بحوث
| بقلم |
![]() |
| م.لسعد سليم |
| الحج في القرآن الكريم (1/5) الفريضة والمناسك ومقاصدها |
نواصل بحثنا في الكبائر التي ورد فيها الأمر/النهي من الله جلّ جلاله في المدينة المنورة، ونتطرّق في هذه السلسلة من المقالات إلى فريضة الحجّ لبيت الله الحرام والتي جاء الأمر بها منذ أوّل الهجرة في سورة آل عمران (3-4ه): ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران: 96-97].
سورة البقرة ومناسك الحج
مع العلم أن هناك آيات متعلّقة بالحج وأحكامه نزلت قبل مجيئ الأمر بالفريضة وذلك في سورة البقرة (1-2ه) تزامنًا مع الفرائض الأربعة التي وردت «بصيغة كتب عليكم» (الوصية/الصيام/القصاص في القتلى/القتال في سبيل الله)، ابتداء بالطواف بالصفا والمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 158] وقوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189]. ثم يليها الأمر بحلق الرأس(1) بعد نحر الهدي (الأضحية) مع وجوب فدية يحدّدها الشخص نفسه من صيام أو صدقة أو نسك لمن لا يقدر على حلق رأسه لمرض أو أذى, وصيام 10 أيام لمن لا يجد هديًا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[البقرة: 196] .
هذا مع تبيان أنّ الحج يكون في أشهر معلومات: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ* لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ* ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[البقرة: 197-199]، مع النهي عن الرفث (الالتصاق/التلامس) والفسوق (استحلال المحرمات) والجدال (المناظرة على سبيل الغلبة) أثناء تأدية المناسك مقابل إباحة التجارة (تبتغوا فضلا من ربكم) والأمر بالإفاضة من عرفات مع باقي الناس.
وتختم الآيات في سورة البقرة بتحديد مدّة تأدية مناسك الحجّ بيومين على الأقل مع التذكير بوجوب تقوى الله في كلّ الأحوال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[البقرة: 203]، وهذا يبيّن بكلّ وضوح جواز القيام بفريضة الحج طوال الأشهر الحرم هذه مع إقامة يومين على الأقل في بيت الله الحرام وما جاورها (منى/مزدلفة).
فأشهر الحج معلومة عند العرب من قبل البعثة وهي الأشهر الحرم الأربعة لحرمة القتال فيها، حتّى يأمن الحجيج على أنفسهم وأموالهم في هذه المدّة والتي يجب أن تكون متتالية حتّى تفي بالغرض. فهم يقدمون من أقصى البقاع وبالتالي يحتاجون إلى مدّة زمانية للقدوم إلى مكة ثمّ الرجوع إلى ديارهم آمنين، الأمر الذي سيأتي بيانه لاحقا في سورة التوبة، وذلك بعد فتح مكة ودخول عملية الحج تحت سلطان المسلمين.
سورة الحج والهدف من هذه الفريضة
وتنزل بعد ذلك الآيات في سورة الحج ويبيّن فيها سبحانه الهدف من هذه الفريضة منذ بناء البيت الحرام من طرف سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل، وهو تجمّع للنّاس(2) لشكره سبحانه وحده على نعمة الأنعام (نحرها وإطعام الفقراء منها) وللعبادة (صلاة/ طواف) والتجارة. فالحج يشكّل تجمّعا لتوحيد الله من مختلف الأوطان والفئات، وهو أيضا دعوة مفتوحة من الله عزّ وجلّ للفقراء للتواجد أثناء أشهر الحج عند بيته المحرم في مكة لتناول لحوم الهدي والاختلاط بميسوري الحال للتعارف والتواصل، وذلك في تناغم مع العديد من الآيات التي تدعو الأغنياء ليس فقط إلى مساعدة الفقراء (دون منّ أو أذى) بل إلى تواصل واختلاط(3) مستمرَّيْن معهم وعدم تهميشهم وعزلهم اجتماعيا، وخاصّة على مستوى الأسرة (الرحم)، وذلك عكس ما نراه سائدًا في أيامنا هذه في بلداننا الإسلامية ممّا نتج عنه تشتّت أسري وتنامي عدد المناطق العشوائية بالقرب من المدن، حيث يعيش العديد من الناس في أوضاع صحية واجتماعية مزرية(4) ما يشكّل سببا أساسيا لتفشّي الجريمة في بلداننا: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ* لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ* ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ* لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ* وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ* الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾[الحج: 26-37]
فتح مكة
كما ذكرنا، فرض سبحانه الحجّ على المسلمين وبيّن أحكامه منذ أول الهجرة(5) ، وكانت مكة، وبالتالي عملية الحج كلّها، لا تزال تحت سيطرة قريش، ما يعني انتشار مظاهر الشرك فيها كتقديس الأوثان والعادات المتعلّقة بها، الأمر الذي من شأنه إيجاد نفور عند المسلمين الذين يحملون راية الإيمان والتي هدفها الأساسي هو مقاومة الشرك ودحره. إلّا أنّه سبحانه رغم ذلك كلّه، أمر المسلمين بالحج مبيّنًا لهم ما يجب تجنّبه كالأوثان في أماكن الصلاة وقول الزور (التجارة) وطبعًا عدم أكل هدي المشركين (أهل لغير الله به) وفي نفس الوقت مشاركة باقي النّاس (أيّا كان دينهم) في الطواف والإفاضة من عرفات.
