أهل الاختصاص
| بقلم |
![]() |
| أ.د.فوزي أحمد عبد السلام |
| فرضية ريمان: روابط مخفية بين نظرية الأعداد والفيزياء الكمومية (1/5) الأعداد الأولية والأعداد المثا |
فرضيّة ريمان: فوضى ظاهرية تخفي نظامًا بديعًا ودقيقًا
نكتب عن «فرضية ريمان» لأنها حجر الزاوية في فهمنا للأعداد الأولية، ولأننا نبحث عن الموسيقى الخفية للكون؛ تبدو الأعداد الأولية، لأوّل وهلة، مبعثرة كنجوم السّماء، غير أنّ العقل الرّياضي يبحث فيها عن خيط خفيّ من النّظام. إنّه سعي حثيث ودائم إلى اكتشاف النظام في قلب الفوضى الظاهرة. نكتب عن «فرضية ريمان» لأنها واحدة من أمتع المسائل الرياضية على الإطلاق. وقد نُسب إلى «دافيد هلبرت» قوله: «لو نمت ألف عام ثمّ استيقظت، فسيكون أوّل سؤال أطرحه: هل أُثبتت فرضية ريمان؟». وهي واحدة من سبع مسائل اختارها معهد كلاي للرياضيات ضمن مسائل الألفية. وقد استوحيت هذه القائمة، في جانب منها، من المسائل الثلاث والعشرين التي طرحها «دافيد هلبرت» في مؤتمر الرياضيات عام 1900. وكان هلبرت يظنّ أنّ تلك المسائل الثلاث والعشرين ستُحلّ في القرن العشرين. ومضى القرن العشرون، ولم تُحلّ من تلك المسائل إلا مسائل قليلة جدًّا. وأعلن معهد كلاى للرياضيات عن مكافأة قدرها مليون دولار لمن يقوم بحلّ واحدة من تلك المسائل، وتأتى «فرضيّة ريمان» فى المرتبة الأولى من حيث الصعوبة فى تلك المسائل. فما «فرضية ريمان»؟ وعمّ تتحدث؟ ومن أين تنبع أهميتها؟
من التساؤل الأخير نبدأ، لا تنبع أهمّية «فرضيّة ريمان» من كونها فقط غير محلولة، ولكنها تكمن في تأثيرها المباشر على جملة من الموضوعات الهامة جدّا في حياتنا مثل أمن البيانات، الذي تُعدّ نظرية التشفير من أهم ركائزه، والخوارزميّات، ودقّة توزيع الأوليّات، ونظرية الأعداد الحديثة، بل وفهم بعض التأثيرات الغامضة مثل «تأثير كازيمير» في ميكانيكا الكم. أمّا التساؤل الأوّل فنفرد له الفقرة التّالية.
الأعداد الأوليّة (الجسيمات الأوليّة في بنية الرياضيّات)
يُعرَّف العدد الأولي، في الصياغة الرياضية الحديثة، على النحو الآتي: «هو عدد صحيح موجب أكبر من الواحد، له قاسمان موجبان مختلفان فقط: الواحد والعدد نفسه»(1). ولذلك يمكن تشبيه الأعداد الأولية في الرياضيات بــ «ذرّات الحساب» أو اللّبنات الأساسيّة التي تُبنى منها الأعداد الصّحيحة، حيث تنص النظرية الأساسية في الحساب على أنّ كل عدد صحيح أكبر من 1 هو إما عدد أولي أو يمكن تحليله إلى عوامل أولية بطريقة وحيدة. هذا يطابق دور الجسيمات الأولية (مثل الكواركات والإلكترونات) في الفيزياء، التي تُبنى منها جميع المواد.
ويمكن قراءة هذا التناظر في ضوء جدل فلسفي معروف بين الأفلاطونيّة الرياضيّة والبنيويّة، حيث يرى المذهب الأفلاطوني أن الكيانات الرياضية (مثل الأعداد الأولية) والجسيمات الفيزيائية كلاهما حقيقتان موضوعيّتان مستقلّتان عن العقل البشري، فنحن لا «نخترع» الأعداد أو الجسيمات، بل «نكتشفها». تعزز هذه البنية المتطابقة الفلسفة القائلة بأن الكون مكتوب بلغة رياضية، وأنّ القوانين الفيزيائيّة ليست سوى انعكاس للبنيات الرياضيّة الأساسيّة للوجود. وفي الفلسفة، يُطرح تساؤل مستمر منذ عهد الفلاسفة اليونانيين حول ما إذا كانت الأشياء تتكوّن من وحدات نهائيّة لا تقبل التجزئة مثل التفكيك الرياضي إلى أعداد أوليّة، والتفكيك الفيزيائي إلى جسيمات دون ذريّة (2).
