وجهة نظر
| بقلم |
![]() |
| د.أشواق طالبي المصفار |
| التّغريب وأثره في هوّية المرأة العربيّة المسلمة: (1/2) التّغريب والهُوّية: المفاهيم والأبعاد |
1. المقدّمة
لمّا خلق الله مخلوقاته البشريّة لم يتركهم يتيهون في ثنايا التّجارب الحيّويّة ضمن آفاق هذا الوجود الواسع، وإنّما أيّدهم بالرّسل ودعّمهم بالأنبياء وهداهم بالوحي الّذي قال فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[ الحجرات: 13]، وإذا رسمت هذه الآية الصّورة النّموذجيّة للتّعامل الإيجابي والتّفاعل الخلّاق، والتّعايش السّلمي، فإنّ طغيان البشر وتنكّبهم عن سبيل الصّراط السّوي جعلهم يشعرون بالاستكبار عبر تطوّرهم في الصيرورة التّاريخيّة وتمكّنهم من توظيف الطبيعة إلى صالحهم، فأظهر المتفوّقون منهم حبّ السّيطرة على الضعفاء من أصحاب الانتماء الاجتماعي والاقتصادي البدائي أو من ذوي اللّون المختلف.
وتدريجيًّا ظهرت الحروب وظهر تقسيم العالم إلى غرب وشرق، وكان الغرب قويًّا والشرق ضعيفًا، وقد تعدّدت أشكال الهيمنة والسّيطرة، فبعد الاستعمار المباشر ظهر الاستعمار الثّقافي غير المباشر القائم على الاستلاب وتشويه الهُوّيّات، والرّغبة في تثبيت دوران الهامش في فلك المحور على حدّ عبارة سمير أمين(1) (2).
ومن هذه الأساليب اللّاماديّة ظهر التّيّار الثّقافي المعروف بالتّغريب الدّاعي إلى سيادة نمط العيش الغربي في كامل أصقاع المعمورة، وكان لا بدّ للتّغريب من إزاحة كلّ هويّة مختلفة عنه لأنّها تُمثّل عائقًا له، فأنجز دراسات استراتيجيّة كثيرة تُذلّل المصاعب أمامه، فكان الاهتداء إلى بوّابة المرأة الّتي نجح التّغريب في تهميشها، فإنّ تشويه الهويّة وإذابتها يُصبح أمرًا هيّنًا لأنّ المرأة هي العمود الفقري في البناء الاجتماعي، فهي نصف المجتمع والنصف الآخر يُربّى على يديْها. فما المقصود بالتّغريب؟ وما معنى الهُوّيّة؟ وما هي الآثار السالبة الّتي يُخلّفها التّغريب في المجتمع بصفة عامّة وفي المرأة بصفة خاصّة؟
2. تعريف التّغريب
يجدر البدء في هذا المجال بتحديد مفهومَي التّغريب والهُوّيّة من أجل ضبط الإطار النّظري الّذي تندرج فيه هذه المعالجة للآثار الّتي يُخلّفها التّغريب في هُوّيّة المرأة العربيّة المسلمة في المستويات المتعدّدة من حياتها. وبالإضافة إلى هذه الضرورة المنهجيّة يضطلع تحديد هذين المصطلحين بوظيفة التّواصل مع القارئ بوصفه متلقّيًا. فما معنى التّغريب؟
يُعدّ التّغريب تيّارًا فكريًّا وتوجّهًا حضاريًّا يتميّز بأبعاده العديدة والمتنوّعة فمنها: السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، والفنّي. وهذا التّيّار يستهدف طبعَ حياة الأمم بالطابع الغربي بما في ذلك نمط العيْش وطبيعة الأذواق، ما ينجرّ عنه التّبعيّة الكاملة للحضارة الغربيّة. وينبني هذا التّوجّه الثّقافي العامّ على أفكار، ومعتقدات، وتصوّرات. وفي هذا الإطار يندرج ما ذهب إليه المستشرق والمؤرّخ الإسكتلندي «هاملتون جب» (3) من أنّ: «أهمّ مظاهر سياسة التّغريب في العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة»(4)، بما في هذا البعث من إرادة في تشكيل ثقافة العالم الإسلامي، وإعادة تشكيلها على الصورة الّتي يرتضيها الغرب خادمةً لأغراضه ومُحقّقةً لأهدافه. وقد أعلن هذا المفكّر في كتابه هذا عن الهدف الحقيقي للتّغريب المتمثّل في معرفة درجة تطويع الشرق للغرب، والعوامل التي تحول دون تحقيق هذا التّطويع.