وفي هذا الأمر حكمة بالغة، فالحج مناسبة للمسلمين للاختلاط بالناس من مختلف الأماكن والأديان، وبالتالي فرصة للتعريف بالإسلام بالسلوك قبل الأقوال (بلا جدال)، الأمر الذي تأكّد نجاحه في سورة الفتح إلى حدّ أن أقدمت قريش على منع المسلمين من زيارة بيت الله الحرام في موسم 6ه ، مخالفة بذلك أساسا من أسس ريادتها لعملية الحج وهي أن لا تمنع عنه أيّا كان، يقول تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾[الفتح: 25].
فهدف قريش الأساسي من الحج هو التجارة (مورد الرزق الأساسي لها) مع إعلاء كلمة الشرك (تعدّد الآلهة) لإرضاء أكبر عدد ممكن من القبائل العربية من جهة وللحفاظ على دورها الريادي في الشأن من جهة أخرى، الأمر الذي واجه تصدّعًا بظهور رسالة الإسلام أي التوحيد في مكة، عقر دار قريش. فما كان منها إلاّ أن شنّت حربًا بلا هوادة على رسول الله ﷺ وأتباعه لإدراكها أنّ الصراع وجودي بالنسبة لها ولمموّليها من المرابين، فالتجارة تقوم بالأساس على توفّر السيولة المالية (و ضمانها) والتي تكون متوفّرة خاصّة عند المرابين الذين غالبًا ما يكونون من اليهود(6).
واستمر هذا الصراع بعد هجرة رسول الله ﷺ وأصحابه من مكة، بقيادة قريش التي أبرمت العديد من التحالفات مع القبائل المشركة واليهودية للقضاء على الكيان الإسلامي الذي قام بالمدينة بقيادة رسول الله ﷺ، إلاّ أنّها مُنيت بالعديد من الهزائم خاصّة في واقعة الأحزاب (الخندق، 5ه) هذا مع نجاح المسلمين في الدعوة إلى توحيد الله عزّ وجلّ أثناء الحج، الأمر الذي جعل قريش كما ذكرنا سالفًا تلجأ إلى منعهم منه في السنة التالية، سنة 6 هـ ، حيث انتهت المناوشات بإبرام صلح الحديبية.
إلا أنّ منع المسلمين من الحج ومن ثَمَّ إبرام صلح الحديبية مع الهزائم العسكرية التي منيت بها، أفقد قريش هيبتها بين القبائل العربية و بالتالي أضعف موقفها في تشكيل التحالفات وفي قيادة تلك التحالفات لمحاربة المسلمين، فكانت بداية نهايتها، وهو الأمر الذي اكتمل في رمضان (8ه) بفتح مكة والقضاء على (كيان) قريش كرائدة للشرك ومن ثمّ دخول مكة وعملية الحج كلها تحت سلطان المسلمين: ﴿ لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[الفتح: 27]. وفي نفس الآية يصف سبحانه المؤمنين بالمقصّرين (شعر الرأس) وفي هذا إشارة إلى جواز القيام بذلك في حالة عدم إمكانيّة حلق الرأس كاملا لمرض أو أذى.
كيف ستتغيّر أحكام الحج بعد فتح مكة ودخولها تحت سلطان المسلمين، وما الذي ستضيفه سورة المائدة إلى هذه المنظومة؟ هذا ما نتناوله في الحلقة الثانية.
