تحت المجهر

بقلم
د. محمد البشير رازقي
السياسة والحكمة في البلاد التونسية خلال القرن التاسع عشر: النخبة وشرحها لأرسطو
 لحظة بناء الدولة وتشكيل الأسس:
أنجز أبو عبد الله محمد بن الخوجة كتابا مهمّا عنونه بـ «رسالة لشرح الحكم المنسوبة إلى أرسطوطاليس» ونُشر في مطبعة الدولة التونسيّة سنة 1873 (1290 هجريّة)، وحُفظت نسخة منه في رصيد دار الكتب الوطنيّة بتونس(1). تكوّن الكتاب من 44 صفحة، ووُجد تقريبًا في كلّ صفحة 23 سطرًا.
تشتمل هذه الوثيقة على فوائد منهجيّة ومضمونيّة ومعرفيّة عميقة، فمن ناحية سعى صاحبها إلى تقديم ملخّص مكثّف ورصين عن مُجمل كتب المرايا السلطانيّة مع تشبيكها بنظريّات ابن خلدون. فهو كتاب في السياسة والاجتماع. ومن ناحية أخرى سعى إلى تقديم إضافة زمانه وروح عصره لهذه العصارة المعرفيّة. وهذا ما أبرزه بن خوجة منذ المقدّمة، حيث أشار إلى أنّه ألّف هذا العمل بعد توصية وطلب من الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار. إذًا فهذه الوثيقة تبرز استمرار مسألة نصائح السلطان ولكن بنكهة القرن التاسع عشر وهذا مكمن طرافتها الأوّل، فهذا النمط التأليفيّ يكاد يكون مفقودا خلال القرن التاسع عشر. ومصدر الطرافة الثاني هو إعادة إنتاج ثنائيّة المصدر الدينيّ والدنيويّ للحكم والسعي إلى عقلنة الممارسة السياسيّة وهي زاوية نظر طريفة لسياسات الإصلاح في الإيالة ومُجمل العالم الإسلاميّ خلال زمن الإصلاحات أي القرن التاسع عشر.
يُخبرنا الكاتب أنّه ألّف عمله بعد توصية من الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي رغب في شرح بعض الحكم السياسيّة وأهمّها حكم أرسطو (2). ولهذا يبرز كاستنتاج أوّل أنّه يمكن لنا تصنيف هذا العمل باعتباره نسخة القرن التاسع عشر من المرايا السلطانيّة أو كتب نصائح السلطان. كما يتبيّن لنا توق الوزير الأكبر لتعميق فهمه للممارسات السياسيّة والحكمة من ورائها. والنصّ الذي طلب خزندار تفسيره هو: «العالم بستان سياجه الدولة، الدولة سلطان تحيي به السنّة، السنّة سياسة يسوسها الملك، الملك نظام يعضده الجند، الجند أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعيّة، الرعيّة عبيد يتعبّدهم العدل، العدل ميزان به قوام العالم» (3).
بيّن بن خوجة أنّ هذا الكلام يُنسب إلى أرسطوطاليس ومستشهدًا بكتاب بهجة المجالس لابن عبد البرّ وقد أخذه الفرس منه (4). يُقصد بعبارة «العالم بستان» أنّ العالم مصدر نشأة العمران وازدهاره وتطوّر المجتمع وهذا ما يحدث للشجرة أو النبتة في البستان. ولا يتطوّر هذا البستان إلّا بعد الاعتناء به وحمايته وهنا تبرز أهميّة السياج. كما أنّ الشجرة والنبتة تحتاجان إلى الماء والشمس واقتلاع الأعشاب الطفيليّة. ولهذا فالبستان منظومة مشرفة على كائنات حيّة تحتاج للمؤونة والتزوّج والحماية الداخليّة والخارجيّة من أعداء الخارج وأزمات الدّاخل. ولهذا استنتج ابن خوجة أنّ الإنسان يحتاج بالضرورة إلى الاجتماع، وبالتالي يضطرّ للقوانين لتوفير قُوته وأمنه والتعاون، فهو يعيش في بستان (العالم) ويحتاج لسياج (قانون) لتجنّب الظلم الداخليّ والخارجيّ والغصب.
