نفحات

بقلم
د. عبد الفتاح أبوماضي
الزَّمنُ بَينَ مِيزانِ الخَالِقِ وَطُغيانِ الإنسانْ
 يقول المولى عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾[الفرقان: 47] 
أَنَامِلُ الفِطْرَةِ أَمْ مَقَاصِلُ الآلَةِ؟
 فِي مُحاولة للحياة في ظلال الآية، وفي هَذِهِ الكَلِمَاتِ القرآنية تَتَجَلَّى للنفس البشرية هَنْدَسَةٌ كَوْنِيَّةٌ مَيّاسة، تتناسب مع الإنسانيّة لا لتَجْعَلِ النُّشُورَ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ عَفْوِيَّةٍ، بَلِ انْبِعَاثاً طَامِحاً تتَناغم فِيهِ نَفَسُ الإِنْسَانِ مَعَ دَوَرَانِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ. إِنَّ اللهَ الَّذِي بَيّنَ ثمّ أَمَرَ :﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾[الملك: 15]. لَمْ يَتْرُكْ طَرِيقَ السَّعْيِ هَمَلاً بِلَا دَلِيلٍ، بَلْ رَبَطَ إِدَارَةَ الوَقْتِ بِتَقَلُّبِ الأَنْوَارِ وَالظِّلَالِ، لِتَكُونَ هَذِهِ التَّبَعِيَّةُ لِلْفَلَكِ أَحَدَ أَعْظَمِ مُؤَشِّرَاتِ النَّجَاحِ في إدارة الوقت اليومي وَحياة الإنسان، وآيةَ انسجام النفس البشرية مع باقي مخلوقات الكون.
 بَيْدَ أَنَّ البشريَّةَ اليَومَ، فِي هَجِيرِ مَدنِيَّتها المُعَاصِرَةِ، تَخُوضُ مُوَاجَهَةً صَامِتَةً خَفِيَّةً بَيْنَ هَذَا المِيزَانِ الرَّبَّانِيِّ المَرِنِ، وَبَيْنَ نِظَامٍ رَأْسِمَالِيٍّ صِنَاعِيٍّ صَلْدٍ، طَحَنَ إِنْسَانِيَّةَ الإِنْسَانِ وَحَبَسَهُ خَلْفَ أَسْوَارِ «الثَّامِنَةِ صَبَاحاً» وَجَحِيمِ العمل المُتَوَاصِلِ، مِمَّا حَوَّلَهُ مِنْ كَائِنٍ مَوْصُولٍ بحركة مخلوقات السَّمَاءِ، إِلَى مُجَرَّدِ تِرْسٍ أَعْمَى يَدُورُ فِي فَلَكِ السَّاعَةِ المِيكَانِيكِيَّةِ.
إِنَّ النَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ لِلْمُجْتَمَعَاتِ لَا يُقَاسُ بَكَمِّيَّةِ السَّاعَاتِ الجَافَّةِ الَّتِي يقضّيها الإنسان في هجير العمل، بَلْ بِـ «بَرَكَةِ الوَقْتِ» الَّتِي تَتَنَزَّلُ حِينَ يَتَنَاغَمُ الجَسَدُ مَعَ نَبْضِ الخَلْقِ؛ فَثَوْرَةُ النُّشُورِ تَنْطَلِقُ فِطْرِيّاً مَعَ انْبِثَاقِ الغَزَالَةِ وَشُرُوقِ الشَّمْسِ، حَيْثُ تَتَحفَّزُ الطَّاقَاتُ الذِّهْنِيَّةُ وَالبَدَنِيَّةُ فِي أَوْجِهَا، تَصْدِيقاً لِلتَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»(1). 