هذا التناظر بين العقل والمادة يعزّز المبدأ الفلسفي القائل بوجود توافق عميق بين الرياضيات، بوصفها نشاطًا عقليًّا مجرّدًا، مع الفيزياء التي تصف عالم المادّة. تطابق فكرة اللبنات الأساسية في كلا المجالين يثير التساؤل: هل العقل البشري مصمّم ليتوافق مع قوانين الكون، أم أنّ العالَم المادّي والرياضي ينبعان من مصدر هيكلي واحد؟(3).
فلسفيّا، تجسّد هذه اللبنات ثنائيّة «النظام والفوضى» / «الحتميّة والاحتمال». فالأعداد الأوّلية تخضع لقواعد صارمة، لكن توزيعها على خط الأعداد يبدو في الظاهر عشوائيّا تماما ويخضع لفرضيّات معقدة مثل «فرضية ريمان». وبالمثل، فإنّ سلوك الجسيمات الأوّلية في ميكانيكا الكمّ تحكمه الاحتمالات والريبة، ممّا يضفي طابعاً فلسفيّا على حدود المعرفة البشريّة في تفسير الطبيعة.
في البدء كانت الأعداد الصّحيحة
لا ينكر أحد الأهمية البالغة لوجود العدد ولطرق العدّ في حياتنا. فالله واحد ولم يكن أحد قبله، ومن وجهة نظري، يمثّل تثبيت مفهوم الوحدة مسلّمة أساسية في نظرية الأعداد، ولا يستقيم تثبيت مفهوم الوحدة إلا بعد تحديد النقطة المرجعية، أي الصفر. فلكلّ عدد طبيعي عددٌ تالٍ ينتمي بدوره إلى مجموعة الأعداد الطبيعية، والصفر عدد طبيعي ولا يمكن أن يكون الصفر تاليًا لأيّ عدد طبيعي. وإذا احتوت مجموعة ما على الصفر، واحتوت مع كل عدد فيها على تاليه، فإنها تحتوي على الأعداد الطبيعية كلّها. وهذه البديهيّة الأخيرة تعرف بمبدأ الاستقراء الرياضي، لأنّه يمكن استخدامها لتحديد خصائص عدد لا نهائي من الحالات دون الحاجة إلى تقديم عدد لا نهائي من البراهين. على وجه الخصوص، بفرض أن P هي خاصّية ما والصفر يحقق P، وإذا تحققت الخاصية P لعدد طبيعي ما، فإنها تتحقّق أيضًا لتالي ذلك العدد، ويترتب على ذلك أنّ جميع الأعداد الطبيعية تحقّق P.
أمّا الثنائية فتتجلي في التقابل بين كل شيء وضدّه. وما بعد ذلك فهو كثير. أما نظرية الأعداد فهي بحر واسع يغوص فيه الباحثون في خصائص الأعداد وأسرارها. يقول الرياضي الألماني ليوبولد كرونيكر (4) : «إن الله خلق الأعداد الصحيحة، وما عدا ذلك فهو من صنع الإنسان». ونظرا لما تتميز به الأعداد الأوليّة من أهمّية قصوى في الحياة العملية ومن أهمّها التشفير، وذلك من أجل حماية البيانات الإلكترونيّة، لذلك سنمهّد الطريق إلى عرض فرضية ريمان ومناقشتها. وقد حار علماء الرياضيات عبر التاريخ فى خلق نظام رياضى يعطي العدد الأوّلي النّوني، أي العدد الأوّلي الواقع في المرتبة n، أو معرفة عدد الأعداد الأوّلية تحت عدد معين أو توقع وجود عدد أوّلي على خطّ الاعداد.