كما أشار بن خوجة إلى أنّ غياب سياج الدولة يؤدّي مباشرة إلى الظلم وبالتالي نشأة النزاع والقتال وسفك الدماء وإمكانيّة انقراض الجنس البشريّ (5). نلاحظ هنا استرجاعًا غير مباشر للقاعدة الخلدونيّة وهي أنّ الظلم مؤذن بخراب العمران. ومن خلال سيرورة التحليل هذه استنتج بن خوجة إجباريّة وجود حاكم وسلطة قويّة نافذة وقد سمّاه «الوازع». وقد قسّم الكاتب مصادر حكم الحاكم إلى مصدر أوّل وهو الشرع المنزّل من عند الله من خلال ثنائيّة الثواب والعقاب وهي وسيلة مهمّة لردع الناس أو إثارة أطماعهم. والمصدر الثاني هو «السياسة العقليّة» وهي القوانين الأرضيّة الرادعة وهي سياسة بالضرورة «مفروضة» (6)، أي إكراهيّة وغير خاضعة للتخيير. والفرق بين هذين التشريعين أن الشريعة يحصل نفعها في الدنيا والآخرة، وأمّا السياسة العقليّة فهي دنيويّة بالأساس على مستوى طريقة التشريع والتقنين ومآلاته. ولهذا استنتج الكاتب وجوبيّة وجود إمام أو رئيس، أي الشخص الذي يسيّر ويوزّع المهام ويساهم في ترسيخ القانون الأرضيّ أو تطبيق الشرع، وهو المشرف على «البستان» وسياجه. لذلك فإنّ «الملك حافظ للعالم كالحائط الحافظ للبستان من طوارق الأذى» (7). وقد ذكر الكاتب اسم ابن خلدون صراحةً في هذا السياق ممّا يؤكّد تأثّر النخبة التونسيّة به واعتماد أفكاره كمرجعيّة أساسيّة زمن الإصلاحات خلال القرن التاسع عشر وهذا ما ينفي فرضيّة دور الغرب الرياديّ في إعادة التفكير في الأفكار الخلدونيّة (8).
أكمل الكاتب تفسيره لحكم أرسطو وقال إنّ عبارة «الدولة سلطان تحيي به السنّة» تعني أنّه لا سلطان بدون قوّة ومعرفة أي «فقه» لا بالمعنى الدينيّ فقط. فالسلطان يصير استنادًا إلى متغيّرين أساسيّين: الأوّل مبايعة أشراف الدولة وأعيانها، أي الفاعلين الاجتماعيّين المؤثّرين، والثاني قدرته على إنفاذ حكمه وسلطته وسطوته. ولا تشير عبارة السنّة حصرا إلى الدّين بل تعني الطريقة والنواميس سواء كانت دينيّة أو عقليّة (9). ولهذا فإنّ عبارة «السنّة سياسة يسوسها الملك» تعني المدوّنة القانونيّة المشكّلة من علماء الدولة وأعيانها وأعوانها، وتتشابك مع القوانين الإلهيّة أي الدينيّة (10).
سعى الكاتب إلى إيجاد نقاط تواصل وتشابك بين الشريعة والسياسة، فقد قسّم الأحكام الشرعيّة إلى خمسة مسالك: أوّلا: تسعى العبادات لإخضاع النفس، ثانيًا توفير الضروريّ للحياة (الغذاء، الأمن، اللباس، المسكن...)، وثالثًا الضروريّ لإنتاج الثروة (البيع، الشراء، الفلاحة...)، رابعًا إنتاج منظومات أخلاقيّة لترسيخ التهدئة الاجتماعيّة (المساواة، الهبات، الأحباس...)، وخامسًا أهميّة الردع والزجر وإنفاذ القوانين (11). ولا يمكن أن يخفى علينا هنا الكليّات الشرعيّة الخمس وتشابهها مع هذه المبادئ ولهذا استرجع الكاتب في الصفحة الموالية الشاطبي وكتابه المقاصد (12). ولهذا بيّن الكاتب أنّ مقصد أرسطو بقولة «السنّة سياسة» في حالة لم يكن له مقصد دينيّ فهي تشير أساسا إلى السياسة العقليّة ولكنّها تعتمد أساسا بصفة حيويّة ووجوديّة على مقصد العدل وحماية الأرزاق والمصالح (13). فبدون عدل لا توجد سياسة سواء كانت دينيّة أو عقليّة وهذا واجب الحاكم الأوّل.
