في العمق

بقلم
د.كمال جعبر
الحدود والهويّة في المجتمعات المحلية بالمغرب العربي: من الانغلاق الجغرافي إلى أفق التنمية (1/3) ال
 المقدمة:
رسمت التصوّرات الكولونياليّة حدودًا فاصلة بين بلدان المغرب العربي، شكّلت فيما بعد مجالات جغرافية للسيادة وأطرًا لهويّات مجزّأة. أصبحت الحدود في البلدان المغاربية تعبر عن تقاطعات في الهويّة والثقافة، وتبرز تعقيدات العلاقة بين المحلّي والوطني. لكنّ الحدود لم تقتصر على فرز فواصل لأنماط عيش وهويّات خصوصيّة فحسب، بل ظلّت فضاءً للّقاء والتعايش، تتشكّل فيه هويّات جديدة وتتكامل. في هذا السياق، تغدو الهويّة في المجالات الحدودية بنية حيويّة وديناميكيّة منفتحة تتجاوز تصوّرات الفصل والأحادية، إذ ترسم لنفسها ملامح مترنحة بين الانغلاق الجغرافي الذي فرضته المصالح  الكولونياليّة، وبين الانفتاح الثقافي والتكامل الاجتماعي الذي فرضه واقع المجال والتاريخ المشترك بين الشعوب. أدّى الانغلاق الجغرافي إلى بروز أشكال من التكيّف الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمعات المغاربية، لكنّها ظلّت رهينة التهميش التنموي. لا تمثّل هذه الهويّات المحلية عوائق، بل يجب النظر إليها بوصفها رؤوس أموال وموارد ثقافية واجتماعية قادرة على دعم مشاريع التنمية المستدامة. لا تُعدّ الهوية معطًى جامدًا، بل تتحوّل إلى بناء رمزي وتاريخي، وتصبح أفقًا مفتوحًا على إمكانات جديدة للتفاعل والتكامل.                                             
تكمن جدة الموضوع في أنه يضعنا أمام مفارقة تثيرها الحدود. فبينما ظلت الحدود ضمن التصورات التقليدية بوصفها فواصل وجدرانًا تعزل الدول عن بعضها البعض، يكشف الواقع عن وجه آخر للحدود يجعلها فضاءات بينية للتواصل وجسورًا للتعايش والتلاقح الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. تتحول الحدود من عزل جغرافي إلى رافد للتنمية في البلدان المغاربية. كيف أسهمت  الحدود في تشكيل الهويات المحلية بالمغرب الكبير، وكيف يمكن إعادة التفكير فيها بوصفها أفقًا  للتنمية والتعاون الإقليمي؟ لمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، سنسعى في مرحلة أولى إلى تبيان ما تحمله الحدود من انغلاق جغرافي وانفصال رمزي، ثم بيان الاندماج الحدودي والهوية المحلية، وأخيرًا إبراز أفق التنمية العابرة للحدود في الفضاء المغاربي.
1. الحدود: بين الانغلاق الجغرافي والانفصال الرمزي:
1.1 في دلالة الحدود: 
    يكتسي مفهوم الحدود أهمية بالغة، إذ يتقاطع مع الفكر الأنثروبولوجي والاجتماعي والسياسي والقانوني والفلسفي. فهو مفهوم مركب ومتعدد المعاني اللغوية والاجتماعية والثقافية، بدءًا من الحدود الطبيعية والجغرافية وصولًا إلى الحدود السياسية والاجتماعية والثقافية. ويعرّف العلامة ابن منظور في لسان العرب الحدود كالتالي: « حدد: الحدّ: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدّى أحدهما على الآخر، وجمعه حدود. وفصل ما بين كلّ شيئين: حدّ بينهما. ومنتهى كلّ شيء: حدّه، ومنه: أحدّ حدود الأرضين وحدود الحرم.... وفي الحديث في صفة القرآن: “ كلّ حرف حدّ ولكلّ حدّ مطلع“ قيل: أراد لكل منتهى نهاية. ومنتهى كل شيء: حده. وفلان حديد فلان إذا كان داره إلى جانب داره أو أرضه إلى جنب أرضه. وداري حديدة دارك ومحادتها إذا كان حدّها كحدّها. وحدّدت الدار أحدها حدّا والتحديد مثله، وحدّ الشيء من غيره يحدّه حدّا وحدّده: ميّزه. وحدّ كلّ شيء: منتهاه لأنّه يردّه ويمنعه عن التمادي، والجمع كالجمع. وحدّ السارق وغيره: ما يمنعه عن المعاودة ويمنع أيضا غيره عن إتيان الجنايات، وجمعه حدود. وحدّدت الرجل: أقمت عليه الحد. والمحادّة:المخالفة ومنع ما يجب عليك... »(1).          
