بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
المعنى الدّيني بين الآية والرّواية الشّفاعة أنموذجا (3/8) المقاربات الحديثة وحصيلة نقد المصادر
 عرضت الحلقتان السابقتان الأساس المنهجي للبحث، ثم استعرضتا جملة من المصادر التي صاغت التّصوّر الدّيني للشفاعة بدرجات متفاوتة من الاعتماد على القرآن والمرويّات. تتجه هذه الحلقة إلى بعض المقاربات الأحدث، ولا سيما عند سلطان الحراصي ومصطفى محمود، ثم تجمع النتائج التي أفرزها نقد المصادر والمراجع. وتبرز فيها أسئلة العمل والمسؤولية، وحدود التوسع في مفهوم الشّفاعة، وأثر الخلط بين السّنّة والمرويّات، لتنتهي بخلاصة الفصل الأول حول ضرورة الاحتكام إلى النص القرآني عند وقوع التعارض.
ومن المصنّفات المهمّة المتعلّقة بالموضوع كتاب الشّفاعة للمؤلّف سلطان بن محمّد بن زهران الحراصي(1) . وهو كتاب جامع للأدلّة النّقليّة والعقليّة المتعلّقة بموضوع الشّفاعة الأخروية. والمؤلّف يُقدّم عمله على أنّه بحث أكاديمي يُناقش آثار هذا الموضوع في عقيدة المرء وسلوكه وعمله، بدءًا بتعريف الشفاعة والشافع والشفيع لغةً واصطلاحًا، ثمّ معالجة الآيات والأحاديث النبوية المتناولة للشفاعة بأنواعها، ثمّ الوقوف على آراء الفرق الإسلامية في شفاعة العُصاة من أهل التّوحيد، معتمدًا المنهج التّحليلي الاستقرائي المقارن.
وعلى غرار ما ورد في الكُتب السابقة يذكر المؤلّف أنّ الشّفاعة في اللّغة هي طلب التّجاوز عن الذّنوب وهي ضمّ الشّيء إلى الآخر. وهي نوعان: أخروية لا تكون إلاّ بإذن الله، ودنيوية تتمثّل في التدخّل الحسن لقضاء حاجة، إذ الشّافع هو الطّالب لغيره يتشفّع به إلى المطلوب. وعناصرها هي: المشفِّع والمشفَّع والمشفَّع فيه وهو صاحب الحاجة. والمشفّع من أجله وهو المطلوب المراد تحقيقه للطّالب الأوّل. وفي هذا الإطار، يذهب المؤلّف إلى أنّ الشّفاعة هي طلب تعجيل دخول الجنّة أو زيادة الدّرجة فيها من الرّب عزّ وجلّ لعباده المؤمنين. وعليه فإنّ أهل الكبائر لا يتمتّعون بأيّة شفاعة إلّا بشرط التّوبة. وأمّا الشّفاعة الدّنيويّة فهي تعني توسّل أصحاب الحاجات الدّنيويّة الذين يعجزون عن إنجازها بالقادرين على مساعدتهم في إنجازها عند أصحاب السّلطان. والشّفاعة نوعان: حسنة وسيّئة تبعا للآية: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾[النساء: 85].
 والشّفاعة الحسنة هي الّتي تنصر الحقّ وتدعو بالخير للإنسان وتُعين على الخير ضمن ضوابط الشّرع، وأمّا الشفاعة السّيئة فتجرّ إلى الحرام وتُعين على الظّلم والفساد ومنها الوساطة والرّشوة لإبطال حق أو تأخيره عن مستحقّه. وإذ يستفيد المؤلّف ممّا ارتآه رشيد رضا من أنّ السّعادة الأخرويّة رهينة الأعمال في الدّنيا، فإنّه لم يعدم ذكر إمكانيّة التّمتّع بشفاعة النّبي ﷺ النّاهضة على الاستجابة الإلهيّة لدعائه. وهذه الشّفاعة النّبويّة لا تشمل أهل الكبائر لأنّها تتعارض مع الإرادة الإلهيّة. وليس خافيّا أنّ هذا التّصوّر الذي يلتقي فيه المؤلّف مع رشيد رضا يسدّ منافذ الطّمع الفارغ في الجنّة عبر الشّفاعة دون تحمّل لأيّة مسؤوليّة عن الأعمال المرتكبة. 
