شخصيات
| بقلم |
![]() |
| م.فيصل العش |
| عبد الحميد بن باديس: رائد النّهضة والإصلاح ومؤسّس مدرسة الوعي |
الإمام عبد الحميد بن باديس عالم جزائريٌّ، من دعاة الإصلاح الإسلاميّ. وهو قامة فكريّة شامخة في تاريخ الشّمال الإفريقيّ المعاصر، وعلمٌ من أعلام التّجديد في العالم الإسلاميّ، ومساهمٌ رئيسيٌّ في حركة النّهضة في بدايات القرن العشرين، ومؤسّسٌ لمدرسة استطاعت أن تنتشل العقل من محاولات المسخ الثّقافيّ وطمس الهويّة. جمع ابن باديس بين عمق الرّؤية الشّرعيّة، والدّقّة في معالجة القضايا اللّغويّة، والوعي الحركيّ بمتطلّبات النّهوض، ممّا جعل مشروعه الإصلاحيّ مرجعاً في فقه التّغيير وبناء الوعي المجتمعيّ.
1. المولد والنّشأة والتعليم
ولد عبد الحميد بن محمّد المصطفى بن المكيّ بن باديس في مدينة قسنطينة يوم 11 ربيع الثّاني 1307 هجريّة، الموافق 4 ديسمبر 1889 ميلاديّة. ونشأ في كنف أسرة عريقة ذات تاريخ في العلم والرّيادة، يمتدّ نسبها إلى الأسرة الباديسيّة المشهورة في التّاريخ المغاربيّ. وفّرت له هذه البيئة المثقّفة حاضنة مثاليّة للنّبوغ المبكّر؛ فحفظ القرآن الكريم في سنّ الثّالثة عشرة، وتلقّى مبادئ العلوم الشّرعيّة واللّغويّة على يد كبار مشايخ مدينته، وعلى رأسهم الشّيخ حمدان الونيسيّ الذي أخذ عليه عهداً ألّا يوظّف علمه خدمة للإدارة الاستعماريّة، وهو العهد الذي التزم به طيلة مسيرته.
في سنة 1908، ارتحل ابن باديس إلى تونس للالتحاق بجامع الزّيتونة، الذي كان آنذاك منارة علميّة كبرى ومقصد طلاّب المعرفة. هناك تتلمذ على يد نخبة من كبار العلماء والمفكّرين أمثال الشّيخ محمّد الطّاهر بن عاشور، الذي أثرى معارفه في مقاصد الشّريعة وأسرار اللّغة. توّج مساره التّعليميّ في الزّيتونة بنيل شهادة «التّطويع» سنة 1911، وهي أرفع الشّهادات العلميّة في ذلك العهد.
لم يكتفِ ابن باديس بهذا الرّصيد، بل رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحجّ والاتّصال بعلماء المشرق، حيث التقى في المدينة المنوّرة بشيخه السّابق حمدان الونيسيّ، وتعرّف على علماء حثّوه على العودة إلى وطنه لإنقاذه من الانحطاط بدلاً من المجاورة في الحجاز. وفي طريق عودته، مرّ بمصر واحتكّ بعلمائها وخاصّة رشيد رضا واستوعب أصداء الحركات الفكريّة الصّاعدة، ممّا وسّع مداركه حول قضايا الأمّة الكليّة.
2. المناصب والمسؤوليات
رفض عبد الحميد بن باديس الانخراط في أيّ سلك وظيفيّ تابع للسّلطات، واختار طريق العمل الأهليّ المستقلّ لإدارة مشروعه. تركّزت مسؤوليّاته في ميادين التّربية والتّعليم والصّحافة التّحريريّة. بدأ مسيرته مدرّساً في الجامع الأخضر بقسنطينة، حيث كان يلقي دروساً في التّفسير والحديث والنّحو والأدب، واستمرّ في هذا العمل التّربويّ اليوميّ طيلة ربع قرن، متّخذاً من التّعليم المباشر أداة لصياغة العقول.
أدرك بن باديس، بصفته مفكّراً استراتيجيّاً، أهمّيّة الكلمة المكتوبة في توجيه الرّأي العامّ وتوحيد الصّفوف، فخاض غمار الصّحافة وتولّى مسؤوليّة رئاسة التّحرير وإدارة عدّة منابر إعلاميّة. أسّس صحيفة «المنتقد» سنة 1925، وبعد تعطيلها، أصدر مجلّة «الشّهاب» التي تحوّلت إلى مدرسة فكريّة قائمة بذاتها ومنبر للتّوجيه الفكريّ العميق. كما ساهم بفاعليّة في توجيه جريدة «البصائر». أمّا المنصب الأبرز والأكثر تأثيراً في مسيرته، فهو رئاسته لـ «جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين» منذ ماي سنة 1931، حيث قاد الجمعيّة بحنكة سياسيّة وفكريّة نادرة حتّى وفاته، وأشرف من خلالها على تأسيس مئات المدارس الحرّة والنّوادي الثّقافيّة لتنظيم توزيع المعرفة وإيصالها لآلاف المنتسبين. كما تقلّد مسؤوليّة قياديّة حين اختير ضمن وفد «المؤتمر الإسلاميّ» سنة 1936 لتقديم المطالب الوطنيّة في باريس.