وهنا استرجع الكاتب عبارة أخرى لأرسطوطاليس وهي «الملك نظام»، وبيّن أنّها تعتمد أساسا على ركيزتين وهما «أمن العباد وعمران البلاد»، أي السلامة والمعاش (14)، لكنّ الكاتب أشار إلى نقطة مهمّة وهي أهميّة فرض الانضباط، فيجب على الملك أن يسيّر ملكه مثل نظام حبّات اللؤلؤ، فالنظام عكس الفوضى. فكيف يتمّ فرض النظام؟
شرح الكاتب عبارة أرسطو وهي «يعضده الجند»، فلا توجد سلطة أو قوّة مركزيّة من دون أعوان الدولة وخاصّة العساكر. فهم المخوّلون والمتمكّنون من استخدام العنف الشرعيّ وتنزيل القوانين وإنفاذها ولا يوجد مُلك بدون جند. فالبشر لا يُخضعون للقانون بدون وازع (دينيّ أو دنيويّ) والجند هم القادرون على إنفاذ هذا الوازع. في هذا السياق، لا بدّ للحاكم أو الملك أن يكون متميّزا عن رعيّته ولا يمكن أن يكون متميّزا إلاّ عبر قدرته على تنفيذ قراراته ولا تنفّذ هذه القرارات إلّا بالقوّة، وتُستمدّ القوّة من وسائل عديدة وأهمّها الجند وقد سمّاهم الكاتب «العصبيّة والشوكة» مستندا إلى العبارة الخلدونيّة (15). وتمتدّ قوّة الملك باتّساع قاعدة جنوده ولهذا فإنّ الجند للملك «بمنزلة العضد للرجل» (16).
في هذا السياق تبرز أهميّة الجباية، فهي الأساس الأوّل «للبناء» السلطانيّ سواء للمحافظة على الجند والإكثار منهم أو لتمويل مُجمل الشرايين الحياتيّة للدولة (المعاش مثلاً). ولكنّ الكاتب ربط بين الجباية والعدل (17)، فلا يمكن الحصول على الجباية عبر ظلم الرعيّة. فالتهدئة الاجتماعيّة والتماسك الاجتماعيّ للدولة داخليّا يفرض ضرورة العدل الجبائيّ. فحسب عبارة الوثيقة «فالعدل أساس كلّ الأسس» (18).
مؤسّسة الدولة وأصحاب النفوذ فيها:
ركّز بن خوجة في تفسير قول أرسطوطاليس بكون «الجند أعوان»، ومعناها أنّ السلطان ضعيف في ذاته ولم يستمدّ قوّته إلّا من خلال أعوانه ولهذا فهو يحتاج الحماية من منافسي الدّاخل والخارج. كما أنّه يحتاج المساعدة لفرض السلم الأهليّ والقيام بدوره التحكيميّ بين المتنازعين في دولته، وتنزيل القوانين الإلهيّة والوضعيّة، ولهذا لا بدّ للسلطان «من الاستعانة بأبناء جنسه»(19). فالجند هنا هم أداة السلطان لترسيخ القانون وحمايته عند فرض هذا القانون. أي هم سلطة حمائيّة/وقائيّة وتنفيذيّة في الآن ذاته.