أما المعجم الوسيط فيُعرّف الحدود كالتالي:« الحَدُّ: الحاجِزُ بينَ شَيْئَيْنِ، ومُنْتَهى الشيءِ، والدَّفْعُ، والمَنْعُ، كالحَدَدِ، وتأديبُ المُذْنِبِ بما يَمْنَعُهُ وغيرَهُ عن الذَّنْبِ، وما يَعْتَرِي الإِنْسانَ من الغضبِ والنَّزَقِ، كالحِدَّةِ، وقد حَدَدْتُ عليه أحِدُّ، وتمييزُ الشيءِ عنِ الشيءِ، ودارِي حَديدَةُ دارِهِ،»(2).  في حين يعرف معجم متن اللّغة الحدود كالتالي: « الحدَّ: مصدر حدَّ إذا منع الحاجز بين الشيئين و– من كلّ شيء: منتهاه وقصاص» (3). 
تتشكل الحدود في البلدان المغاربية وفقا لتقاطعات بين الحدود السياسية والجغرافية. والحدود السياسية خطوط تُرسم على الخرائط تبين الأراضي التي تفرض فيها الدولة سلطتها وسيادتها، وهي الوحيدة التي يعود إليها حقّ الانتفاع والاستغلال(4).  إلا أنّ الحدّ السياسي هو خطّ وهميّ لا وجود له في الواقع أي أنّه خطّ افتراضيّ يصنعه البشر (5) ويستخدمونه في تقريب الحدود المجالية للدولة. وتشمل الحدود السياسية المسطّحات المائية التي تُوجد داخلها من قنوات وأنهار وبحيرات. إنّ الحدود السياسيـة قد تكون خطوطا موقعة على أرض الواقع، وتلك التي تُرسم عـلى الخـرائط، لتفصـل بين الدول، وتسود القوانين والأنظمة في الـدول ضـمن حـدودها، حيـث يبـني الحـدّ نهايـة سيادة دولة وبداية سيادة دولة أخرى، وتؤثّر الحدود السياسية في أنشطة الإنسان، وعلى المظهر الحضاري للأرض (6). 
 أمّا الحدود الطبيعية أو الفيزيوغرافية فهي «الحدود التي تتبع ظاهرات طبيعية مثل السلاسل الجبلية والأنهار والسواحل البحرية والبحيرات والمستنقعات» (7). وبالتالي فإنّ هذه الحدود التي تضبطها المعطيات الطبيعية تختلف عن الحدود الصناعية والهندسية التي تعتمد على الفصل بين الأعراق والأديان واللّغات. فالحدود هي «خطوط معيّنـة تفصـل بين الـدول، أو الوحـدات الإداريـة، أو الوحـدات الطبيعيـة، وبصورة عامّة هي ما تفصل أي جسم عن محيطه» (8). 
يثير التدقيق في كلمة “الحدود“ تساؤلات عدّة حول علاقة الذات بالآخر وعلاقة المجموعات البشرية فيما بينها. فمن جهة، تعني كلمة “حدود“ في الأصل الحدّ الفاصل لإقليم ما أو الحدّ الذي يفصل بين دولتين، وقد تُستعمل مجازًا للدلالة على الحدود الفاصلة بين الحياة والموت. إنّ هذا التحديد يُقيم تمييزًا يفصل الداخل عن الخارج. فالحدّ يقيم طوقًا حول الذّات ويفرض عليها الانغلاق، وفي الوقت نفسه يجيز التواصل مع الآخر الغريب. يُعبّر بيير فونتين (Pierre Fontaine) عن ذلك بقوله: «بالنسبة للمكان، تكمن البنية الأكثر عمومية التي تحدد عالم الحياة في التمييز بين الداخل والخارج، وهو تمييز يتضاعف ويتعزز بتمييز آخر بين المألوف والغريب» (9). 
