نحو أفق جديد

بقلم
أ.د.عبدالجبار الرفاعي
أسلمة الفلسفة ليست فلسفة
 الفلسفة لن تموت ما دام هناك إنسان يطرح الأسئلة الكبرى ولا يجد لها جوابًا نهائيًا. كل شيء في الفلسفة يخضع لمساءلة العقل ونقده وتمحيصه، حتى العقل نفسه؛ لأنه يراجع مفاهيمه، ويغربل أحكامه، ويمتحن طريقة تعريفه لنفسه، وتفسيره لطبيعة معرفته ومصادرها وقيمتها. لا يضع الحدود للعقل إلا العقل؛ فهو يرسم حدود فضائه، ويحدد ما يقع داخله، ويبين ما يتعذر عليه بلوغه خارجه. لا يتحقق التفكير الفلسفي إلا حين يفكر الإنسان خارج الإطار الاعتقادي لدينه، مهما كان هذا الدين. المقصود أن يحرر تفكيره من سلطة معتقداته المسبقة، ويخضع كل شيء للنقد والمساءلة والتمحيص، ولا يعني ذلك التخلي عن انتمائه الديني. إذا أراد البوذي أن يفكر فلسفيًا، فعليه أن يفكر خارج عقيدته البوذية، وإذا أراد المسيحي ذلك، فعليه أن يفكر خارج عقيدته المسيحية، وكذلك المسلم وسواه من أتباع الأديان.
ليست هناك فلسفة بوذية أو هندوسية أو يهودية أو مسيحية أو إسلامية، ولا أيّة فلسفة تستمد هويتها المعرفية من دين. هناك فلسفات نشأت وتطوّرت في مجتمعات بوذية وهندوسية ويهودية ومسيحية وإسلامية، وتأثرت بلغاتها وثقافاتها وأسئلتها الدينية. تُحيل هذه التسميات إلى السياق التاريخي والثقافي الذي ظهرت فيه الفلسفة، ولا تحدّد هويتها المعرفية ومنهجها في التفكير. الفلسفة تفكير عقلي حرّ، لا تستمد مشروعيّتها من عقيدة، ولا تخضع لمرجعية دينية نهائية. حين تخضع الفلسفة لحدود العقيدة، وتكرس أدواتها للدفاع عن مسلّماتها، تفقد وظيفتها الفلسفية. الدين يمكن أن يكون موضوعًا للتفكير الفلسفي، غير أنّه لا يرسم حدوده ولا يقرّر نتائجه.
تكمن فرادة العقل الفلسفي في سعيه المتواصل للتحرّر من المرجعيات والتحيّزات الواعية التي تتحكّم في رؤيته وأفكاره ومفاهيمه، وإخضاعها للنقد والمساءلة. لا ينفي ذلك تنوّع أفكار الفلاسفة ومواقفهم، وهو أمر ماثل لكلّ قارئ متمرّس في الفلسفة، ولا ينفي تأثيرَ التحيّزات اللاواعية الملازمة لكلّ إنسان، وما يصدر منها عن البنية النفسية لشخصية الفيلسوف، ونمط تنشئته في أسرته ومجتمعه، وما ترسَّب في أعماقه من أحكام مسبقة. أتحدّث هنا عن التحيّزات الواعية التي تفرضها المعتقدات والهويّات والأيديولوجيات المغلقة، ولا أتحدّث عن التحيّزات اللاواعية التي تعكسها البنية العميقة للإنسان؛ إذ يتعذّر التحرّر الكامل من تأثيرها، وإن أمكن الكشف عن شيء منها والحدّ من سلطتها.
علاقة الفلسفة باللاهوت ديناميكية؛ فمثلما يتغذّى اللاهوت بالفلسفة ويتجدّد بها، تتغذّى الفلسفة بالسؤال اللاهوتي، وتتسع آفاقها وتتنوّع حججها. يبحث السؤال اللاهوتي عن يقينيّات لا يظفر بها، مهما توالدت الأجوبة وتواصلت الاستدلالات؛ فهو سؤال مفتوح، وكلّ سؤال مفتوح منجم متجدّد للتفلسف. كلما ابتعد اللاهوتُ عن الفلسفة وقع فريسة لتفشي اللامعقول، ودخل في سبات يتعطل فيه العقل وتتغوّل الأوهام. لا يضع اللاهوتَ ضمن حدوده، ويحميه من الأوهام، إلاّ العقلانيةُ الفلسفية النقدية، ولا يتجدّد إلّا بإعادة النظر في الحقيقة الدينية وتأمّلها بعين فلسفية.
