دراسات

بقلم
موسى علاوة
فلسفة التاريخ عند القديس أوغسطين، الأسس والمعالم (1-4) فلسفة التاريخ وسؤال أوغسطين
 يُعدّ التاريخ شاهدًا على حركة الإنسان في المجتمع، في سياق علاقته بغيره من الكائنات والمخلوقات، وتفاعله معها بما يُقرّ وجوده الفاعل. فهو أكبر شاهد على نجاحات الإنسان وإخفاقاته، وهذا ما يدعو إلى قراءته قراءة تفاعليّة مبنيّة على الوعي بأهميّته في توجيه الفكر والنظر الإنسانيّ ضمن محيطه الاجتماعيّ. فقراءة التاريخ تكون للاعتبار والاستبصار؛ إمّا للإقدام والاستلهام من نجاحات الأمم والشعوب السابقة، والسير على خطاها وفق ما يتطلّبه الواقع، أو للإحجام وأخذ العبرة من تجارب الأمم التي أخفقت في مسارها.
ومن هنا يغدو التاريخ منهجًا وطريقة لبناء الحاضر واستشراف المستقبل. أمّا فلسفة التاريخ فهي القراءة التي تنقل التاريخ من مجرّد جرد للأحداث إلى قراءة فلسفيّة تدرس الإنسان داخل التاريخ، في سياق تفاعله الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ والدينيّ، وتنظر في السنن الكونيّة والاجتماعيّة التي تحكم حركة الجماعات والأمم. وهذا ما يدعو إلى الاطّلاع على كتابات فلاسفة التاريخ، ومناهجهم، واتجاهات تفكيرهم. ولعلّ من أبرز هذه الكتابات فلسفة التاريخ عند القدّيس «أوغسطين»، التي اتجه بها إلى أفق جديد في قراءة التاريخ وفلسفته، محاولًا فهمه بمنهج لاهوتيّ ينطلق من الخلفيّة الدينيّة المسيحيّة، ممّا شكّل قفزة نوعيّة في قراءة التاريخ.
إنّ الناظر في حال الدراسات التاريخيّة يجد حراكًا كبيرًا على مستوى الموضوعات المتناولة والإشكالات المطروحة، ويرجع ذلك إلى غنى القضايا المبثوثة في هذا الحقل المعرفيّ. وبالرجوع إلى تاريخ هذا العلم نجد أنّه قطع محطّات كثيرة قبل أن يتقاطع مع الفلسفة، ليكوّن معادلة علميّة اسمها فلسفة التاريخ. ويبحث هذا المبحث الفلسفيّ في القوانين والعلل المسيّرة لأحداث تاريخ الشعوب والأمم، كما يقوم على دراسة التاريخ وسننه ونواميسه.
وتُعدّ فلسفة التاريخ حقلًا معرفيًّا متفرّعًا عن الفلسفة، كما أنّها تعجّ بالاختلافات المنهجيّة والمعرفيّة، ويرجع ذلك إلى الخلفيّات الفكريّة والفلسفيّة المؤطّرة للباحثين في هذا المجال. فمنذ «أوغسطين»، مرورًا بابن خلدون(1)، وصولًا إلى العصر الحديث، عرف هذا العلم ازدهارًا ملحوظًا وشهد أزهى فتراته العلميّة، نتيجة الاهتمام الكبير الذي لقيه من نخب سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة في المجتمعين الأوروبيّ والإسلاميّ على حدّ سواء. ومن ثمّ أصبح التاريخ وفلسفته يُعالَجان انطلاقًا من مرجعيّات مختلفة، ويتأطّران بضوابط منهجيّة متعدّدة. وبالنظر إلى مؤلّفات قدماء الفلاسفة والمؤرّخين، نجد أنّها لا تخلو من تأمّلات ذات صلة بتفسيراتهم للتاريخ وأحداثه المتتابعة. 
وإذا نظرنا إلى تاريخ فلاسفة التاريخ الذين تركوا بصمة كبيرة داخل هذا الحقل المعرفيّ، من قبيل القدّيس أوغسطين، و«ابن خلدون»، و«فولتير»(2)، و«توينبي»(3)، وجدنا غنًى في القضايا المتناولة؛ إذ يفسّر كلّ واحد منهم التاريخ انطلاقًا من خلفيّته الدينيّة والفلسفيّة. لهذا نحن بصدد دراسة نموذج من النماذج الكبرى التي تركت أثرها في فلسفة التاريخ، ويتعلّق الأمر بالقدّيس «أوغسطين»، الذي قرأ التاريخ قراءة لاهوتيّة انطلاقًا من مرجعيّته الدينيّة وخلفيّته الفلسفيّة القائمة على الرؤية الأفلاطونيّة والأفلوطينيّة. وسنحاول تحليل هذه الرؤية المعرفيّة لفلسفة التاريخ عند القدّيس «أوغسطين» انطلاقًا من إشكالات مركزيّة، من أهمّها: من هو القدّيس أوغسطين؟ وما الظروف التاريخيّة والسياسيّة والاجتماعيّة التي عايشها؟ وما علاقة الرجل بالفلسفة والتاريخ حتى جاز تصنيفه فيلسوفًا للتاريخ؟ وما أبرز مؤلّفاته في هذا المجال؟ وما مضمون فلسفته التاريخيّة؟ إنّها أسئلة سنحاول الإجابة عنها في فقرات هذه الدراسة.
1. التعريف بشخصه
يُعدّ القدّيس «أوغسطين» أحد أكبر رجال المسيحيّة على الإطلاق، وواحدًا من أهمّ منظّري فلسفة التاريخ في العصر الوسيط في أوروبا؛ لذلك وجب الاقتراب من حياته الشخصيّة والعلميّة للتعرّف إلى ملامح تكوّنه الفكريّ والروحيّ.