إنّ الحدود، بقدر ما تمثّل فاصلاً يحتمي به الإنسان عند مواجهة الخارج وفي حالات الصراع مع الغرباء عبر الجدران والحواجز والقلاع، إلا أنّها تفرض فصلاً محكمًا. فعزل الداخل عن الخارج لا يمكن أن يتمّ دون تبادل وتواصل بينهما، وهو ما يؤسّس لفتح المعابر والمناطق التبادلية المشتركة «تحديد المناطق والحدود والتقسيمات الإدارية، والطريقة التي نتصور بها الفرق بين “الداخل“ و“الخارج“، ليست مسائل ثانوية مقارنة بقضايا الهوية السياسية والتكوين» (10).  للحدود إذن جانب مزدوج: فهي من جهة فصل وحماية، إذ تقيم الانغلاق في مواجهة الخارج، وتتحوّل أحيانًا إلى جدار ضدّ الآخر. ومن جهة أخرى هي معبر وعلاقة معه، فتقيم رابطة قويّة لأجل التعايش.
 تُعبّر الحدود والفواصل بين الدول عن علاقة العداوة والصراع، فإذا تحدّثنا عن الحدود بالمعنى السياسي، فإنّها تمثّل إرث خطّ الجبهة بين قوى متصارعة عند توقّف القتال، وهو إرث لعلاقة قوى قديمة تمّ تثبيتها باتفاق دائم قد يتّخذ شكل معاهدة تعبر الحدود عن حالة من القلق والخوف المتزايد من الغرباء، فهي ترسم حدودًا للوجود والبقاء والحياة في مواجهة الزوال والفناء والموت. «هكذا نفهم أنّ الحاجة إلى إرساء “الحدود“ تنبع مباشرة من قلق أصلي بدائي، ويُعدّ في هذا السياق قلقًا مؤسّسًا: وهو الخوف من التعرّض للغزو، أو الامتلاء حتى الاختناق، أو الاختراق، أو الثقب، أو الانكشاف التام» (11).  
تُعبر هذه الرسوم الحدودية عن أنانية مفرطة ورغبة غير مبرّرة في الاستحواذ على الأرض، ممّا يؤدّي إلى إقصاء الآخر؛ و«إنّ جميع الدول، حتى وإن كانت في سلام مع جيرانها، تحمي حدودها بالحاميات العسكرية، ومدنها بالأسوار، وأبوابها بالدفاع والحراس» (12).  تتطلّب الحدود القوّة والعنف، سواء لحمايتها من الأعداء أو للتوسّع في حالة الحرب. ووفقًا لنيكولا مكيافيلي «الأمير الذي يمتلك جيوشًا قويّة يمكنه أن يضع على سواحل مملكته أو حدودها مواقع قادرة على إيقاف العدو لبضعة أيّام، وذلك ليمنحه الوقت لجمع قوّاته» (13). 
 تتحوّل الحدود في بعض الأحيان من ساحات للعنف والصراع إلى فضاء للالتقاء بالآخرين. وتصبح المعابر أماكن للضيافة والتعايش بين الغرباء، لتشكّل إطارًا “بينيًّا“ يمثّل «حواف التماس بين الحضارات حيث تنطلق “بينيّة“ و“هجنة“و“هويات“ جديدة» (14) . يتحول اللقاء عبر الحدود إلى لقاء تعارف واعتراف وتعايش، إذ يقول نانسي: « المنطق العام لكلّ حدّ، حيث لا يتوقّف المحدِّد والحدّ عن التحوّل إلى بعضهما البعض، تمامًا كما أنّ جانبي الحدود يشكّلان خطًّا واحدًا » (15). 
2.1  الكولونيالية والحدود الرمزية: 
 يُطلق مصطلح المغرب العربي على الأقاليم العربية في شمال إفريقيا التي تضم تونس والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا. بالرغم من أنّ مصطلح المغرب اقتصر على هذه البلدان المعروفة بالمغرب العربي، إلاّ أنّه وفقًا لما أورده المؤرّخون والجغرافيّون القدامى، كان يُطلق منذ القرن السابع الميلادي على جميع البلاد الإسلامية التي تمتدّ من حدود مصر إلى ساحل المحيط الأطلسي. كما أطلق الجغرافيون العرب مصطلح المغرب العربي على المنطقة التي تمتد من ليبيا إلى المغرب الأقصى. وقد اشتُقت هذه التسمية من “جزيرة المغرب“ العربية (16).  