لغة الفلسفة ومصطلحاتها تكشف عن خارطة العقل، وهي مرآة لحدوده وآفاقه. لا تتكلّم الفلسفة لغة اللاهوت والمتخيل والأسطورة واللامعقول؛ فلكلّ حقل معرفي لغته الخاصة في التعبير عن العالم ، وفي تعريف الإنسان لوجوده. لا تلتهم لغة الفلسفة ومفاهيمها لغة اللاهوت ومفاهيمه، ولا تحلّ محلّ لغة المتخيّل والميثولوجيا واللامعقول. يظلّ العقل معيارًا وسلطة على كلّ ضرب من أنشطة الذهن، مهما كان. حين تستعير الكتابة معجم الفلسفة، وتحتفظ في أعماقها برؤية علم الكلام ومقدّماته، تغدو لاهوتًا متنكّرًا يتحدّث بلغة الفلسفة، فيما يظلّ وفيًّا لمواقفه الكلامية وأحكامه الفقهية المسبقة. عندئذ تفقد المفاهيم والمصطلحات قدرتها على توليد الأسئلة، وتتحوّل إلى أقنعة لغويّة تضفي على الإجابات الموروثة مظهرًا فلسفيًّا، وتحجب بنيتها الاعتقادية المغلقة.
يجري توظيف علم الكلام والتصوّف داخل الفلسفة، كما يجري التفكير في فلسفة الدين بعقل كلامي أو فقهي، وهذا ينقض طبيعتها، ويتجاهل أنّ فلسفة الدين تفكير عقلي في الدين، لا دفاع لاهوتي عن معتقداته. يتفشّى هذا النمط اليوم في الفكر العربي، كما نقرأ لدى من يعالجون التعددية الدينية واحتكار النجاة بعقل المتكلّم أو الفقيه؛ إذ ينشدون الدفاع عن مسلّمات متوارثة، وتبرير ما تتضمّنه النصوص الدينية وتفسيراتها عبر العصور، وقبوله كما هو، بدل إخضاعه للتمحيص والنقد. لا ينشغل هؤلاء بالتفكير الفلسفي في الدين، المتمحور حول تفسير الظاهرة تفسيرًا عقليًّا، وتمحيص الأدلة على المعتقدات الدينية، ومساءلة سياقاتها وظروفها التاريخية ودلالاتها الإنسانية، وما تعكسه من ظروف المجتمع الذي ولد فيه الدين، وما أنتجه المتخيّل الفعّال للجماعات التي اعتنقته، وعاشت تحت إكراهات الواقع وتحوّلاته المتواصلة.
من مظاهر تفريغ الفلسفة من مضمونها البدء بمقدمات فلسفية ومنطقية، والانتهاء إلى نتائج لاهوتية، بغية ترسيخ اليقين بمسلّمات اللاهوت وعلم الكلام، وكفّ العقل عن إثارة الأسئلة. لا تتحدّد فلسفية التفكير بالمصطلحات التي يستعملها، ولا بالمقدمات التي ينطلق منها، وإنّما بطريقة بناء الأسئلة، وفحص الأدلة وتمحيصها، واستقلال النتائج عن المعتقدات المسبقة. الفلسفة ضرب من التفكير العقلي خارج سلطة اللاهوت، لا تخضع لإجاباته النهائية، ولا تتوقّف عند حدوده. تكشف لغتها ومصطلحاتها عن خارطة العقل، وتعكس حدوده وآفاقه، وتمنحه القدرة على مراجعة مسلّماته ونقد أدواته ونتائجه. حين تتحوّل الفلسفة إلى وسيلة لتبرير يقين سابق، تفقد وظيفتها النقدية، ويغدو العقل أداة للدفاع عن المعتقد، بعد أن كان أفقًا حرًّا للسؤال والتفكير.
يتسيّد الكتابةَ الفلسفيةَ بالعربية تفكيرٌ لاهوتي يكتب الفلسفة برؤية علم الكلام للعالم وأدواته ومقولاته، وذوق صوفيّ يكتبها في مرآة التصوّف ومكاشفاته. صارت هذه صنعة لدى جماعة من المفكرين الذين نحتوا لأنفسهم أسماء كبيرة، وأغرم بهم شباب نفروا من تبسيط أدبيات الجماعات الدينية، فاحتلّت كتاباتهم مواقع متقدّمة في الجامعات والدراسات العليا، مع أنهم يفكّرون في الفلسفة بعقل كلامي وفقهي، وأحيانًا صوفيّ، ويصوغون مقولات كلامية ويصدرون فتاوى فقهيّة لا صلة لها بالتفكير الفلسفي، وإن تنكّرت بلغة الفلاسفة، وتحدّثت بمصطلحاتهم، وحاكت أساليبهم في التعبير. يتكلّم هؤلاء بلغة تحاكي لغة الفلسفة، غير أنّ تفكيرهم يقع خارجها ويقف ضدّها.