لا تكتمل قوّة السلطان إلّا من خلال ثنائيّة المال والجند، فلا يستقيم الجند من دون المال فهو الأساس المكين لتلك المؤسّسة العسكريّة، ولا يجمع المال بدون جند فهم الوسيلة الأكيدة (20). لكن، كيف يُجمع المال؟
فسّر الكاتب عبارة أرسطوطاليس بكون «المال رزق تجمعه الرعيّة»، وقسّم المال إلى نوعين هما: الرزق والكسب. فالرزق هو حصول المنفعة من الإنفاق لصاحب المال، أي لا يكتفي بالإنفاق. أمّا الكسب فهو عدم الانتفاع من كسب جرّاء الإنفاق. فالتركة مثلا تسمّى بالنسبة إلى الهالك كسبا لا رزقا. أمّا المال الذي تقوم عليه الدولة فيحصل من الجباية من الرعيّة والعقوبات الشرعيّة وهي الركن الركين للدولة. فلا دولة بدون جباية. فمال الملك «رعيّته» أساسا، لكنّ الأهمّ هنا أن يكون ذلك من دون ظلم الناس، فديمومة السلطة تعتمد على استمراريّة الجباية ولا يحصل ذلك بالظلم. فالعدوان على النّاس يقطع حبل الجباية ولو طال ظرفيّا وخاصّة أنّه يفقد ثقة النّاس في السلطة والسلطان(21). يؤدّي ذلك ضرورة إلى تقلّص الأسواق وخوف النّاس على أموالهم ومصيرها ويؤدّي ذلك إلى كساد الأسواق وفرار الناس من أسواق الدولة إلى منازلهم أو أسواق دولة أخرى. وينتج عن ذلك ندرة المعاش أو خلل ديمغرافيّ ويحصل بالضرورة انقطاع الجباية وبالتالي انعدام أموال الجند وتفكّك الدولة كنتيجة لسلسلة أحداث طبيعيّة (22). وهنا استشهد الكاتب بالمسعودي عند حديثه عن الفرس فلا «قوام للشريعة إلّا بالملك، ولا عزّة للملك إلّا بالرجال، ولا قيام للرجال إلّا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلّا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلّا بالعدل، والعدل ميزان الله المنصوب»(23). إذًا، فوجود الدولة ينحصر بين ثنائيّة: القانون والعدل، وتتخلّل هذه الثنائيّة الجبايةُ والجنودُ.
في هذا السياق بيّن الكاتب المخاطر المحيطة بهذه الخطاطة المنشئة للدولة وخاصّة فساد أعوان الدولة وبطانة الملك وخاصّة عائلته، فهذه المتغيّرات تفسد الأموال وتنفّر أصحابها ويؤدّي ذلك إلى خراب الأسواق (24). وقد قدّم الكاتب نصيحة مهمّة وهي عدم الإكثار من الجباية فمن «جاوز في الحلب حلب الدما(ء)» (25). وهذا ما يذكّرنا مباشرة بقولة مشهورة لابن أبي الضياف في «الإتحاف»، وهو معاصر للوثيقة، تفيد بأنّ وضع الإيالة التونسيّة يشبه بقرة استنزف ضرعها حتّى خرج دمها، في إشارة لكثرة الجباية رغم فقر الناس. وقد قدّم بن خوجة استنتاجًا مستلهمًا من أحد مواقف أبي جعفر المنصور، فالدولة تقوم أساسا على القضاء العادل والأمن/الجند المنتبه القويّ، والمشرف على الجباية، المتقن لعمله، ورابعًا، وهذا الأهمّ، بطانة سياسيّة ومستشارين للملك ومعتمدين على جهاز مخابرات لمراقبة الأجهزة الثلاثة الأخرى ورسم سياسات الدولة (26).
وبيّن بن خوجة أنّ أرسطوطاليس حرص على إبراز أنّ المال رزق ومن المهمّ تصريفه في المصارف التي يستحقّها والضروريّة منها والتي تحتاجها دولته، وإشارة الكاتب هنا واضحة إذ يقصد البنية التحتيّة. بدون هذه الأسس (الطرقات، المسالك التجاريّة، الجسور، الفنادق...) لا يمكن إنتاج الأموال ولا جمع الجباية، فالدولة «والسلطان هما السوق الأعظم للعالم ومنه مادّة العمران» (27). إذًا، فلا يوجد مال بدون بذل من السلطان ولا يحصل الربح بدون استثمار من الدولة. فبخل السلطان وحاشيته يؤدّي ضرورة إلى كساد الأسواق وضعف الأرباح وتقلّ بالتالي الضرائب (28). نستنتج إذًا أنّ السلطان هو المحرّك الأوّل للمال والبيع والشراء، أي إنّه آلة صرف واستهلاك عظمى. في هذا السياق استنتج الكاتب أنّ المال «متردّد بين الرعيّة والسلطان» (29)، فهو تبادل عقلانيّ وخاضع للمصالح، فالاتّجاه الأوّل ينتج من السلطان إلى الرعيّة فهو الباني للعمارة والعمران والبنى التحتيّة بأنواعها والمستهلك الأوّل. في المقابل، تنتج الرعيّة الجباية.
