يختار جسد ذاته عندما يختار روحها ويحكم على ظاهره عندما يقرّر شأن باطنه. وبذلك نخرج من الجسد المظهر إلى الجسد الدّلالة: الدّلالة الوجوديّة والمعرفيّة للجسد.
الهوامش
(1) القشيريّ، الرّسالة القشيريّة في علم التّصوّف، بيروت دار الكتاب العربيّ د ت ص 45
(2) جاء في الموسوعة الفلسفيّة العربيّة مادّة بدن ما يلي: «ونقول أيضا أخذ بدنا أو جسما أي تحقّق وتجسّد وبان. ويمكن أن نتحدّث عن البدن أو الجسم بمعنى الكلّ الجامع للأجزاء... وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البدن أخذ بالمعنى المادّيّ والمعنى المجازيّ وهو يعني في الحالتين التّجسّد الملموس للوجود والكيان» الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، معهد الإنماء العربيّ، مادّة بدن، تحرير عبّاس مكّيّ 1/186
(3) إنشاء الدّوائر، ليدن، مطبعة بريل 1339 هـ ص 21
(4) عبد الكريم الجيليّ، الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، مصر، مطبعة حجازيّ 2/5
(5) الفتوحات المكيّة – 3/249/250
(6) الفتوحات المكيّة 2/554
(7) تشبيه الذّات الإنسانيّة بالمدينة وبالمملكة نجده لدى عديد الصّوفيّة فقد ذكر الغزاليّ أنّ النّفس كالمدينة. قال في كيمياء السّعادة: «أعلم أنّه قيل في المثل المشهور إنّ النّفس كالمدينة...» ص 16. أمّا ابن عربيّ فقد شبّه الجسم بالبيت قال: «اللّطيفة الإنسانيّة ليست من عالم الاستحالة والفناء بل هي من عالم الثّبوت والبقاء وهي تستدعي بيتا تدبّره يسمّى الجسم الطّبيعيّ» عقلة المستوفز، ليدن، مطبعة بريل 1339 ص 68. ويذهب محمّد عابد الجابريّ إلى أنّ الصّوفيّة قد أخذوا هذه الفكرة عن الهرمسيّة وقد استشهد بنصّ هرمسيّ يقول «عندما يتطرّق النّسيان نسيان الله إلى نفس ما، فإنّ الشّيطان يسكنها ضرورة وكما سبق أن علمت فإنّ النّفس الإنسانيّة هي في الواقع منزل فإن لم يسكنه الله سكنه الشّيطان». تكوين العقل العربيّ، بيروت، دار الطّليعــة ط 2 1985 ص 180
(8) الغزاليّ: كيمياء السّعادة ص 10
(9) الغزاليّ – كيمياء السّعادة ص 10
(10) ن.م - ص 8-9
(11) ابن عربيّ: التّدبيرات الإلهيّة في إصلاح المملكة الإنسانيّة، مطبعة بريل 1339 هـ ص 185
(12)الغزاليّ – كيمياء السّعادة ص 16
(13) هذه القوّة الشّهوانيّة من مراتب النّفس الإنسانيّة على ما بيّنها الغزاليّ وغيره من الصّوفيّة قريبة الشّبه في طبيعتها وأوصافها بمرتبة الهو «le ça» بحسب تقسيم مدرسة التّحليل النّفسيّ الفرويديّ لمراتب الشّخصيّة الإنسانيّة ووظائفها
(14) الفتوحات المكيّة – 4/113
(15) الغزاليّ- كيمياء السّعادة ص 20
(16) الغزاليّ – كيمياء السّعادة ص 20-21
(17) قوله تعالى: «وما أبرّئ نفسي إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء» – يوسف - 53
(18) قوله تعالى: «ولا أقسم بالنّفس اللّوّامة» – سورة القيامة - 2
(19) قوله تعالى: «يا أيّتها النّفس المطمئنّة» – سورة الفجر - 27