إنّ المؤلّف يسترسل في استعراض مختلف التّعريفات المتعلّقة بمصطلح الشّفاعة بحسب كلّ عالم من قبيل السبحاني والطّباطبائي وفخر الدّين الرّازي والزّمخشري والألوسي ومحمّد جواد مغنيّة، مستنتجًا ما بينها من فروق. ثمّ يخلص إلى ذكر أنواع الشّفاعة، وهي شفاعة اللّه والملائكة والأنبياء، ثمّ شفاعة العبادات كالصّيام والقرآن. وإذ ينفتح المؤلّف على المرويّات، فإنّ الشّفاعة تصبح رهينة زيارة قبر النّبي ﷺ أو الموت في أحد الحرميْن أو كثرة السّجود للّه أو فعل المعروف أو دعاء الصّالحين غير المعروفين كالشُّعث الغُبر المدفوعين عن الأبواب. والشّفاعة ثلاث مراتب: الأولى عند الموقف، والثّانيّة متعلّقة بدخول أهل الجنّة، والثّالثة فيمن استحقّ النّار ولم يدخلها، وفيمن دخلها ثمّ خرج منها. والنّوعان الأوّلان خاصّان بالنّبي ﷺ. والنّوع الثّالث مشترك بينه وبقيّة الأنبياء(2).
وتزداد دوائر الشّفاعة اتّساعًا مرّة أخرى لتطال الشّهداء والصّدّقين والعلماء والأولاد البارين، ليجد القارئ نفسه أمام التّضارب بين الآراء، إذ يورد المؤلّف أنّ هذه الضّروب من الشّفاعة لو كانت صحيحة لكان النّبي ﷺ هو أوّل من يشفع لقرابته. وقد حذّر بني عبد مناف وبني عبد المطّلب وفاطمة وأمّ الزّبير بن العوّام من الاغترار بالشفاعة اعتمادًا على قرابتهم من النبي ﷺ (3).
وقد ألّف مصطفى محمود (ت 2009م) كتابا في الغرض بعنوان «محاولة لفهم الخلاف القديم بين المؤيّدين للشّفاعة والمعارضين»(4).  وفيه إشارة إلى مساحة الحريّة الّتي فسحها القرآن لمتدبّريه، وهو يعتبر أنّ القرآن ينفي الشّفاعة ويقيّدها تقييدًا صارمًا بإذن اللّه ولكنّ المرويّات المنسوبة إلى النّبي ﷺ تُجيز الشّفاعة. ويستدلّ المؤلف بتأكيد الخطاب القرآني أنّ أكثر الناس لا يشكرون ولا يعقلون، وأنّ الفئة المطيعة الخيّرة قليلة، ممّا يُحيل على عمليّة غربلة صارمة لأهل الجنّة. والدّليل على ذلك استغراب النّبي ﷺ يوم القيامة من هجران أمّته للقرآن. ولا أبواب للشّفاعة، حسب المؤلّف، إلّا الدّعاء واتّباع التّعاليم الإلهيّة. ولا يظنّ عاقل أنّ النّبي ﷺ يُبلّغ القرآن من جهة ويقول ما يفيد عكسه.
إنّ الشّفاعة، حسب مصطفى محمود، رهينة لعلم اللّه الدّقيق للظّاهر والخافي من الأعمال والنوايا ولا يعلم الغيب سواه؛ لذلك يقول في تنزيله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾[الأنعام: 51] . وهو نفي صريح للشّفاعة يتكرّر في آيات عديدة مثل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾[السجدة: 4]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾[الزمر: 19]. 