وصل بن خوجة في هذه المرحلة من تحليله إلى فكرة «الرعيّة عبيد» (30)، لا بالمعنى السلبيّ لمعنى العبوديّة أي الخضوع التام والسلبيّ. بل يُقصد من ذلك مسألة الأمن العام والتهدئة الاجتماعيّة Pacification sociale، فلا توجد تجارة زمن الاضطراب والأزمة، وبالتالي سوف تنعدم الجباية سواء ماليّا أو ديمغرافيّا. ولهذا تحتاج الدولة بطريقة حيويّة إلى الأمن والسلم لتنمية الثروة ورفع حجم الجباية. والطريقة الأمثل هنا هي ضمان طاعة النّاس لتجنّب الثورات والحركات الاجتماعيّة. وهنا اختلف العلماء حول معنى آية ﴿..أُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ..﴾[ النساء: 59] ، فمنهم من قال الصحابة وآخرون عرّفوها بالعلماء وعدد مهمّ من المفسّرين أشار إلى أنّها تعني «العلماء». وقد مال المؤلّف إلى التفسير الأخير. ولهذا تحوّلت هذه الآية لوسيلة مهمّة للتهدئة والتماسك الاجتماعيّ. ونشأت عن هذه الإشكاليّة نظريّات عديدة ومدعّمة بأحاديث نبويّة كثيرة وموروث عميق من قبيل مُجمل أحاديث مفارقة الجماعة وغيرها (31). الهدف الأسمى من مجمل هذه الرهانات هو المحافظة على التماسك الاجتماعيّ والسلم الأهليّ المؤدّي مباشرة لسهولة وأمان التبادل التجاريّ المنتج للثروة وبالتالي للجباية ومن ثمّة استمرار مؤسّسة الدولة.
يصبح الخروج عن الحاكم في هذا السياق «جاهليّة» (32) لا بالمعنى الدينيّ وإنّما بمعنى تفكيك الدولة وهي «سياج العالم» حسب عبارة الكاتب والحامية لمصالح الناس والموفّرة لأمنهم وسلامتهم الجسديّة والماليّة، والحامية لذاتها ووجودها أساسا. ولهذا فمسألة طاعة السلطان ومنع الخروج عنه لم يكن لها هدف دينيّ أساسا وإنّما هو لبّ رحى محافظة الدولة على كيانها وسلامة وجودها، ومثّل الدين هنا شرعنة لهذا الرهان الحيويّ. وقد سعى بن خوجة إلى رسم خطاطة أوليّة لترسيخ مسألة «الطّاعة» مستندا إلى الدّين والحكمة وخاصّة الفارسيّة، فقد أورد قصّة عن كسرى مفادها أنّ السلطان يُعزّ بالطاعة، وتحصل الطّاعة بالتودّد أساسا إلى الخاصّة (البطانة، أعوان الدولة وأعيانها، رجال الدّين...) والعدل مع «العامّة» (33). وهذا ما يدعونا إلى استنتاج اعتماد الدولة على ترضية أصحاب النفوذ والمكانات الاجتماعيّة (الخاصّة بلغة النصّ) وتجنّب الإضرار بمجمل النّاس بحكم أنّهم عادة ما يكونون وقود كلّ حركة اجتماعيّة (العامّة بلغة النصّ)، والقاسم المشترك بين هاتين الفئتين هو الطاعة للسلطان، غير أنّ طرق إنتاج الطاعة تختلف من التودّد للخاصّة إلى إظهار العدل للعامّة، فالعدل يجمع «الرعيّة» على الطاعة (34)، والتودّد يقرّب الخاصّة ويرضي ذواتهم.