فَإِذَا امْتَدَّ السَّعْيُ النَّقِيُّ مِنَ الشُّرُوقِ إِلَى قُبَيْلِ زَوَالِ الشَّمْسِ، اسْتَفْرَغَ العَبْدُ صَفْوَةَ طَاقَتِهِ الإِنْتَاجِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ تَصْدَمَهُ المَادِّيَّةُ الحَدِيثَةُ بِفَرْضِ العَمَلِ المُتَوَاصِلِ فِي أَوْقَاتِ الهاجِرَةِ، وَهِيَ العَتَبَةُ الكَوْنِيَّةُ الَّتِي تَكِلُّ فِيهَا الحَوَاسُّ وَتَتُوقُ النَّفْسُ فِيهَا إِلَى سَكْتَةٍ قَصِيرَةٍ تَجْمَعُ بِهَا شَتَاتَ أَمْرِهَا، كَمَا قَدَّرَها الخَالِقُ فِي فِطْرَةِ خَلْقِهِ.
وَمِنْ رَحْمَةِ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ أَنْ جَعَلَ لِلْعَبْدِ فترة مِنَ الرَّاحَةِ، فَيَنْسَحِبُ مِنْ غُبَارِ السَّعْيِ قُبَيْلَ  الظُّهْرِ لِيَأْوِيَ إِلَى ظِلَالِ السَّكِينَةِ وَالقَيْلُولَةِ، مُسْتَجِيباً لِنِدَاءِ سَاعَتِهِ البِيُولُوجِيَّةِ، ثُمَّ يَعُودُ بَعْدَ أَنْ تَبْرُدَ الدُّنْيَا وَتَنْكَسِرَ حِدَّةُ الشَّمْسِ بِمِنْظَارٍ نَفْسِيٍّ جَدِيدٍ وَهِمَّةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، لِيُتِمَّ سَعيَه حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَيَضَعَ أَدَوَاتِهِ قُبَيْلَ المَغْرِبِ مُسْتَقْبِلاً لَيْلَهُ بِقَلْبٍ مَجْمُوعٍ.
 هَذَا التَّدَفُّقُ المَرِنُ بَيْنَ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ هُوَ جَوْهَرُ الِاقْتِدَارِ عَلَى الزَّمَنِ، بَيْنَمَا يَقْذِفُ نِظَامُ الدَّوَامِ الرَّأْسِمَالِيِّ المُتَوَاصِلِ بِالمَرْءِ إِلَى خَدَرِ الروحِ، فَيَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ عَصْراً كَمَيِّتٍ لَمْ يُقْبَرْ، فَلَا هُوَ أَدْرَكَ بَرَكَةَ النَّهَارِ فِي المَنَاكِبِ، وَلَا هُوَ تَذَوَّقَ سَكِينَةَ اللَّيْلِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ لِبَاساً.
إِنَّ هَذَا الِانْفِصَامَ بَيْنَ حَرَكَةِ الإِنْسَانِ وَحَرَكَةِ الأَكْوَانِ هُوَ جَذْرُ الإِخْفَاقِ الحَضَارِيِّ وَالشَّقَاءِ النَّفْسِيِّ المُعَاصِرِ؛ إِذْ تَعِيشُ البَشَرِيَّةُ اليَوْمَ تَحْتَ وَطْأَةِ «الِاقْتِصَادِ الكَمِّيِّ» الَّذِي يَقِيسُ كَفَاءَةَ النَّفْسِ بِسَاعَاتِ الحُضُورِ الآلِيِّ لَا بِبَرَكَةِ النِّتَاجِ الفِطْرِيِّ.
وما نحن بحاجة إليه ليس ترميمًا لبطاقات الدوام، بل صحوةٌ عميقةٌ تُعِيدُ حَوْكَمَةَ الأَوْقَاتِ بِمِعْيَارِ الوَحْيِ، لِيَتَنَاغَمَ الفَرْدُ وَالمُجْتَمَعُ فِي هَنْدَسَةِ النَّجَاحِ مَعَ المَلَكُوتِ كُلِّهِ، مستبصرَيْن بِرحمة الله: ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[القصص: 73]؛ 
فَالسَّعْيُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَا وَافَقَ مَدَارَ النَّهَارِ، وَالسَّكَنُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَا وَافَقَ هُبُوطَ الظُّلْمَةِ، لِيَسْتَقِيمَ مِيزَانُ العَيْشِ بَيْنَ عِمَارَةِ الأَرْضِ وَصِيَانَةِ الرُّوحِ.