ومن هذا المنطلق يدعو مصطفى محمود إلى مراجعة المرويّات المنتصرة للمستوى القولي وإعادة الاعتبار للعمل والإنجاز. ولا شكّ في أنّ هذا الضّعف في إعمال العقل إنّما هو ناتج عن تأثير الإسرائيليّات الّتي روّجت لانفعال الرّسول ﷺ بالسّحر حتّى أضحى يقول: إنّه فعل ولم يفعل (5) . وأنّه قال: يدخل الجنّة من لم يفعل خيرا في حياته قطّ (6). وهو ما يدعو إلى التّسيّب والفوضى وغياب المنطق. والمؤلّف يستحضر أهوال السّاعة ويستغرب آنئذ مساومة اللّه في إدخال أهل الكبائر الجنّة. والمؤلّف يُرجع هذه الضبابيّة في الرّؤيّة إلى عدم التّركيز على القرآن كلام اللّه الذي لا يتناقض ولا يأتيه الباطل من بين يديْه ولا من خلفه. 
والملاحظ أنّ مصطفى محمود يُحاور الذين قالوا المقام المحمود هو مقام الشّفاعة ويعتبر أنّ هذا القول مجرّد اجتهاد يتعارض مع قول اللّه ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾[الزمر: 44]. واعتبار الرّسول ﷺ شافعًا إشراك واضح وإساءة لكلام اللّه وأنّ البخاري هو الّذي يتحمّل المسؤولية أمام اللّه فيما روى.
 وإذا كان اللّه يقول للنّبي ﷺ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾[آل عمران: 128] . فكيف يجوّز القائلون بشفاعة النبي ﷺ لأنفسهم هذا الافتراء؟ يقول مصطفى محمود في هذا الإطار: «والآن وقد تراخى بنا الزّمن وأصبحنا نقرأ عن وعن وعن إلى آخر العنعنات التي لا يعلم بها إلّا اللّه واختلف أهل هذه العنعنات والقرآن بين أيدينا لا اختلاف فيه، وآياته المحكمة كالسّيف تقطعنا عن أيّ شك» (7) . وهو يتوّصل إلى النتيجة التالية: أنّ الذي  يترك العمل ويتّكل على الشّفاعة يعرّض نفسه للمهالك ويُحرم من رحمة اللّه. وينتهي الكتاب بمحاورة يُجريها المؤلّف في شكل ردود قام بها بعض رجال الجامعة الأزهريّة مثل المراغي ومحمد رشيد رضا ومحمد عبده مؤكّدًا أنّ السّنة الفعلية أصحّ من الأحاديث الّتي جمعت الغثّ والسّمين مستشهدا بقول النّبي: «لا تَكْتُبُوا عَنِّي سوى القُرآن ومَن كَتَبَ عَنِّي شيئًا غيره فَلْيَمْحُهُ» (8) .
 وقد أورد ابن حزم أنّ عمر كتب إلى الأمصار: من كان عنده شيء من السّنة فليتلفه (9) . ويُنهي المؤلّف كتابه ببيان سقوط البخاري في إنشاءات للنّبي ﷺ ولجبريل مضادّة لصريح القرآن. 
والحاصل من عرض الأفكار الواردة في أهمّ المُصنّفات التي عالجت موضوع الشّفاعة، هو ملاحظة الفارق النّوعي بين خوض المؤلّفين في موضوع الشّفاعة على مستوى التّقيّد بالآيات القرآنيّة من جهة، وخوضهم فيه في مستوى المرويّات؛ ففي المستوى الأوّل حصر لدوائر الشّفاعة في الإذن الإلهي وهي رهينة الأعمال الصّالحة، وفي المستوى الثّاني تساهل وغياب للمنطق يخرج من النّار من دخلها ويدخل الجنّة من لا يستحقّها وهو ما يقلّل من قيمة التّوبة والتّقوى، ويُنتقص من قيمة العمل وبذل الجهد ويعصف بجدوى إرادة الفرد وفاعليته.
 ثمّ إنّ المؤلّفين جميعهم يُقدّرون أنّ الإسلام قد بُني على الطّقوس ولذلك تُنسب الشفاعة إلى بعض هذه الشّعائر، كالصّيام والصّلاة. والحال أنّ الخطاب القرآني يجعل العبادة متمثلة في اتّباع الصّراط المستقيم المتشكّل من القيم الكوْنية الخالدة، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾[يس: 61]، وهو بذلك يُخرج الصّلاة من دائرة الشّعيرة التّعبدية ويجعلها أداة مساعدة على القيام بالعبادة كالصّبر تمامًا وهو مُقدّم عليها، ففي سورة الفاتحة يقول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة: 5]، وفي سورة  البقرة يُبيّن أنّ الاستعانة على العبادة إنّما تكون بالصّبر والصّلاة، يقول تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[البقرة: 45].