لم يكن مصطلح “المغرب العربي“ الاسم الوحيد الذي أُطلق على المنطقة، بل عُرفت بمسميات عديدة مثل: بلاد البربر، المغرب الإسلامي، شمال إفريقيا، والمغرب العربي الكبير. و«في القرن التاسع عشر وضع الجغرافيون عبارة إفريقيا الصغرى كبيرة وعبارة بلاد الأطلس ليدلوا على وجود قارة صغيرة واقعة ضمن قارة لتأكيد أهمية تشكل الصخور وكثيرا ما تجري على الألسن لفظة إفريقيا الشمالية الفرنسية وذلك من الوجهة السياسية . وفي بعض الأحيان تستعمل لفظة شمال إفريقيا، وفي هذا مرج جديد لا طائل تحته بين إفريقيا الشمالية والشمال الإفريقي. وأفضل تسمية هي: بلاد البربر(17) إذ إنّ سكّانها يكاد يكون جميعهم من البربر دون سواهم ، وإن وجد بربر خارج حدودها» (18). 
يقع المغرب العربي في شمال قارة إفريقيا، و« يطل على البحر الأبيض المتوسط شمالًا بساحل يبلغ طوله 4837 كم، وعلى المحيط الأطلسي غربًا بساحل يبلغ طوله 3146 كم. يحدّه من الشرق مصر والسودان، ومن الجنوب دول الساحل الصحراوي. تبلغ مساحة المغرب العربي الكبير (الدول الخمس والجمهورية العربية الصحراوية) 6,062,941 كم²» (19).  تتميز دول المغرب العربي بوحدة التضاريس الممتدّة بين تونس والجزائر والمغرب، على امتداد سلسلتين جبليتين: الأطلس الصحراوي جنوبًا والأطلس التلّي شمالًا. في المقابل، تُعدّ موريتانيا وليبيا من البلدان الصحراوية. أما السهول، فبعضها يفصل بين الأطلس الصحراوي والأطلس التلّي، وبعضها الآخر سهول ساحلية تمتدّ على طول السواحل الغربية والشمالية المحاذية للمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. تكتسب منطقة المغرب العربي أهمّية استراتيجية بالغة، فهي محور تقاطع ثلاث قارات: أوروبا وإفريقيا وآسيا. كما أنها تمثل ممرًا رئيسيًا في العمليات التجارية، مما جعلها عرضة للأطماع الاستعمارية.
برزت الحركة الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مع التوسّع الأوروبي الذي قسّم منطقة المغرب العربي إلى مناطق نفوذ. اشتد التنافس بين فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، حيث سعت كلّ قوة إلى زيادة نفوذها التجاري والسياسي. عملت فرنسا، بعد احتلالها للجزائر عام 1830، على التوسّع وضمّ المناطق المجاورة مثل تونس والمغرب، لما تتميّز به من مواقع استراتيجية. ففُرضت «الحماية» الفرنسية على تونس عام 1881، وفُرضت الحمايتان الفرنسية والإسبانية على المغرب عام 1912، وقُسّم المغرب بموجبهما إلى مناطق تقاسمتها الدولتان. أمّا ليبيا، فخضعت للاحتلال الإيطالي منذ عام 1911.
أعادت القوى الاستعمارية (فرنسا، إسبانيا، إيطاليا) رسم الخرائط وفقًا لمصالحها الإستراتيجية، دون مراعاة الامتدادات الاجتماعية والثقافية القائمة بين القبائل والمجتمعات المحليّة والجغرافيا الطبيعية (جبال الأطلس، الصحراء الكبرى، السهول الساحلية). وبهذا المعنى، لم تكن الحدود مجرّد خطوط جغرافية، بل كانت أداة لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي.
أثّر الاستعمار الفرنسي والإسباني تأثيرًا كبيرًا في ترسيم حدود الجزائر وتونس وليبيا والمغرب. رُسمت هذه الحدود بناءً على مصالح الدول الاستعمارية، وليس وفقًا لاعتبارات طبيعية أو إثنيّة للمناطق، ممّا أدّى إلى نشأة مناطق جديدة وإعادة رسم خطوط سياسية لا تعكس الواقع السكاني والاجتماعي لتلك الدول. رُسمت تلك الحدود بهدف تأمين المصالح الاقتصادية والعسكرية للدول الاستعمارية، وتسهيل استغلال ثروات المنطقة ومواردها، متجاهلة الروابط التاريخية أو الطبيعية بين السكان. ارتبطت بعض الحدود بمعاهدات عقدتها فرنسا مع القوى الاستعمارية الأخرى، ومنها المعاهدات المتعلقة بترسيم الحدود بين تونس والجزائر وليبيا، مثل معاهدة عام 1910 بين تونس وليبيا التي أرست التقسيمات، وتمّ ترسيخها لاحقًا في عامي 1910 و1911.