وهنا وصل بن خوجة إلى تفسير عبارة أخرى لأرسطوطاليس وهي «يتعبّدهم العدل»، «فالعامّة» لا تحتاج إلّا إلى العدل، فهم لا أطماع سياسيّة لهم ولا يطلبون من المال إلّا الكفاف ورزق يومهم. أمّا الظلم فهو ينتج النقمة أو «الرياء والتصنّع» زمن الخوف والتوجّس (35). ولهذا يتحوّل زمن الحركات الاجتماعيّة والثورات إلى لحظة للانتقام. وقد بيّن الكاتب حكمة مهمّة وهي أنّ قلب الحاكم يجب أن يكون «قسمةً وشركةً» بين «الرعيّة» لكلّ واحد منهم فيه نصيب، ولا أحد أحقّ من الآخر، بحيث «لا يطمع القويّ في حيفه ولا ييأس الضعيف من عدله» (36).
إذًا، يمثّل عدل الإمام أسّ الأساس لمشروع الدولة، وقد عبّرت عن ذلك عبارة أرسطوطاليس «العدل ميزان»، وأعطاها بن خوجة عبارة دينيّة وهي «ميزان الله» وهدفه القيام بالقسط وحماية الضعيف ودفع نفوذ القويّ. ولهذا يحتاج السلطان إلى ثلاثيّة حيويّة وهي: «عمود ولسان وكفّتين»، فالعمود هي السياسة واللسان حسن السيرة والكفّة هي النصح والرحمة والرأفة (37).
نلاحظ أنّ بن خوجة اعتمد مصادر مختلفة ومتنوّعة لتقوية حجج مؤلّفه مثل الكتب التاريخيّة والفقهيّة وكتب التفسير والحديث ومؤلّفات المرايا السلطانيّة(38)، وقد كان وفيّا عند ذكر هذه المصادر. فقد ذكر ابن خلدون والطرطوشي والشاطبي والترمذي وابن ماجة وابن حبّان والبخاري والقرطبي وغيرهم كثيرين(39). ويؤكّد هذا الأمر حجم الجهد المبذول لكتابة العمل ووعي بن خوجة بالمسؤوليّة التي كلّفه بها مصطفى خزندار، وخاصّة صعوبة تأويل وتفسير أقوال أرسطوطاليس وتبيئتها في البيئة التونسيّة خلال القرن التاسع عشر.
بيّن بن خوجة أنّ السلطان يحتاج لخمس خصال لإنفاذ سلطانه، وهي حسن نواياه وصدقها مع المحافظة على الهيبة والإحسان إلى الرعيّة وترك الطمع في مال الناس ومال المملكة، وأن يدافع عن الضعفاء في نزاعاتهم مع الأغنياء ويعمل بالعدل خاصّة مع الجند ليأمن جانبهم (40). وفي هذه المرحلة من الكتاب وصل بن خوجة إلى قول أرسطوطاليس عن العدل بأنّه «به قوام العالم» (41). فالعدل هو الخيط الناظم للمملكة وأسّ الأساس ولبّ الرحى، فهو القاسم المشترك بين مجمل الفاعلين وصمغ العلاقات الاجتماعيّة، وهو نفسه يمكن أن يتحوّل إلى جرثومة الانقسام. كما أكّد الكاتب على أهميّة التشاور في استقامة حال المملكة (42)، فواجب البطانة هو تقديم النصيحة ودور الحاكم أن يتقرّب إلى النخبة والأعوان والأعيان باستشارتهم، فهذه ممارسة راسخة في التقرّب منهم ومراعاة مكاناتهم واستئمان مكرهم إن لزم الأمر. إذا فالمشورة لها جانب معرفيّ واستفادة الحاكم من الفهم، وجانب تقرّب وتهدئة. وقد قُدّمت اجتهادات كثيرة في مسألة من يتمّ استشارته، فهناك من قال إنّ الشيوخ هم أولى الناس بالمشورة، حيث «رأي الشيخ خير من مشهد الغلام» (43)، وبرز رأي آخر يفيد باستشارة أصحاب التجارب مهما كان عمرهم فكفى «بالتجارب تأديبا وبتقلّب الأيّام عظة». في المقابل أكّدت العرب أهميّة مشاورة الشباب لكونهم ينتجون رأيًا سليمًا وهم أبناء زمانهم، ولم تستول عليهم «رطوبة الهرم» (44). 