 والملاحظ أنّ مصطلح الصّلاة الذي تكرّر في القرآن يُمكن إرجاع دلالاته إلى ثلاثة مستويات: الصّلاة التي يُقام إليها، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[ المائدة: 6]، والصّلاة التي تُقام تبعًا لقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ﴾[ الإسراء: 78]، وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ  وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج: 41]، وفي هذه الحالة تكون الصّلاة حركة تقويم لما اعوج من المفاهيم والأعمال والعلاقات. وأخيرًا الصّلاة الممثّلة لصلة المرء بربّه.
 وهكذا يُبنى الإسلام على الإيمان بالله وباليوم الآخر والقيام بالعمل الصّالح، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة: 62] .
وإذا كان الدّين ينهض على الشّعائر والشّرائع والقيم، فإنّ انبناء الإسلام على خمس قد أفرغ الدّين من روحه الممتدة إلى صُلب الحياة العملية اجتماعيًّا وأخلاقيًّا، وهو أمر يعود إلى الفترة التّاريخية التي شهدت ظهور الاستبداد السياسي الذي كرّس الملمح الطقوسي للدّين نظرًا إلى ضيق الاستبداد بقيم العدل، والحرّية، والمساواة، والإحسان.
وعلى وضوح الآيات القرآنيّة، فإنّ نصيب الغموض البادي في الإشاريّة والرّمزيّة في الخطاب القرآني جعل كلّ فرقة وكلّ مذهب يُوجّه الأفهام المستنبطة من هذه الآيات بحسب منطلقاته المذهبية. ولعلّ الزّمخشري قد أصاب حين اشترط للشفاعة أمرين: أنْ يكون المشفوع له مُرتضى، وأنْ يكون الشّفيع مأذونًا له، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[الزمر: 44] (10)، وفي هذا الإطار يتنزّل قول محمد عبده: «إنّ في هذا الاستثناء قطعًا لأمل الشّافعين والمتّكلين على الشّفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون، وأهل الكتاب عامّة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك، وعدم جراءة أحد من عبيده على الشّفاعة أو التّكلم بدون إذنه، وإذنه غير معروف لأحد من خلقه. وهذا دليل على نفي الشّفاعة بالمعنى المعروف، وبيان ذلك أنّه لما كان عالمًا بكل شيء فعله العباد في الماضي، وما هو حاضر بين أيديهم وما يستقبلهم وكان ما يجازيه به مبنيًّا على هذا العلم كانت الشّفاعة المعهودة ممّا يستحيل عليه تعالى، لأنّها لا تتحقّق إلّا بإعلام الشّفيع المشفوع عنده من أمر المشفوع له، وما يستحقّه ما لم يكن يعلم» (11) . 
والملاحظ أنّ التّعلّل بالرّمزية في الخطاب القرآني قاصر لأنّ هذه السّمة الخطابية لا تحول دون الوقوف على المعنى المراد الجاري في النّصّ ولاسيّما إذا تمّ الاعتماد على الدّلالة المعجمية والسّياقية وإيحاءات التّعبير، فالنّاظر، على سبيل المثال، في الآية القائلة: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾[مريم: 87] ، يُلفيها تتضمّن استثناءً منوطًا بعهد الإيمان والعمل الصّالح فلا إذن، حينئذ، من الله تعالى بالشّفاعة للكافرين به.
 وفي النّهاية ينفي القرآن الشّفاعة نفيًا عامًّا ومطلقًا عن الأرباب المتخذين من دون اللّه تعالى. والشّفاعة في الخطاب القرآني لا تتمّ إلّا بإذنه تعالى، إذ هو مالك الملك، ولا نجاة، حسب القرآن، إلّا بالعمل الصّالح. 