عمل الاستعمار عبر الحدود السياسية الجديدة على اختراق وحدة النسيج الديني والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وحرص على تفكيك المجتمع المترابط في المنطقة وتمزيق أوصاله. إنّ «سياسات “فرّق تسد“ الاستعمارية» (20)  كان من ورائها سعي إلى ضرب« فكرة  “الأمة“ التي “تسكن“ فعلا قلب كلّ مسلم، وبالأحرى كلّ عربي. والتي تشكّل الجانب الاجتماعي السياسي لعقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام» (21). سعى المستعمر إلى تغيير هويّة سكان المغرب العربي وقبائله، باعتماد سياسات التجزئة والتحكّم في الموارد. أدّى ذلك إلى تفكيك البني الاجتماعية التقليدية من خلال تعزيز الثقافات واللّغات الأجنبية، وفرض هويّات ثقافية جديدة، وطمس الهويّتين الأمازيغية والعربية. كما شمل التغيير إنتاج أنماط جديدة من الاستيطان تعمل على بثّ أطر أخلاقية وممارسات اقتصادية جديدة. 
أحكم الاحتلال سيطرته على أراضي القبائل وثرواتها، وأرغم السكان على الهجرة لفكّ الارتباط بالأرض وتقاليدها التي تثبت الهوية والانتماء. يقول العقاد: «لقد تعرّضت جميع البلدان العربية تقریبا لأنواع مختلفة من سياسة شهد صورة التسلط “الإمبريالية“ الأوروبية،  ولكنّ المغرب شهد صورة عتيقة من صور التوسّع الاستعماري ألا وهي فتحه لحركة الهجرة والاستيطان الأوروبية» (22) . 
ابتكر الاحتلال تقسيمات عرقيّة جديدة ساهمت في تفتيت الهوية الأصلية وإخفاء معالم الهوية المشتركة التي تتمحور حول الدين واللغة والأرض. وبحسب محمد مزيان: « إنّ وضع صورة كاملة عن بُنى المغرب وفهم نفسيّة المغربي وسلوكياته خلال فترة الحماية لم يكونا ممكنين من دون دراسـات العادات والتقاليد المغربية، فإلى جانب الدراسات التاريخية والجغرافية التي اهتمت بـدراسـة تـاريـخ الـمـغـرب فـي فـتـراتـه وحقبه المختلفة، نجد دراسـات سوسيولوجية وإثنولوجية ولسانية كان الغرض منها الغوص داخل بنية المجتمع المغربي، ودراسة سكّانه وأصولهم العرقية، وما نتج من سلوكيّات مختلفة، من أجل استجلاء فردانية الروح الأهلية التي تبدو في أبسط جزئياتها غريبة عن المستعمر» (23) . 
أدى هذا الإرث إلى عزل العديد من المناطق الحدودية، وحرمانها من البُنى التحتية الأساسية، وبقائها مرتبطة باقتصاد الكفاف والتجارة غير المنظمة. فالجنوب الشرقي المغربي ومناطق الطوارق في الصحراء الجزائرية والليبية، يقدّمان نماذج واضحة لانغلاق جغرافي غذّاه ضعف السياسات التنموية المركزية. هذا الانغلاق جعل من الحدود فضاءً للهامشية أكثر منه مجالًا للتواصل، وهو ما يفسّر التفاوت الحاد بين مراكز الدول المغاربية وأطرافها.
يعمل التوجّه الكولونيالي على صياغة حدود جديدة وابتكار هويّات متخيّلة، وفقًا لتصور «بنديكت أندرسون» (24) إذ يقول في كتابه «الجماعات المتخيّلة»: « والخريطة التي جاء بها المستعمرون تصوّر الأرض والطبيعة في تجريد مسطح من زاوية نظر الطائر. وهي زاوية نظر لم تكن مألوفة ولا معروفة في هذه البلدان. لقد وضع المستعمر حدودا إقليمية ليس لها دائما علاقات بالجماعات واللّغات التي تقطنها، ولا حتى التضاريس الطبيعية. 