يعود إغواء لغة هؤلاء إلى توكُّئهم على مصطلحات الفلسفة ومفاهيمها، وفلسفة المنطق، وفلسفة اللغة، والألسنيات، والعلوم الإنسانية الحديثة. يوظّفون معطيات معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت ونتائجه في نقد عقل التنوير، ويستعيرون آراء فلاسفة ما بعد الحداثة ومقولاتهم في كتاباتهم. الغريب أنهم يكرّرون الحديث عن ضرورة الانتباه إلى بصمة البيئة والسياقات التاريخية والمعرفية التي ولدت فيها المقولات والآراء، ثمّ يسمحون لأنفسهم بانتقاء ما يعزّز قناعاتهم المسبقة، من دون اكتراث بسياقاته ودلالاته الأصلية. يعملون بمراوغة على تفريغ هذه المفاهيم من دلالاتها، وتعبئتها بمضامين تراثية غريبة عنها.
لا يحتفظ المفهوم الفلسفي بدلالته حين يجتزئه الكاتب من منظومته الكلية ويبتره عن سياقه المعرفي؛ المفهوم يستمد معناه من شبكة المفاهيم التي ينتمي إليها، ومن الأسئلة التي ولد في فضائها. لا يمكن نقله إلى سياق آخر وتعبئته بمضمون مضاد له من دون أن تتبدل دلالته ووظيفته. حين يحدث ذلك، يفقد المفهوم هويته الفلسفية، ويتحوّل إلى وعاء لغوي لمقولات لا صلة لها بأفقه المعرفي ودلالاته الأصلية.
يظلّ العقل معيارًا وسلطة على كلّ ضرب من أنشطة الذهن، مهما كان. قراءة الفلسفة بأفق أيديولوجي تنتج أيديولوجيا، وقراءتها بأفق لاهوتي تنتج لاهوتًا، وقراءتها بأفق كلامي تنتج علمَ كلامٍ، وقراءتها بأفق اعتقادي تنتج عقيدة، وقراءتها بأفق فقهي تنتج فقهًا، حتّى قراءتها بأفق العلم الطبيعي تنتج معرفة علمويّة. الأفق الذي يقرأ فيه النصّ هو الذي يحدّد أسئلته ومنهجه ونتائجه؛ فمجرّد الاشتغال بالنصوص الفلسفية، واستعمال مفاهيمها ومصطلحاتها، لا ينتج فلسفة. لا ينتج الفلسفة إلّا العقل الفلسفي النقدي الذي لا يخضع لمرجعية سابقة عليه. لا تتحقّق قراءة الفلسفة إلاّ بأفق فلسفي يحرّر العقل من الإجابات الجاهزة، ويفتح النص على السؤال والنقد وإمكانات الفهم المتجدّدة.
الفلسفة تحرّر العقل من المرجعيات القبلية والقيود والحدود والأسوار، فيما تحدّد الأيديولوجيات للعقل ما يفكّر فيه، وترسم له النتائج قبل أن يبدأ التفكير، ولا تسمح له بالخروج من فضائها وحدودها. يبدأ التفكير الفلسفي بالسؤال، وتبدأ الأيديولوجيا بالجواب؛ الفلسفة تدرِّب الإنسان على الشكّ والمراجعة ونقد المسلمات، والأيديولوجيا تلقنه معتقداتها، وتطالبه بالتسليم لها والدفاع عنها. لا تمنح الفلسفة العقل خارطة مغلقة للعالم، ولا تفرض عليه طريقًا واحدًا للوصول إلى الحقيقة، فهي تعلّمه أنّ الحقيقة أوسع من أن يحتكرها مذهب أو جماعة، وأنّ المعرفة البشرية نسبية متحوّلة، وأنّ كلّ جواب يمكن أن يولد سؤالًا جديدًا. الأيديولوجيا تخشى السؤال، خاصّة حين يقترب من مقدماتها المؤسسة، فتضع خطوطًا حمراء أمام العقل، وتحوّل معتقداتها إلى يقينيّات نهائية لا يجوز نقدها.