غربال إراتوستينس (5): الوقوف على أكتاف العمالقة
هي خوارزمية بسيطة صمّمها عالم الرياضيات الإغريقي «إراتوستينس» لإيجاد جميع الأعداد الأولية حتى عدد ما. تعمل هذه الخوارزمية بكفاءة من أجل الأعداد الأولية الصغيرة (حتى عشرة ملايين). ولإيجاد الأعداد الأولية الأصغر من n، تتبع الخوارزمية الخطوات الآتية:
1. أنشئ قائمة بجميع الأعداد من 2 إلى العدد المراد فحصه.
2. ابدأ بالعدد p=2، وهو أول عدد أولي.
3. اشطب من القائمة جميع مضاعفات p الأكبر منه.
4. اختر أصغر عدد غير مشطوب في القائمة، واجعله القيمة الجديدة لـ p.
5. كرّر الخطوات 3 و4 حتى يصبح مربع العدد الحالي أكبر من n وعليه فإن جميع الأعداد المتبقية على القائمة هي أعداد أولية (انظر الشكل 1).
ملاحظة: كل الأعداد المظلّلة باللّون الأخضر في الجدول المقابل هي الأعداد الأوّلية في المائة الأولى.
حدسيّات حول الأعداد الأوليّة: البحث عن نظام في الفوضى الظاهرة
ثمّة تخمينات كثيرة تتعلّق بالأعداد الأوّلية مثل أعداد «صوفى جيرمان»(6) التي تنصّ على أنّ العدد الأوَّلي p يُسمّى عددًا أوَّليًّا لصوفي جرمان إذا كان العدد 2p+1 أوَّليًّا أيضًا، بمعنى 23 عدد أولى لأن 2*23+1=47 هو عدد أوّلى آخر. وهناك أيضا «حدسية جولدباخ» (7) وقد تمّ إثباتها حتى العدد 10 مرفوع للأس 14، وتنصّ على أنّ كل عدد صحيح زوجي أكبر من 2 يمكن كتابته على صورة مجموع عددين أوليّين، مثل 2+2=4 و 8=3+5 وهكذا. ولتحديد طبيعة عدد ما، أوّليّا أو غير أوّلي بالإضافة إلى «غربال إراتوستينس»، هناك طريقة بسيطة تتمثّل في قسمة هذا العدد على الأعداد الصحيحة المحصورة بين 2 والجذر التربيعي للعدد نفسه.
وبشكل عام، وباستثناء العددين 2 و5، فإنّ جميع الأعداد الأوّليّة الأخرى تنتهي بأحد هذه الأرقام الأربعة 1 أو 3 أو 7 أو 9. وهناك برامج إلكترونيّة سهلة وأكثر فاعليّة متاحة على مواقع الإنترنت تُستخدم في تحديد أولية الأعداد الكبيرة، كما أن هناك قوائم جاهزة تحدّد ترتيب هذه الأعداد. وباستثناء الفارق بين العددين 2 و3، فإن الفارق بين عددين أوليين متتاليين يكون عددًا زوجيًّا؛ لأن جميع الأعداد الأولية بعد 2 أعداد فردية.
الأعداد المثالية وصلتها بالأعداد الأولية
على ما يبدو أنّ ترويض الأعداد الأوّلية ربّما يكون مستحيلاً دون النظر إليها من خلال عائلات عددية أخرى ترتبط بها، مثل الأعداد المثالية. والعدد المثالي هو عدد صحيح موجب يساوي مجموع قواسمه الموجبة باستثناء العدد نفسه. وأصغر عدد مثالي معروف هو العدد 6 وقواسمه هي (1،2،3،6) فإذا جمعنا القواسم عدا 6، نحصل على: 1+2+3= 6، والأعداد المثاليّة قليلة جدًّا ومتباعدة، مثلًا الأعداد المثالية التالية للعدد 6 هي 28، 496، 8128، 33550336، والعدد التّالي مؤلّف من تسعة أرقام (أنظر الشكل 3) .
كانت الأعداد المثالية معروفة لدى «فيثاغورس» و«إقليدس» لكنهما لم يعرفا سوى أول أربعة منها، كما أوجد «إقليدس» صيغةً عامّة تربط بين الأعداد المثاليّة ومجموعة خاصّة جدّا من الأعداد الأوليّة تُسمّى أعداد ميرسين Mp،حيث p عدد أوّلي وقد نُسبت إلى الرّاهب الفرنسي مارين ميرسين(8).