الهوامش
(1) حلق الرأس من أهم عوامل النظافة وبالتالي الصحة (الوقاية من الطفيليات والأمراض الجلدية في الرأس، خاصة في بيئة جماعية مزدحمة كالحج/الثكنات...إلخ). وفي هذا حكمة بالغة من الله عزّ وجلّ حين ربط العديد من العبادات بالنظافة (الطهارة) البدنية، و ذلك من أجل صحة الفرد في زمن لم يكن ليدرك ذلك وحده خاصة في بيئة تتعارض مع هذه التعليمات، كالأمر بالوضوء قبل كلّ صلاة. وهذا من تعليم الله سبحانه البشريةَ أمورًا أساسية لتمدّن الإنسان، ما كان ليدركها بنفسه. كالكتابة التي هي أساس الحضارة و التي و إن كانت تظهر لنا اليوم بديهية إلا أنها من الأمور التي كان سبحانه يحضّ عليها عن طريق الأنبياء و الرسل. ففي أول الآيات نزولا يأمر الله بالقراءة (و بالتالي الكتابة): «اقرأ بسم ربك...»، مضيفا أن التعليم يكون بالكتابة (القلم): «وربك الأكرم الذي علم بالقلم...»، و في سورة تالية يقسم سبحانه بالقلم نفسه : «ن و القلم و ما يسطرون ...»،حتى إن أطول آية نزلت تتعلّق أيضا بالكتابة (التداين): «يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ....(282)/البقرة. وهذه من نعم الله عزّ وجلّ على البشرية كلها، التي لولاه لكان حالها حال بعض شعوب أستراليا أو الأمازون التي تعيش إلى يومنا هذا حياة بدائية، فله الحمد و الشكر على هذه النعمة و غيرها التي لا تحصى ولا تعدّ
(2) باستثناء المشركين، و هو ما سيقع فرضه لاحقا بعد فتح مكة ودخولها تحت سلطان المسلمين (سورة التوبة/الآية28)
(3) خاصة فيما يتعلق باليتامى/الميراث/الزواج: كقوله تعالى: ﴿...وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَٰمَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌۭ لَّهُمْ خَيْرٌۭ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَٰنُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾[البقرة: 220]، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[النساء: 8]، وقوله:﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ﴾[النور: 32]؛ فهذه الآيات موجّهة لميسوري الحال تحثّهم على التعايش و الاختلاط باليتامى/الفقراء (الصالحين) قصد التضامن والتكافل. وقد كان الرسول ﷺ أيضا قدوة في هذا الأمر بدعوة المحتاجين إلى الطعام حتى في بيته، يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتَ ٱلنَّبِىِّ إِلَّآ أ ن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنتَشِرُوا...﴾[الأحزاب: 53]. هذا وإن ورد الأمر بمساعدة المساكين واليتامى بقطع النظر عن دينهم/صلاحهم إلاّ أنّ الدعوة للاختلاط والتكافل تركّز على المؤمنين والصالحين منهم.
(4) والذي أصبح حالهم يشبه حال فئة «المنبوذين» في الديانة الهندوسية المشركة التي تتدعي أنّ الآلهة غضبت علهم فاستحقّوا هذا الوضع، فيجب الابتعاد عنهم و حتّى «عدم لمسهم» مع استغلالهم في الأعمال الشاقة. وقد شجّع فقهاء المذاهب على هذا التوجّه الطبقي بحصر التعامل مع الفقراء والمساكين على المساعدة العينية وحدها مع إهمال عامل الاختلاط (والنصوص القرآنية التي وردت في الشأن خاصة في ما يتعلق بتآخي المهاجرين والأنصار) وحتى هذه المساعدة العينية جعلوها (%2.5) في زكاة المال، وهي نسبة تثير السخرية خاصّة في العديد من البلدان الإسلامية حيث الأغلبية تعيش فقرا مدقعا. في مقابل ذلك نجد بلدان «علمانية» تقتطع حتى %50 من مداخيل ميسوري الحال، فهل هذه الشريعة التي ندعو إلى تطبيقها؟؟ مع العلم أنه سبحانه لم يحدد نسبة معيّنة للزكاة بل تركها للمجموعة تقرّرها حسب الزمان/المكان و اختلاف الأوضاع.
(5) في تعارض مع الموروث «الفقهي» الذي يكاد يجمع على أن حج المسلمين كان بعد صلح الحديبية
(6) كما أخبرنا عنهم عزّ و جلّ: ﴿فبظُلْم مِنَ الَّذِين هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (161) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾[النساء: 162]، الأمر الذي شكّل سابقة خطيرة بصفتهم موحّدين و أصحاب كتاب محرّم عليهم أخذ/أكل الربا. و لم يكتفوا بإباحة كبيرة من الكبائر بل عملوا على جعلها من أسس المعاملات المالية في العالم المسيحي عن طريق البروتستانتية الكالفينية، نسبة إلى القسّ «جان كالفن» (ت1564م) الذي أباح الربا، مخالفا بذلك مؤسّس البروتستانتية، القسّ «مارتن لوثر»(ت1546م) ومن ثمّ إنشاء «بنك إنجلترا» (1694) يليها «بنك فرنسا» (1800) ثم في العالم الإسلامي «البنك الإمبراطوري العثماني» (1856) يليه «البنك الأهلي المصري» (1898) و ذلك في تحالف مع القوى المالية المحلية من أجل السيطرة و التحكّم في هذه البلدان حتى يومنا هذا (انظر،«استعباد العالم، نهب على الطريقة اليهودية» لفالنتين كاتاسونوف/ ترجمة د. إبراهيم استنبولي)
|