وفي الإطار ذاته يذهب المفكّر الأمريكي لورنس براون(5) إلى أنّ الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام المتكامل القادر على التّوسّع بما فيه من حيويّة وطاقة فعّالة. إنّه الجدار الحصين الوحيد الّذي يُمكن أن يتصدّى للاستعمار الغربي ويقف في وجهه، فالمسلمون إذا اتّحدوا في إمبراطوريّة عربيّة أمكن لهم أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرًا، كما يمكن أن يصبحوا أيضًا نعمة له، أمّا إذا بقوا متفرّقين فإنّهم يظلّون حينئذ بلا وزن ولا تأثير(6). وعليه كشف هذان المفكّران عن الوجه الحقيقي للتّغريب، المتمثّل في أن يتطبّع المسلمون بطبائع أهل الغرب.
إنّ مصطلح «التّغريب» يمكن إجماله في كونه يدلّ على عمليّة التّأثّر غير الواعي بالقدر الكافي بالثقافة الغربيّة في مختلف مجالات الحياة، سواء على المستوى الفكري، والثّقافي، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي. وهو ينحصر في تبنّي القيم الغربية والعادات والنظم والأذواق والمفاهيم الغربيّة، ويكون ذلك عادة على حساب الهُوّيّة الّتي تتميّز بخصوصيّات ثقافيّة وحضاريّة.
3. أنواع التّغريب
وللتّغريب أنواع يُمكن حصرها كالآتي: التّغريب الفكري والثّقافي. والتّغريب الاجتماعي والتّغريب السياسي . والتّغريب الاقتصادي. ففي المستوى الفكري والثّقافي نجد الهيمنة تتجلّى في المجال الفلسفي والأدبي والفنّي. وفي المستوى الاجتماعي يظهر التّغريب في تبنّي العادات والتقاليد، في اللباس، والأطعمة ,أشكال الترفيه. وأمّا في المستوى السياسي، فإنّ التّغريب يظهر في تبنّي السياسة الغربيّة كالنظام الديمقراطي الليبرالي والتّأثّر بالنموذج الغربي في الحكم والإدارة. وفي المستوى الاقتصادي يتجلّى التّغريب في اعتماد النظم الرأسماليّة الغربيّة، والتخلّي عن النظم الاقتصاديّة التقليديّة أو المحليّة لصالح اقتصاد السوق الخاضع للعرض والطلب والاستهلاك المفرط (7).
وما من شكّ، في أنّ لكلّ ظاهرة أسبابًا. وأسباب التّغريب تكمن في ضعف الهُوّيّة الثقافيّة وغياب الوعي بأهمّيّة التراث المحلي؛ و«القابليّة للاستعمار» على حدّ عبارة مالك بن نبي(8)، وعبّر عنها عبد الرحمن بن خلدون بقوله: «المغلوب مولع أبدًا بتقليد الغالب»(9)، ما يدعو إلى ضرورة الوقوف على مفهوم الهُوّيّة.
4. مفهوم الهُوّية
يُمكن الإشارة إلى أنّ الهُوّيّة مصطلح يعني جملة الخصائص والسمات والمعتقدات والقيم ، والضوابط القيّميّة الأخلاقيّة المخصوصة التي تُعرّف الشخص أو المجموعة البشريّة، وتشكل تفرّدهم وإحساسهم بالذات. وكلمة «هويّة» مشتقّة من الضمير «هُوَ»، وعرّف الشريف الجرجاني(10) في كتابه التعريفات، الهويّة بأنّها «الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة»(11).
وعمومًا يمكن اعتبار الهويّة خلاصة الأبعاد الانتمائيّة المتعدّدة، وهي مفهوم يشير إلى الخصائص التي تميّز فردًا أو جماعة عن غيرهما، وتُعَرَّف بأنّها «الإحساس بالذاّتيّة» الّتي تحدّد طبيعة الأنا، بما في ذلك السمات الثّقافيّة، والاجتماعيّة، والشخصيّة، والدينيّة.