وقد درَس «فيثاغورس» وتلاميذه الأعداد المثاليّة لإيمانهم بأنّها تتضمّن خصائص روحية فريدة، اعتبر بعضهم الأعداد التي يزيد مجموع قواسمها عليها أعدادًا زائدة، والأعداد التي ينقص مجموع قواسمها عنها أعدادًا ناقصة، أما الأعداد التي يساوي مجموع قواسمها العدد نفسه فهي الأعداد المثالية. وقد ربط القدّيس «أوغسطين» بين كمال العدد 6 وخلق الكون في ستة أيام، وارتبط العدد المثاليّ الثاني 28 بدورة القمر والشهر القمريّ. ورغم أنّ جميع الأعداد المثاليّة المكتشفة حتى الآن زوجيّة كلّها، بل إنّها جميعًا تنتهي بالرقم 6 أو الرقم 8 وهذا يقابل في نظام العدّ الثنائي إمّا 0 أو 1. ولدى تطبيق العلاقة على العدد الأوّلي ذي الرتبة 51، وهو 233، نتج عدد مثالي مكوّن من 140 رقمًا، وهو 233، ولدى تطبيقها على أكبر عدد أولي أصغر من 1000، وهو 997 وترتيبه في قائمة الأعداد الأوّلية هو 168 نتج عددا مثاليّا مكوّنا من 580 رقمًا، واللاّفت أنها تنتهي جميعًا إمّا بالرقم 6 أو بالرقم 8.
في الحلقة القادمة نعرض أفكارا أخرى تخصّ أعداد «ميرسين» وارتباطها بالأعداد المثلّثية أو الأعداد المسدّسية.
الهوامش
(1) Ivan Niven &Herbert S.Zuckerman, An Introduction to the Theory of Numbers, (Wiley Eastern Limited India 1993)3
Tom M. Apostol Introduction to Analytic Number Theory, (Springer International Student, Edition 1993)3
(2) Hartman RS. Prime Number and Cosmical Number. Philosophy of Science. 1942;9(2):190- 196. doi:10.1086/ 286764
(3) المرجع نفسه
(4) ليوبولد كرونيكر Leopold Kronecker (1823–1891) رياضيّ ألماني بارز، اشتغل أساسًا بنظريّة الأعداد والجبر والتحليل، وتُنسَب إليه «دلتا كرونيكر» الشهيرة.
عُرف بموقفه الفلسفي الصارم من الرياضيات.
(5) غربال إراتوستينس خوارزميّة قديمة وبسيطة لاستخراج الأعداد الأوَّليّة الأصغر من عدد معيّن، وذلك بحذف مضاعفات الأعداد ابتداءً من 2.
سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى «إراتوستينس»، ويُعدّ من أقدم الطرق المنظّمة لكشف الأعداد الأوَّليّة. و «إراتوستينس Eratosthenes» عالمٌ إغريقيّ عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، جمع بين الرياضيات والفلك والجغرافيا والشعر، وعُرف بقياسه المدهش لمحيط الأرض بدقّة كبيرة قياسًا بعصره.
(6) صوفي جرمان Sophie Germain (1776–1831) عالمة رياضيات فرنسيّة، برزت في نظريّة الأعداد والمرونة، واشتهرت بدراستها لبعض الحالات المرتبطة بمبرهنة فيرما الأخيرة. وتُنسب إليها أعداد صوفي جرمان الأوَّليّة، وهي أعداد أوَّليّة p يكون العدد 2p+1 أوَّليًّا أيضًا.
(7) كريستيان جولدباخ Christian Goldbach (1690–1764) رياضيّ ألمانيّ، عُرف بمراسلاته العلميّة مع كبار رياضيّي عصره، خاصّة ليونارد أويلر. اشتهر باسمه في حدسيّة جولدباخ، التي تقول إنّ كلّ عدد صحيح زوجي أكبر من 2 يمكن كتابته في صورة مجموع عددين أوَّليّين.
(8) مارين ميرسين Marin Mersenne (1588–1648) راهب فرنسي وعالم رياضيات وفيلسوف طبيعي، عُرف بدوره الكبير في مراسلة علماء عصره ونشر أفكارهم.واشتهر اسمه في الرياضيات عبر أعداد ميرسين، وهي أعداد من الصورة-1 2P ، حيث يكون p عددًا أوَّليًّا.
|