كما أكّد بن خوجة على ميزة مهمّة أوصى بوجودها مجمل كتّاب المرايا السلطانيّة ألا وهي الحلم والمغفرة عند المقدرة وتجنّب الغضب. فالسلطان لا يمكن أن يمارس الحكم في حالة غضب أو انتقام أو تشفٍّ (45)، وهذا أمر مهمّ يحملنا إلى تعريفات معاصرة لمؤسّسة الدولة باعتبارها كيانا اعتباريّا لا مشاعر تؤثّر فيه ولا شخصنة تحدّد طبيعة رهاناته وأهدافه (46). ومن الأفكار المهمّة التي ختم بها الكاتب عمله هي تأكيده على ضرورة تحلّي الحاكم بالأخلاق (47)، فالأخلاق هنا ليست مسألة شخصيّة أو فضيلة يؤجر عليها الإنسان أو تبني مكانته الاجتماعيّة وإنّما هي لحظة تماسك للمجتمع وإنتاج الثقة الجماعيّة حيث يتحوّل السلطان إلى عنصر ثقة لمؤسّسة الدولة ككلّ وصمغ لتشكيل التماسك الاجتماعيّ ووسيلة لإنتاج الثروة والسيرورة الماليّة التي سبق أن بينّاها منذ بداية البحث. والأهم أنّ الحاكم يتحوّل إلى قدوة لإنتاج الكينونات الأخلاقيّة ونظم الفضيلة الاجتماعيّة. وهذا ما برز في سياقات حضاريّة أخرى مثل الأوروبيّة (48)، أو العثمانيّة (49)، ويتشابك في هذا السياق الإحسان بالأخلاق والعدل والأمانة والثقة (50)، أي الأنسنة السياسيّة.
لذلك، ليس من الصدفة أن يؤكّد الكاتب على مسألة الأخلاق في الصفحة الأخيرة من عمله، فالأخلاق هي الضمانة الحيويّة لإنتاج مشروع للدولة قابل للديمومة والاستمرار والعيش.
الخاتمة:
هل يمكن أن يقدّم لنا القرن التاسع عشر رؤيته الخاصّة للمرايا السلطانيّة وكتب النصيحة السياسيّة؟ هل هناك ما يمكن أن يعدّ جديدًا في نمط أدبيّ نمط أدبيّ حُرّرت فيه كتب كثيرة وأعمال جليلة؟
بيّنت لنا وثيقة بن الخوجة المهمّة والأساسيّة والنادرة في ميدان النصائح السلطانيّة خلال القرن التاسع عشر أنّ إنتاج الفضيلة كان هاجسًا لروّاد الإصلاح، وقد أُنجز العمل أصلًا بناءً على طلب من الوزير الأكبر مصطفى خزندار. هل يمكن الربط بين سنة نشر الوثيقة (1873) وسنة عزل خزندار (1873)؟
دخلت البلاد التونسيّة بعد عزل خزندار مباشرة في زمن صراع على السلطة بين مراكز نفوذ كثيرة ساهمت في إيصال مصطفى بن إسماعيل إلى السلطة، وأسهمت بالتالي في تسريع انتصاب الحماية، ومن ثمّ عدم الاستفادة من مثل هذه الوثائق المهمّة.
سعى بن خوجة إلى إنتاج زبدة تاريخيّة لأهمّ أفكار المرايا السلطانيّة، ولم يكتفِ بذلك بل راكم عليها وأضاف لها أفكار ابن خلدون بعد إعادة اكتشافها وتجارب الإصلاح خلال القرن التاسع عشر. وقد قدّم سيرورة واضحة لحماية وجود مؤسّسة الدولة وديمومتها وهو هاجس أساسيّ لرجال الإصلاح خلال القرن التاسع عشر سواء لإنزال برامج الإصلاح أو دفع المشاريع الاستعماريّة التي برزت في الجزائر منذ سنة 1830. يبدأ المشروع بالفضيلة والثقة وينتهي بالأخلاق، وبين ذلك يحضر العدل والجباية وتوزيع الثروة والجند. أي إنّها تشمل الشؤون الماليّة والاجتماعيّة والأمنيّة والعسكريّة والاستخباراتيّة والمعاش. ويتربّع على هذه المكوّنات سلطة مركزيّة محايدة ومجرّدة وأخلاقيّة في الآن ذاته تسعى لإنفاذ القانون (سواء كان إلهيًّا أو طبيعيًّا).