قطعت الحدود التواصل، ومسحت الأرض والبحار بعين الوحدة، وهي عين النفوذ الكولونيالي مقابل قوى كولونيالية أخرى فقط، ثمّ ما لبث أن أصبح ممكنا إخراج مساحة البلد المعني من سياقه كخارطة منفصلة ونثبته وحدة اللّوح أو في الكتاب كوطن متخيّل، لا يلبث أن يُكتب له تاريخٌ متخيّلٌ أيضا. ونقول متخيّل لأنّ هذا الجزء الذي تمّ قطعه من الخريطة لم يشهد إطلاقا بشكله هذا وبحدوده هذه تاريخا خاصّا به يجمعه سويّة ويفصله عن غيره » (25). 
لقد برزت الدولة القومية وفقًا للحدود التي فرضها الاستعمار، وهي حدود سياسية مصطنعة رُسمت وفق مصالح القوى الاستعمارية ومحكومة بطبيعة الصراع بينها. لم تراعِ هذه الفواصل خصوصية الواقع الاجتماعي والتاريخ القديم، ممّا أدّى إلى فصل مجتمعات مترابطة تاريخيًا، مكوّنة من مجموعة قبائل وطوائف وشبكات تجارية كانت تتفاعل عبر مناطق أوسع بلا قيود سياسية. « وهنا عمليّا نؤكّد أنّ اعتبار القومية جماعة متخيّلة لا يكفي لتعريفها، أي للتعبير عن خصوصيّتها. 
ويلزم للتخصيص والتعيين أمران أساسيّان آخران: الأوّل أدوات التخيّل التي يجلب اندرسون فيما بعد أمثلة عليها، وثانيا تخيّل حدود الجماعة. لا يمكن تخيّل القومية كجماعة بلا حدود. والحدود، أي تخيّل الحدود، هو بداية تعريف الخصوصية.. حدود سياسية إدارية، حدود لغوية، حدود جغرافية؛ ولكن أكثر التعريفات خصوصية للقومية هو تخيّلها سيُدة، أي ذات سيادة، وذات إرادة سياسية، وهو البعد الكفيل بتعريف القومية وإعادة تعريف الأمّة، وهو البعد الذي جعل اللقاء بين فكرة الأمّة وفكرة القومية أمرا طبيعيًّا» (26).  
 نشأ مفهوم الدولة القومية وفق تلك الحدود الاستعمارية الجديدة، والتي طوّعت تلك المجموعات الممتدّة سابقًا إلى إطار وطني جديد، ترتبط فيه الهوية بالانتماء إلى مواطنة تعود لدولة معيّنة. انتقلت الجغرافيا من فضاء مفتوح إلى قوالب حدودية، لتصبح رمزًا للسيادة والوطن، وتعيد إنتاج تصوّر جديد يربط الإنسان بالمكان، فتتولّد هويّة جديدة من إنتاج الخيال الجمعي. لقد سقطت الانتماءات التقليدية التي تحدّدها الروابط القبلية أو الدينية أو الإقليمية، مقابل هويّة جديدة. لقد ابتكرت النظرة الكولونياليّة هويّة متخيّلة. إنّ الأمّة، مثلما يصفها أندرسون، ليست كيانًا طبيعيًّا أو بيولوجيًّا، بل جماعة متخيّلة. يقول أندرسون: « إليكم، إذا، هذا التعريف للأمّة، الذي أقترحه بروح أنثروبولوجية: الأمّة هي جماعة سياسية متخيّلة، حيث يشمل التخيّل أنّها محدّدة وسيّدة أصلا. وهي متخيّلة لأنّ أفراد أيّة أمّة، بما فيها أصغر الأمم، لن يمكنهم قطّ أن يعرفوا معظم نظرائهم، أو أن يلتقوهم، أو حتى أن يسمعوا بهم، مع أنّ صورة تشاركهم تعيش حيّة في ذهن كلّ واحد منهم» (27).  