عندما يخضع العقل للأيديولوجيا يفقد استقلاله، ويصير دوره تسويغ ما تقرّر سلفًا، وانتقاء الأدلة التي تؤيّدها، واستبعاد كلّ ما يزعزع صورتها المغلقة للعالم. الفلسفة لا تعد الإنسان بالطمأنينة، ولا تحميه من قلق التفكير، لكنّها تمنحه شجاعة استعمال عقله، والقدرة على التحرّر من الوصايات، ورؤية العالم خارج الأقفاص التي تصنعها الجماعة والعقيدة والمذهب. تعني حريّة العقل أن تكون المعايير نفسها موضوعًا للفحص والنقد والمراجعة. العقل الفلسفي لا يقدّس الأفكار مهما كانت، ولا يخجل من التخلّي عنها عندما ينكشف له خطؤها، ولا يرى في اختلاف تفكير الآخر تهديدًا لوجوده. بهذا المعنى، تحرّر الفلسفة الإنسان من الاستسلام للأجوبة الجاهزة، وتُعيد إليه حقّه في السؤال، وحقّه في الاختلاف، وحقّه في بناء فهمه للعالم ولنفسه.
إلباس الفلسفة غطاءً دينيًا يفضي إلى أدلجتها، والأدلجة الدينية للفلسفة في المجال الإسلامي تعني أسلمتها. تبدأ الأسلمة حين تفرض العقيدة على العقل مقدمات ونتائج مقررة سلفًا، ثم تستدعي من الفلسفة ما يسوغها، وتستبعد منها ما يتعارض معها. عندئذ لا يعود العقل باحثًا حرًا عن الحقيقة، وإنما يتحول إلى أداة للدفاع عن معتقدات الجماعة وحماية هويتها. تنتقي الأسلمة من المذاهب الفلسفية ما يوافق مرجعيتها، وتعيد تفسير ما لا يوافقها، وتحكم على الأفكار بمعايير الحلال والحرام، والإيمان والكفر، بدلًا من فحصها بمعايير الاتساق العقلي وقوّة الحجة والقدرة على التفسير. هكذا تفقد الفلسفة استقلالها، ويغدو السؤال مقيّدًا بحدود الإجابة المسموح بها، ويصير النقد مشروعًا ما دام موجَّهًا إلى أفكار الآخرين، ومحظورًا عندما يقترب من المعتقدات الموروثة. لا تكتفي الأسلمة بتوظيف الفلسفة، وإنّما تعيد تشكيل وظيفتها؛ فبعد أن كانت تفكيرًا حرًّا في الإنسان والعالم والوجود، تتحوّل إلى خطاب اعتذاري يسعى إلى إثبات تفوّق العقيدة، ومنحها شرعيّة عقلية، والدفاع عن يقينيّاتها. الفلسفة لا تكون فلسفة إلاّ حين يتحرّر العقل من الوصايات الدينية وغيرها، ويظلّ قادرًا على مساءلة كلّ مرجعياته ومقدّماته ونتائجه بلا أسوار دينية أو مذهبية أو أيديولوجية.
شهدت الفلسفة في الإسلام، في مختلف العصور، محاولات لأسلمتها، وفي عصرنا صدر أكثر من كتاب لأعلام معروفين سعوا إلى وضع بصمة هويّة إسلامية لها. أسلمة الفلسفة ضرب من التفلسف ضدّ الفلسفة، وإن كان من يدعو إليها عبقريًّا، وهذا ليس غريبًا؛ فأحيانًا نرى إنسانًا عبقريًّا فذًّا في مجال يقظ من عقله، وعلى الضّد من ذلك في مجال آخر نائم منه، تحكمه المسلمات الموروثة، ويعجز فيه عن ممارسة التفكير النقدي الذي يمارسه في مجالات أخرى. يتراجع العقل وينزاح تدريجيًّا حين يتّسع فضاؤه النائم، حتّى يعطِّل ما هو يقظ فيه. تدهشك قدرة عقله اليقظ على توظيف المغالطات المنطقية في الاستدلال على أوهام عقله النائم. يتطلّب تفسير المراوغات الذهنية والمغالطات المنطقية في تفكير العباقرة الانتباه إلى حضور هذه الحالة الذهنية في الطبيعة البشرية. ذلك هو السرّ الذي يجعل بعضهم يبدأ بمقدمات عقلية وينتهي إلى نتائج تنقض المقدّمات، أو يشرع في التفكير الفلسفي الحرّ، ثمّ ينتهي إلى يقين مغلق يدحض مقدماته الأولى (1).
الهوامش
(1) الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 301، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.