لقد أكّدت مدرسة المنار المعاني القرآنيّة الّتي تحمّل الإنسان مسؤوليّة أعماله فلا شفاعة لكافر، والنّاس يُحشرون يوم القيامة فُرادى لا شفيع لهم ولا انتفاع لهم بصلاح غيرهم. ولذلك استوجب الثّواب الأمن والاطمئنان، واستوجب العقاب الخوف، ولم تأت هذه المدرسة بجديد سوى أنّها كانت أمينة للقيل القرآني الصّريح، فالقرآن واضح مبين في معانيه، ولكنّ التأويلات البعيدة وتحكيم المرويات في الآيات هما اللذان شعّبا المسألة وشوّها المعاني. وقد ذهب أمين الخولي إلى اعتبار أنّ المرويّات قد شوّهت الذائقة ومزّقت الثّقافة، وبدّدت حقيقة الدّين، وعصفت بقيمه وجماله (12) .
يكشف النّظر في مفهوم الشفاعة، كما ورد في هذه المصنفات، عن خلط بين مفهومي السّنة والمرويّات لذلك يُقصد بالسّنة، في الغالب، الحديث، وبذلك تعدّدت ضروب الشّفاعة ومنها إدخال قوم الجنّة بغير حساب، والحال أنّ الخطاب القرآني خالٍ  من هذه العبارة التي لم تتعلّق إلّا بمنن الله ورزقه لعباده الذين يدخلون الجنّة، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[غافر: 40]. ومنها الشّفاعة لقوم استوجبوا النّار، فيشفع لهم النّبي محمد ﷺ. ومنها الشّفاعة فيمن دخل النّار من المذنبين أنْ يخرجوا منها، والشّفاعة في زيادة الدّرجات في الجنّة لأهلها. والشّفاعة في تخفيف العذاب على بعض داخلي النّار كأبي طالب (13) . 
وقد بدا في هذه الكتب الخلط البيّن بين مصطلحيْ المغفرة والشّفاعة ما يستوجب إعادة بناء المفاهيم وترتيب معانيها وعناصرها. فعلاقة المسلمين بالقرآن لمّا ضعُفت وقلّ تدبّرهم له، ضاعت أغلب الدّلالات وانقلبت المفاهيم رأسًا على عقب، ولا أدلّ على ذلك من إقرار القرآن بأنّ الحلال أصل، والحرام استثناء، ولكنّ الثّقافة الدّينية تُقدّم الحرام بوصفه القاعدة والحلال بوصفه الاستثناء، ومثال ذلك ما ذكره الذّهبي من أنّ الحرام يُعدّ سبعين نوعًا (14) .
وقد أشار علماء كثيرون إلى عدم جواز التناقض بين القرآن والأحاديث، وإلى ضرورة عرض ما يُروى عن النبي ﷺ على الآيات؛ فإن وافقها فهو منه، وإن لم يوافقها فهو تقوّل عليه (15) . 
إنّ المذهل في استقراء المصادر والمراجع، التي تناولت موضوع الشّفاعة هو الوقوع في التّذبذب بين الإثبات والإنكار بالاستناد إلى المرويّات الّتي تدّعي لنفسها تبيين الآيات وتفصيل معانيها. وقد تنبّه سلطان الحرّاصي إلى هذا التّذبذب الذي تتسبّب فيه المرويّات، يقول: «إنّ رفع العقاب بالشّفاعة عن جميع المجرمين في جميع جرائمهم موجب لنقض الفرض. ولعب ينافي الحكمة، ورفعه عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم وذنوبهم اختلاف في فعله تعالى، وتغيّر وتبدّل في سنّته الجاريّة وطريقته الدّائمة إذ لا فرق بين المجرمين في أنّ كلّ واحد منهم مجرم ولا بين الذنوب في كلّ منها ذنب» (16) .
خاتمة
نخلص من خلال هذا الفصل إلى أنّ أغلب المُصنّفات التي عرضناها تعتمد في معالجتها لقضية الشّفاعة على الرّواية أكثر من الاعتناء بالكتاب العزيز، والملاحظ أنّ الرّوايات تجنح إلى التّساهل في قبول الشّفاعة، فتُنسب إلى النّبي ﷺ تفضيله للرّابطة الدّموية، على خلاف الحقيقة لأنّ هذا الأمر لا يقبله عقل لتنزّه النّبي ﷺ عن مخالفة ما ورد في القرآن الكريم، ومن ثمّ ينخلع المنطق من الفهم ليتعلّق بالخوارق والتّعويل على الدّعاء باعتباره سلاحَ من لا سلاح له، فيجنح المؤمن، في الغالب، إلى مجانبة العمل، ويغفل عن الأخذ بالأسباب، وفي هذا الصدّد تجدر الإشارة إلى أنّ الرّواية لا تستنكف عن الإساءة إلى الأنبياء ولا ترى في ذلك حرجًا كالتّعريض بآدم، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السّلام. 