لا يقصد أندرسون بالتخيّل عملية وهمية، بل هي عملية ثقافية وتعليمية وسياسية تهدف إلى خلق روابط وانتماءات جديدة داخل مجموعة معيّنة. يشير أندرسون إلى أنّ الطباعة بلغة موحّدة أدّت إلى ابتكار لغة محليّة واحدة وتشكيل لغة وطنيّة مشتركة، ممّا يدفع الناس إلى تخيّل أنفسهم في مجتمع واحد يتكلّم ويكتب ويقرأ ويتواصل بلغة واحدة. كما يعتمد ترسيخ الوعي بالهويّة الجديدة على وسائل الإعلام والنظام التعليمي والإدارة البيروقراطية وجملة من المؤسّسات الأخرى، ويقول أندرسون: « وهذه المؤسّسات هي التعداد والخارطة والمتحف، التي صاغت معا، وعلى نحو عميق، الطريقة التي تخيّلت بها الدولة الكولونيالية مجال نفوذها وسلطتها» (28).  
أصبحت الهويّة الوطنية حقيقة تُدرَّس وواقعًا تؤكّده الحدود السياسية وتجسّده الطبيعة. ساهمت عوامل عديدة، بحسب أندرسون، في انتشار الوعي القومي، مثل اكتشاف الطباعة ونشر الكتب باللغات المحليّة، بعد أن كانت اللاتينية هي اللغة السائدة، خاصّة في الكتب الدينية. كان للخرائط والإحصائيّات والمتاحف دور مهمّ في ترسيخ فكرة الدولة وتخيُّلها. فالخريطة تثبت الحدود التي كانت افتراضية ومتخيّلة في بدايتها، ثمّ أصبحت نهائية. أمّا الإحصائيّات، فتشير إلى الوحدة السكانية عدديًّا، بينما تخلد المتاحف الذاكرة الوطنية. إنّ الخريطة والإحصاء والمتحف تشريع علمي للوحدة المتخيلة (29). 
يخلص أندرسون إلى أنّ الحدود تخلق تناقضًا بين الانتماء التاريخي والانتماء الوطني، أي انفصالًا بين الذاكرة التاريخية والانتماء الحديث. فالعديد من المجموعات العرقية والقبائل الحدودية تجد نفسها في أمم جديدة لا تعبّر هوياتها وانتماءاتها الأصلية. وبالتالي، يولد التناقض بين الانتماء الجديد إلى الوطن والامتداد الطبيعي للانتماء الثقافي أو الاجتماعي أزمة لدى تلك المجموعات، ممّا يدفعها أحيانًا إلى إعلان المقاومة بوصفها حركة رافضة للهويّات الجديدة. 
الهوامش
(1) ابن منظور، لسان العرب، ج3، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ، ط3، بيروت، لبنان، 1999، ص79.
(2)   المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مكتبة الشروق الدولية، ط4، القاهرة، 2004.     
(3) الشيخ رضا: معجم متن اللغة، ج 2، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1958,
(4)  بيتر تايلور وكولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر، ترجمة: عبد السلام رضوان وإسحاق عبيد، سلسلة عالم، الكويت، 2003.
(5) محمد سعيد السماك، الجغرافيا السياسية المعاصرة، دار الأمل للنشر والتوزيع، ط1، الأردن، 1998.
(6) إبراهيم موسى الزقرطي وهاني عبد الرحيم العزيزي، معجم المصطلحات والمفاهيم الجغرافية، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، ط1، عمان،الأردن، 2007، ص66.
(7) عامر رشيد مبيض، موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية والاقتصادية العسكرية، مصطلحات ومفاهيم، دار المعارف للنشر والطباعة والتوزيع، دمشق، 2000، ص560.  
(8) إبراهيم موسى الزقرطي وهاني عبد الرحيم العزيزي، المرجع السابق، ص65.
(9)            Pierre Fontaine, « Des frontières comme ligne de front : une question d’intérieur et d’extérieur. Éléments de sociotopologie », publié dans la revue Cités, en 2007, numéro 31, p119 
(10)                                   Étienne Balibar, Europe, Constitution, Frontières, Éditions du Passant, Collection Poches de résistance, 2005, P.15
(11  «Pierre Fontaine:«Des frontières comme ligne de front:une question d’intérieur et d’extérieur. Eléments de socio topologie  Ibid, p121
(12)                                                            Thomas Hobbes. Du citoyen. Traduit du latin par Philippe Crignon. Édition Garnier, Flammarion. 2010
(13)  Nicolas Machiavel, Discours sur la première décade de Tite-Live, Traduit de l›Italien par Toussaint  Guiraudet. Paris, Bibliothèque Berger Levrault, 1980, P. 223
(14) ثائر ديب: ترجمة كتاب موقع الثقافة، هومي.ك.بابا، المركز الثقافي العربي، ط1، 2006، ص11. 