والهُوّيّة ثمرة طبيعيّة لتفاعل عدّة عوامل، منها : الخصائص الثقافيّة الّتي تدور حول اللّسان، والعادات، والتقاليد، والمعتقدات. وكذلك الخصائص الاجتماعيّة الّتي تتركّز في الجنس، والعرق، والطبقة الاجتماعيّة، والانتماء السياسي. وكذلك نجد الهُوّيّة الشخصيّة وهي تشمل الصفات الفرديّة ، والأفكار، والمواقف..
وبالإضافة إلى ذلك نجد الهُوّيّة الوطنيّة الّتي تدور حول الانتماء إلى مجتمع بعيْنه؛ كما توجد الهويّة الدينيّة الّتي تُبرز اعتقاد الفرد واقتناعه بدين معيّن. والجدير بالملاحظة، في هذا المقام أنّ الهويّة قد تكون ثابتة كما تكون متطوّرة مع مرور الوقت نتيجة للوعي بالذّات ولتزايد التّجارب الشخصيّة، والتفاعل مع الآخرين ولا سيّما المختلف منهم.
وخلاصة القول، الهويّة هي أنّ المرء لا يشبه أيّ شخص آخر انطلاقا من معرفة النّفس، وهي جوهر تتحدّد معالمه منذ ولادة المرء ولكنّه متحوّل مع الوقت. وهذا الجوهر يُحدث في السّلوك البشري تغييرات عميقة إذ يتكوّن من عناصر انتمائيّة هي اللّغة والدّين والطّبقة والوطن(12).
5. أثر التّغريب في هُوّية المرأة العربية المسلمة
إذا اعتبارنا أنّ المرأة عنصر حيويّ داخل المجتمع، انطلاقًا من خليّته الأولى الّتي هي الأسرة(13)، فبالإمكان الحديث عن آثار عامّة تشمل المجتمع بأسره، وعن آثار خاصّة تمسّ المرأة بصفة مباشرة فما هي هذه الآثار العامّة؟
1.5. الآثار العامّة
يُمكن رصد هذه الآثار في الصورة المكبّرة ضمن فقدان الهُوّيّة الثّقافيّة وذبول القيم والتّقاليد المحليّة، وتغذية الحرب الاجتماعيّة المجسّدة في الصراع الثّقافي بين الأجيال بسبب درجة التّأثّر بالثقافة الغربيّة، فالجيل القديم يرفضها والجيل الجديد يتبنّاها، وهكذا تتعزّز التّبعيّة الفكريّة والاقتصاديّة للغرب المهيْمن. ومن ثمّ تتمزّق الثّقافة المعبّرة عن الهُوّيّة بين تيارين: تيّار يدعو إلى الحفاظ على الأصالة الثّقافيّة ومقاومة التّأثير الغربي، وتيّار آخر يدعو إلى حدّ الانبهار إلى الأخذ بثقافة الغرب لأنّها سبيل التّقدّم والتّطوّر.
والنتيجة الحاصلة من ذلك تتمثّل في إضعاف الهُوّيّة الثقافيّة والدينيّة، ومن ثمّ تتراجع القيم ويضعف الوازع الأخلاقي أمام القيم الغربيّة فيضعف الشعور بالانتماء الثّقافي والدّيني لدى الأجيال الجديدة، وهو عين التّبعيّة في كلّ المجالات، إذ يقع تبنّي المفاهيم الوافدة دون نقد أو مراجعة، فيظهر فقدان القدرة على تقديم نماذج بديلة محليّة لإصلاح الذّات بوصفه شرطًا للتقدّم والتطوّر والتنمية. فلا غرو، في أن تتفكّك شبكة العلاقات الاجتماعيّة وتتفتّت نواة الأسرة نتيجة انتشار النّماذج الغربيّة القائمة على علاقات زوجيّة نابعة من تربة ثقافيّة وتربويّة مغايرة للثّقافة الإسلاميّة. فلا يعجب المرء، حينئذ، من انتشار أنماط حياة تتعارض مع القيم المجتمعيّة المحليّة.
إنّ البُنى الاجتماعيّة شديدة التّرابط فيما بينها فلا يمكن للاقتصاد أن يتطوّر بينما يظلّ المجالان الاجتماعي والسياسي متخلّفين، والعكس بالعكس. ولذلك تُخيّم- على المجتمعات الّتي تُسمّى بالنامية- سمات التّخلّف الّذي يتجلّى في جعل المجتمعات النامية سوقًا للاستهلاك بدلاً من الإنتاج ما يزيد في درجة التّبعيّة الاقتصاديّة للغرب عبر الديون والاستثمارات الأجنبيّة. وضمن هذا الإطار العامّ يُمكن للدّارس أن يرصد آثار التّغريب في شؤون المرأة العربيّة المسلمة وأحوالها.
