كلمات

بقلم
مريم الخالدي
سفينة «ثيسيوس»
 «أنا ضحية الظروف، وأنا أشبه أبي في عصبيته، وأنا عاطفية كأمي، وغير ذلك.»
 إنّها عبارات نردّدها لنبرّر بها عيوبنا، ونختبئ خلف حتمية الجينات هربًا من مسؤولية التغيير.
يرى «روبرت غرين»(1) في كتابه «قوانين الطبيعة البشرية» أنّ شخصية الإنسان ليست قالبًا جامدًا تحدّده الجذور أو تحاصره البيئة، بل هي بناء متحوّل تصوغه المواقف والتجارب باستمرار، فتُعيد صياغة وعيه وتوجّه اختياراته.
وتستند هذه الفكرة إلى مفارقة «سفينة ثيسيوس» في الفلسفة اليونانية؛ إذ تُروى قصة البطل الإغريقي «ثيسيوس»(2)، الذي كانت سفينته تُرمَّم باستمرار؛ فكلما تلف جزء منها، استُبدل به جزء جديد، حتى لم يبقَ فيها أي لوح من ألواحها الأصلية. وهنا يبرز السؤال الذي يفكّك حتمية الموروث وتأثير البيئة: إذا كان تبديل أخشاب السفينة لا يلغي هويتها، فلِمَ نسجن الإنسان داخل نسخته الأولى؟ فالشخصية ليست إرثًا ثابتًا، ولا قالبًا بيئيًّا حتميًّا، بل صيرورة مستمرة تُصاغ بالتجربة، وتُعاد صياغتها مع كل قرار. 
ويأتي في القرآن الكريم ما يفتح أفقًا أعمق لهذا المعنى؛ إذ يعرض نماذج تثبت أنّ القرب من الصالحين لا يورث صلاحًا، كما في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾[ التحريم: 10] ؛ فلم تنفع البيئة الصالحة نفسًا اختارت طريقًا مغايرًا لطريق الصلاح. 
وفي المقابل، يبرز مثال يجسّد قوة الشخصية حين تسمو فوق فساد المحيط، في قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[ التحريم: 11]؛ فقد ثبتت بإيمانها رغم طغيان البيئة، واتخذت موقفًا، وآثرت ما استقر في يقينها من الحق، ومضت إليه غير عابئة بما يحيط بها.
ومن خلال هذه النماذج تتجلّى حقيقة أنّ شخصية الإنسان ليست أسيرةً للبيئة التي نشأ فيها، بل هي ثمرة ما يختاره ويثبت عليه. فليس كل اعوجاج يُعزى إلى البيئة التي تربّى فيها الإنسان، ولا كل قسوة تُردّ إلى ظلال الماضي؛ فثمّة اختيارات يصوغ المرء من خلالها ملامح شخصيته، ويرسم بها الصورة التي تستقر عليها طباعه.
وقد تؤثّر البيئة، نعم، لكنها لا تُملي المصير؛ إذ تبقى للإنسان مساحةٌ للاختيار، يستطيع من خلالها أن يحدّد الطريق الذي يسلكه، وأن يهذّب ما شاء من صفاته، أو يتركها كما هي. 
وتؤكّد دراسات علم النفس أنّ الإنسان يملك ما يُعرَف بالمرونة النفسية، وهي القدرة على التكيّف وإعادة تشكيل بعض أنماط التفكير والسلوك على الرغم من آثار التجارب السابقة؛ فالماضي قد يترك أثرًا، لكنه لا يفرض صورة نهائية للمستقبل. 
ومن الناحية العلمية، ثمة حقيقة راسخة، وهي أنّ الدماغ يعيد تشكيل بعض وصلاته العصبية بالتعلّم والخبرة. ويساعد ذلك على تفسير إمكانية تغيير بعض العادات والمهارات، لكنه لا يعني أنّ كل شيء يتغيّر بسهولة أو بلا حدود.
ولا ننكر أنّ الجينات قد تمنحنا الملامح الأولى، وأنّ البيئة قد ترسم بعض الملامح في لوحتنا؛ لكن الريشة الحقيقية تظلّ بيد الإنسان. فالأثر الأكبر والأعمق ينبع من مساحة الاختيار الحر، حيث يملك الفرد القدرة على إعادة تشكيل وعيه، وتوجيه سلوكه، وبناء هويته المستقلة، بعيدًا عن حتمية الموروث أو إملاءات المحيط.
فلا ينبغي أن نعلّق إخفاقاتنا على شماعة النشأة، ولا أن نتخذ من البدايات ستارًا نبرّر به قسوة الطباع؛ إذ يبقى الإنسان مسؤولًا عن الصورة التي يختار أن يكون عليها.
الهوامش
(1)  روبرت غرين (Robert Greene) كاتبٌ أمريكي وباحث في موضوعات القوة والاستراتيجيا والسلوك الإنساني، ومن أشهر مؤلفاته «قوانين الطبيعة البشرية» و«قوانين السطوة الثمانية والأربعون». وُلد في 14 مايو 1959 في لوس أنجلوس
(2)  ثيسيوس (Theseus) بطلٌ أسطوريّ في الميثولوجيا اليونانية، يُعدّ من أبرز أبطال أثينا وملوكها، وهو ابن الملك إيجيوس وإيثرا بحسب أشهر الروايات. اشتهر بدخول متاهة كريت وقتل الوحش «المينوتور»، ثم الخروج منها مستعينًا بالخيط الذي منحته إيّاه أريادني.