(15) Jean-Luc Nancy, « A la frontière, figures et valeurs », dans Le désir d’Europe, éditions de la Différence, Paris, 1992
(16) عبد الحميد إبراهيمي، المغرب العربي في مفترق الطرق في ظل التحولات العالمية، ط 1، بيروت، مركز الدراسات الوحدة العربية، 1996، ص . 271
(17) يعد البربر السكان الأصليون لشمال إفريقيا « في إفريقيا الشمالية يوجد هذا الصنف على نطاق واسع في المنطقة التلية وعلى الخصوص في الجبال الساحلية في شمال تونس وفي بلاد القبائل وفي الريف، في حين لا يزال النوع العملاق عند الأمازيغ الرحل في الصحراء ( التوارق) وفي مجموعات الرحل المستعربين ( الرقيبات) وعند المغاربة وسط المغرب وجنوبه ( آيات عتًة والشلوح ) ولكن توجد نفس الأنواع مع بعضها إلى يومنا هذا في نفس المناطق مثل بلاد القبائل ».( العربي عقون، الأمازيغ عبر التاريخ نظرة موجزة في الأصول والهوية، التوخي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 2010، ص27.)
(18) شارل أندري جوليان، تاريخ إفريقيا الشمالية تونس الجزائر المغرب الأقصى من البدء إلى الفتح الإسلامي 647م، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة، الدار التونسية للنشر، ط4، 1983، تونس، ص12.
(19) جمال عبد الناصر مانع، اتحاد المغرب العربي: دراسة قانونية سياسية، ، دار العلوم للنشر والتوزيع، الجزائر،  2004، ص 22.
(20) عبد الله حمودي، الشيخ والمريد، النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبيقال للنشر، ط4، 2010، ص526.
(21) محمد عابد الجابري، وحدة المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، لبنان، 1987، ص17.
(22) صلاح العقاد، المغرب العربي في التاريخ الحديث والمعاصر، الجزائر تونس المغرب الأقصى، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة السادسة، 1993، ص130.
(23) محمد مزيان، «المغرب في الادبيات الكولونيالية الفرنسية ومشروعية الغزو والالحاق»، مجلة عمران، العدد 5/17، صيف 2016، ص124.
(24) بنديكت أندرسون ( Benedict  Anderson:1936- 2005) ولد في الصين من أب ايرلندي وأم انجليزية. كان والده جيمس كارو أوجورمان أندرسون مسؤولًا في الجمارك البحرية الصينية. وهو ينحدر من عائلة أندرسون في أردبراك، بوثريفني، اسكتلندا، التي استقرت في أيرلندا في أوائل القرن الثامن عشر. حصل في عام 1967 على درجة الدكتوراه في الدراسات الحكومية. عمل في جامعة كورنيل مستشارا للدكتور جورج كاهن، عالم جنوب شرق آسيا. توفي أندرسون في باتو، مالانج، إندونيسيا، أثناء نومه في 13 ديسمبر 2015.  اشتهر بكتابه «المجتمعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها» لعام 1983. 
(25) بنديكت أندرسون، الجماعات المتخيلة، تأملات في القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة، شركة قدمس للنشر والتوزيع، ط1، بيروت، لبنان، 2009، ص44.
(26) عزمي بشارة، مقدمة الترجمة العربية لكتاب الجماعات المتخيلة، تأملات في القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، شركة قدمس للنشر والتوزيع، ط1، بيروت، لبنان، 2009، ص29.
(27) بنديكت أندرسون، المرجع السابق، ص52.
(28) بنديكت أندرسون، المرجع السابق، ص 159-160.
(29) يلخص أندرسون أسباب ظهور الجماعات المتخيلة الحديثة، التي أفرزت بروز الدولة القومية في أوروبا الغربية، في التقاء المنظومة الرأسمالية وتكنولوجيا الطباعة مع تراجع اللغة اللاتينية كلغة مقدسة، بالإضافة إلى تغير طبيعة السلطة إلى سلطة ملكية غير وطنية. كما ظهر مفهوم جديد للزمن، استُبدل على إثره الزمن الديني بالزمن اليومي الذي يحكمه الفعل الإنساني.