ولربّما زاد الأمر تعقيدًا عندما يشعر بعض الكُتاب من أمثال سلطان الحرّاصي بالتّناقض الحاصل بين مضمون الآية ومحتوى الرّواية، وهو ما يجعل القارئ بين سياقيْن مُتعارضيْن. ولا غرو في أنّ هذا التّناقض يُلحق بالمعنى الدّيني تشويشًا واضطرابًا لا مبرّر لوجوده، ولعلّ المسؤولية المُلقاة على القائمين بالشأن الدّيني تُحتّم عليهم فكّ التّضارب الموهوم بالاحتكام إلى النّصّ القرآني الذي لا ريب فيه، ولا شكّ أنّه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديْه ولا من خلفه.
الهوامش
(1) الحراصي زهران ، الشّفاعة الأخرويّة: دراسة عقائديّة، مطابع النّهضة، ط1، سنة2002. نُشير إلى أنّ ترجمة المؤلّف غير متاحة.
(2) يُنظر الحراصي سلطان بن محمد بن زهران، الشّفاعة الأخرويّة، م ن، ص39.
(3) يُنظر الحراصي، م ن، ص41.
(4) يُنظر محمود مصطفى، الشّفاعة: محاولة لفهم الخلاف القديم بين المؤيدين والمعارضين، مؤسّسة أخبار اليوم، قطاع الثّقافة، مصر، ط1، سنة 1999. ومصطفى محمود طبيب ومفكر وكاتب مصري، بنى مسجدًا بالجيزة سماه باسمه، وأسس ثلاثة مراكز طبية لفائدة الفقراء والمحتاجين، له تسعة وثمانون مؤلَفًا في الأدب والفكر والدّين. يُنظر  سليمان انتصار وسليمان مصطفى، مصطفى محمود المنتصر على نفسه، 
مقال إلكتروني منشور  بالموقع التالي:    https://islamonline.net/archive
(5) يُنظر البخاري، الصحيح، م س، كتاب الطب، باب: السحر، حديث عدد 5766، ص 1206.
(6) يُنظر البخاري، الصحيح، م ن، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: «يريدون أن يُبدلوا كلام الله»، حديث عدد 7506، ص 1490.
(7) محمود مصطفى ، الشّفاعة، م ن، ص65.
(8) النيسابوري مسلم، الصحيح، ج 4، م س، الحديث عدد 3004، ص 2299.
(9) يُنظر ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج2، مطبعة الإمام، مصر، ط 1، 1969، ص139.
(10)  يُنظر الزمخشري أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الخوارزمي، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ج 4، تحقيق يوسف الحمّادي، مكتبة مصر، القاهرة، ط 1، سنة 2000، ص 56.
(11)  نقلا عن رضا محمد رشيد، تفسير المنار، ج3، دار المنار، القاهرة، ط 2، سنة 1947، ص ص 26-27.
(12)  يُنظر خولي أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، مكتبة الأسرة، القاهرة، ط 1، 2003، ص ص 229-230.
(13)  يُنظر المبارك محمد عبد الرّحمان ، تحفة الأحوذي: شرح جامع التّرمذي، ج 7، مكتبة ابن تيميّة، القاهرة، ط 2،  سنة 1965، ص 128.
(14) يُنظر الذّهبي شمس الدين، الكبائر، تحقيق سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، ط1، سنة 1991، ص ص 13-70.
(15) يُنظر على سبيل المثال الطحاوي محمد، شرح أصول الفقه، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط 1، 2010، ص ص 45-46.
(16) الحرّاصي سلطان بن محمد ، الشّفاعة الأخرويّة، م  س،  ص 164.