الهوامش
(1) سمير أمين (3 سبتمبر 1931 – 12 أغسطس 2018) مفكّر واقتصادي مصري-فرنسي، يُعدّ من أبرز منظّري التبعيّة والتنمية غير المتكافئة ونقد المركزية الأوروبية والنظام الرأسمالي العالمي. وُلد في القاهرة وتوفي في باريس، وترك إسهامات بارزة في دراسة علاقة «المركز» بـ«الأطراف» وقضايا الاستعمار والإمبريالية والتنمية في بلدان الجنوب.
(2) يُنظر أمين سمير، التّطور اللامتكافئ، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط 1، 1974، ص 30 وما بعدها.
(3) السير هاملتون ألكسندر روسكين جب (Sir Hamilton Alexander Rosskeen Gibb)، المعروف اختصارًا بـ H. A. R. Gibb، وهو مستشرق ومؤرّخ إسكتلندي متخصّص في الدراسات العربية والإسلامية، وُلد في الإسكندرية يوم 2 يناير 1895 وتوفي في إنجلترا يوم 22 أكتوبر 1971. درّس العربية في لندن وأكسفورد، ثم عمل أستاذًا في جامعة هارفارد، وكان من أبرز دارسي الإسلام والشرق الأوسط في القرن العشرين
(4) هاملتون جب، إلى أين يتجه الإسلام، تعريب محمد مصطفى حلمي، دار النشر Victor Gollancz Ltd، لندن، 1932، ص 92.
(5) لورنس إدوارد براون (Laurence Edward Browne، 17 أبريل 1887 – 29 مايو 1986)، باحث ولاهوتي بريطاني وأستاذ في الأديان المقارنة، اهتمّ بالإسلام والعلاقة بين الإسلام والمسيحية. من أبرز مؤلفاته The Prospects of Islam، الصادر في لندن سنة 1944
(6) لورنس إدوارد براون، The Prospects of Islam، S.C.M. Press، لندن، 1944، ص 9–10 و37. يُنظر أيضًا: مصطفى الخالدي وعمر فروخ، التبشير والاستعمار في البلاد العربية، في المواضع التي ينقلان فيها النص عن براون.
(7) يُنظر ماجدوف هاري، الامبريالية من عصر الاستعمار حتى اليوم، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط 1، 1981، ص 152 وص225.
(8) ابن نبي مالك، ميلاد مجتمع (شبكة العلاقات الاجتماعية)، تعريب عبد الصبور شاهين، إصدار ندوة مالك بن نبي، دار الفكر، دمشق، ط 2، 1974، ص 38.
(9) ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، الجزء 2، تحقيق علي عبد الواحد وافي، دار النهضة، مصر، ط 1، 1984، وبالتحديد الفصل الثالث، الباب الثاني، ص 145.
(10) الشريف الجرجاني هو علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني، المعروف بـالسيد الشريف الجرجاني، عالم وفيلسوف ولغوي وفقيه من كبار علماء القرن الثامن الهجري. وُلد قرب جرجان سنة 740هـ/1340م، وتوفي في شيراز سنة 816هـ/1413م. اشتهر بسعة معارفه في اللغة والمنطق والفلسفة وعلم الكلام، ومن أشهر مؤلفاته «كتاب التعريفات» الذي يشرح فيه المصطلحات العلمية والفلسفية والكلامية، وهو المرجع الذي استُشهد به في المقال عند تعريف مفهوم «الهوية»
(11) الجرجاني محمد السّيد الشريف، معجم التّعريفات، تحقيق محمّد صدّيق المنشاوي، دار الفضيلة، مصر، ط 1، 2004، ص 216.
(12) يُمكن العودة في هذا المجال إلى معلوف أمين، الهوّيات القاتلة، دار الفرابي، بيروت، ط 2، 2011، ص 20 وما بعدها.
(13) يُنظر علاسوند فريبا، المرأة في الإسلام، تعريب أحمد الموسوي وعباس جواد، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، لبنان، ط 1، 2017، ص 233.
|