3. مشروعه الفكري وأهم عناصره
لعبد الحميد بن باديس مشروع فكريّ نهضويّ متكامل يستهدف إعادة بناء الإنسان من الدّاخل، ويقترب في هيكليّته من التّأسيس الفلسفيّ لنهضة الأمم. وتتجلّى قوّة هذا المشروع ووضوح رؤية ابن باديس في كتاباته وافتتاحيّاته في الصّحف والمجلّات التي أسّسها والتي صاغها بأسلوب متين يعكس دقّة العالم المنظّر وحسّ المحرّر النّاقد. ارتكز هذا المشروع على محاور أساسيّة متلازمة:
1.3 مركزيّة التّحقّق والقرآن:
يقوم مشروع ابن باديس الإصلاحيّ على العودة إلى النّصوص الأصليّة وإعادة الأمّة إلى منهج التّدبّر العمليّ وإعمال العقل، حيث اعتبر أنّ التّغيير يبدأ بتحرير العقل من الخرافات والتّقليد الأعمى، وأنّ التّعامل مع النّصوص التّأسيسيّة لا يكون إلّا عبر منهج «التّدبّر» العميق؛ فخصّص جانباً كبيراً من حياته لتفسير آيات القرآن الكريم وتدبّر معانيها لربطها بواقع الأمّة، مستنبطاً منها سنن النّهوض ومقوّمات الحضارة. يقول في كتابه المرجعيّ «مجالس التّذكير من كلام الحكيم الخبير»: «لا نجاة لنا من هذا التّيه الذي نحن فيه والعذاب المنوّع الذي نذوقه ونقاسيه إلّا بالرّجوع إلى القرآن، إلى علمه، وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتّفقّه فيه وفي السّنّة النّبويّة شرحه وبيانه، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحّة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الرّاسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن ربّ العالمين» (1).
2.3 الاستقامة اللّغويّة كبوصلة فكريّة:
واجه سياسة شرسة تهدف إلى التّهميش اللّغويّ، فجعل من الدّفاع عن قواعد اللّغة العربيّة وصيانتها من الأخطاء الشّائعة ركناً أساسيّاً في مشروعه. كان يرى أنّ اللّغة هي وعاء الفكر، وأنّ تصحيح الأساليب اللّغويّة وضبطها هو المدخل للاستقامة الفكريّة، فأصرّ على استخدام الفصحى النّاصعة في افتتاحيّاته ومقالاته.
3.3 التّربية كأداة للتّحرّر:
آمن ابن باديس بأنّ التّحرير السّياسيّ لا يسبق التّحرير المعرفيّ، وأنّ صناعة الأجيال عبر التّعليم المنظّم والمؤسّسات التّربويّة هي الضّمانة الوحيدة لعدم الانتكاس الحضاريّ. يقول مؤكّداً على قيمة العلم المقترن بالعمل في مقال آخر: «إنّ الكمال الإنساني متوقّف على قوّة العلم، وقوّة الإرادة، وقوّة العمل، فهي أسس الخلق الكريم، والسّلوك الحميد، اللّذين ينهض بهما بجلائل الأعمال، ويبلغ بهما أسمى غايات الشّرف والكمال» (2).
4.3 تأصيل الهويّة:
نى سدّاً منيعاً أمام دعوات الذّوبان والاستلاب، مؤسّساً لمفهوم الانتماء المرتبط بالجذور الأصيلة ومثبتاً أنّ الأمّة كيان قائم بذاته يمتلك مقوّمات استمراره. ففي سياق حسمه لمعركة الهويّة ورفضه القاطع لمحاولات تذويب الانتماء، كتب في مجلّة «الشّهاب» مقالته التّاريخيّة الفاصلة التي أسّست لمشروعه الوطنيّ، قائلاً بكلّ وضوح: «إنّ هذه الأمّة الجزائريّة الإسلاميّة ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت؛ بل هي أمّة بعيدة عن فرنسا كلّ البعد، في لغتها، وفي أخلاقها، وفي دينها»(3).
4. خاتمة
بهذا المشروع المتكامل القائم على التّحليل الفكريّ والتّدبّر، والضّبط اللّغويّ الصّارم، والوعي التّحريريّ، استطاع الإمام عبد الحميد بن باديس أن يرسّخ في الوجدان أنّ المعركة الثّقافيّة والفكريّة هي المقدّمة الحتميّة لأيّ بناء حضاريّ سليم، تاركاً إرثاً لا يزال ملهماً حتّى اليوم.
الهوامش
(1) مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير،ابن باديس عبد الحميد، وزارة الشؤون الدينية (الجزائر) ط 1، 1982م، ص 63
(2) آثار الإمام عبد الحميد بن باديس، جمع وإعداد: الدكتور عمار الطالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (الجزائر)، ط 3، 1997م، ص114
(3) نفسه ،المجلد الثالث (قسم السياسة)، الصفحة 320
|