الهوامش
(1) دار الكتب الوطنيّة بتونس، رمز الترفيف: A-BR-10836
(2)  المصدر السابق ، ص.5
(3) نفس المصدر، ص.5
(4)  نفس المصدر، ص.6
(5)  نفس المصدر، ص.7
(6) نفس المصدر، ص.7
(7)  نفس المصدر، ص.9
(8)  Róbert Simon, “East and West: Ibn Khaldoun and the Sciences of History”, Mediterranean Studies Vol. 2, Greece & the Mediterranean (1990), pp. 51-59; Stephen Frederic Dale, “Ibn Khaldun: The Last Greek and the First Annaliste Historian”, International Journal of Middle East Studies Vol. 38, No. 3 (Aug., 2006), pp. 431- 451
(9)  دار الكتب الوطنيّة بتونس، رمز الترفيف: A-BR-10836،  ص.9-10
(10) نفس المصدر، ص.10
(11) نفس المصدر، ص.12
(12)  نفس المصدر، ص.13
(13)  نفس المصدر، ص.13
(14)   نفس المصدر، ص.14
(15)  دار الكتب الوطنيّة بتونس، رمز الترفيف: A-BR-10836، ص.15
(16) نفس المصدر، ص.15
(17)  نفس المصدر، ص.15-16
(18)   نفس المصدر، ص.16
 (19)  نفس المصدر، ص.16
 (20) نفس المصدر، ص.16-17
 (21) نفس المصدر، ص.17-18
 (22)  نفس المصدر، ص.18
(23)  دار الكتب الوطنيّة بتونس، رمز الترفيف: A-BR-10836،ص 18
(24)  نفس المصدر، ص.18-19
(25)  نفس المصدر، ص.19
(26)   نفس المصدر، ص.19-20
 (27)  نفس المصدر، ص.20
 (28)  نفس الصفحة
(29)  نفس الصفحة
(30)  نفس الصفحة
(31) الوثيقة المذكورة، ص.21
(32)  نفس المصدر، ص.21
(33)  نفس المصدر، ص.23
(34) نفس الصفحة
(35)  نفس الصفحة
(36)  نفس الصفحة
(37) نفس المصدر، ص.27
(38)  بخصوص الاعتماد علة الكتب التاريخيّة لفهم الماضي والحاضر استخدم مقال مهمّ عبارة حيويّة وهي النظر في المرآة، بمعنى التمعّن وانتزاع الحكمة والتدبّر. فالنظر للمرآة هو مصارحة ومكاشفة وحديث مع واقع موجود وفي الآن نفسه النظر للجميع وتاريخهم. أنظر:
Margaret J. M. Ezell, “Looking Glass Histories”, Journal of British Studies Vol. 43, No. 3 (July 2004), pp. 317-338
(39)   نفس الوثيقة المذكورة سابقا، 26-28
(40)  نفس المصدر، ص.29
(41)  نفس المصدر، ص.30
(42)  نفس المصدر، ص.31-33
 (43) نفس المصدر، ص.33
 (44) نفس المصدر، ص.33
 (45) نفس المصدر، ص.36-41
 (46)  Andrew D. Mason, “Autonomy, Liberalism and State Neutrality”, The Philosophical Quarterly (1950-) Vol. 40, No. 161 (Oct., 1990),  pp. 433- 452 
(47)   الوثيقة المذكورة، ص.42-43
(48)  James Turner Johnson, “Moral Traditions and Religious Ethics: A Comparative Enquiry”, The Journal of Religious Ethics Vol. 25, No. 3, 25th Anniversary Supplement (1997), pp. 77 -101
(49)  NIR SHAFIR, «Moral Revolutions: The Politics of Piety in the Ottoman Empire Reimagined», Comparative Studies in Society and History Vol. 61, No. 3 (JUL 2019), pp. 595-623
(50)                          Yaacov Lev, “CHARITY AND JUSTICE IN MEDIEVAL ISLAM”, Rivista degli studi orientali Vol. 76, Fasc. 1 /4 (2002),  pp. 1- 16