القدّيس «أوغسطين» فيلسوف مسيحيّ وأحد كبار رجال الكنيسة الكاثوليكيّة. وُلد في تاغاست، وهي ما يُعرف اليوم بسوق أهراس في شرق الجزائر، في 13 نوفمبر 354م، وتوفّي في «هيبّون»، التي تُعرف اليوم ببونة، في 14 أغسطس من سنة 430م. كان أبوه وثنيًّا، بينما كانت أمّه مسيحيّة.
درس «أوغسطين» النحو في تاغاست، والفنون الحرّة وفنون الخطابة في قرطاجة. ويصف أحواله في السادسة عشرة من عمره، فيشير إلى أنّه كان منهكًا من الانغماس في اللذّات والشهوات، غير مهتمّ بالدراسة، حتى إنّه تركها في تلك السنة وأقام في منزل أبيه. ويقول عن حاله في تلك المرحلة: «ولدى خروجي من طفولتي، اندفعت إلى إرواء تعطّش لا أخشى فيه الشهوات، وأسلمت نفسي لتيّار لا نهاية له من الشهوات المتزايدة في قلبي يومًا بعد يوم، كأنّها عناية كثيفة»(4).
وبعد وفاة والده، عاد إلى قرطاجة في كفالة أحد أقربائه، وهناك بدأ حرصه على التعليم. وفي سنّ التاسعة عشرة قرأ كتابًا لشيشرون، فأثّر في نفسه أبلغ تأثير؛ إذ أوقد في عقله حبّ الحقيقة الخالدة والحكمة الدائمة. وبعدها صار معلّمًا ناجحًا للخطابة في قرطاجة، وفي الوقت نفسه استمرّ في تعليم نفسه، فدرس كتاب «المقولات» لأرسطو. وفي سنّ السادسة أو السابعة والعشرين ألّف أوّل كتبه، وهو «رسالة في الجميل والملائم»، كما اشتغل بالتدريس، وكان معلّمًا للخطابة في مدينة ميلانو، وألّف عدّة كتب، من أشهرها كتاب «مدينة الله».
2.  ظروف عصره
من الواجب على أيّ باحث في حياة عالم من الأعلام أن يقف على ظروف عصره؛ لأنّ هذه الظروف كثيرًا ما تقوده إلى التأليف والكتابة والتنظير. فقد يكون تأليفه نقدًا للوضع السائد في مجتمعه، أو اعتزازًا به، أو إجابة عن أسئلة يطرحها واقعه. وهذا ما ينطبق على شخصيّة القدّيس «أوغسطين»؛ إذ إنّ من أهمّ الظروف التي تدفع المفكّر أو الفيلسوف إلى بناء نظرية في فلسفة التاريخ وجود حالة من الانحلال والتدهور، وقلق عميق على المستقبل.
ومن هذا المنظور، نجد أنّ الظروف التي عاصرت ظهور نظرية العناية الإلهيّة عند «أوغسطين» تمثّلت، في جانبها المسيحيّ، في تعرّض الإمبراطوريّة الرومانيّة للسقوط نتيجة لغزوات القبائل الجرمانيّة. وقد أشاع ذلك فكرة مفادها أنّ انتصار الوثنيّة على المسيحيّة راجع إلى ضعف المسيحيّة كديانة، وأنّها أضعفت الدولة وساهمت في انهيارها. ومن هنا جاء دفاع القدّيس أوغسطين عن المسيحيّة باعتبارها المثل الأعلى للدولة(5).
كما تميّزت فترة العصور الوسطى بالحروب المتّصلة بين الإمبراطوريّة وأعدائها. وهذه الحروب لم تقطع أسباب الدوام والاستمرار في حياة هيئات عديدة، كالأسر الإقطاعيّة والكنيسة، غير أنّ هذه الهيئات عاشت أيّامًا بالغة العنف، كانت الحقوق فيها تضيع وتُنكر، وكان البطش يسود ويحكم. ونظرًا لاتّساع ثقافة رجال الدين آنذاك، فقد أصبحوا مؤرّخي العصر حتى القرن الخامس عشر، حين انتقلت هذه الصفة إلى رجال القانون.
كما أنّ سقوط روما وما حلّ بها من دمار وخراب سنة 410م عُدّ نتيجة لما غشي حياة الرومان من رذائل وفساد. وكانت من أقبح هذه الرذائل شهوة الحكم، وعشق السلطة، والتسلّط على الغير. ومن ثمّ جاء سقوط روما، في هذا التصوّر، كعقاب من الله على بشاعة شرورهم(6).
ومن المعروف أنّ هذه الفترة مثّلت العقود الأخيرة الممتدّة من القرن الرابع الميلاديّ إلى العقد الأوّل من القرن الخامس، حيث كانت مرحلة اضطرابات عميقة أسفرت عن الانتقال من عصر إلى عصر، وعن اختفاء حضارة وبزوغ أخرى؛ أي أفول الحضارة اليونانيّة الرومانيّة في العصر القديم، وبزوغ الحضارة المسيحيّة في العصر الوسيط. وقد تمثّلت عبقريّة «أوغسطين» في تبنّيه حقيقة هذه المرحلة التي عايشها، وفي إدراكه أنّ ثمّة قضايا عديدة تحتاج إلى إعادة طرح ومعالجة جديدة. وكانت على رأس هذه القضايا علاقة الدين بالسلطة السياسيّة، وعلاقة الكنيسة بهذه السلطة.
وكان «أوغسطين»، في معالجته لهذه القضايا، حريصًا على تثبيت حقيقة أساسيّة ينبغي أن تظلّ حاضرة في فهم العلاقة بين المسيحيّة والسلطة السياسيّة، وهي أنّ المسيح لم يدعُ أتباعه إلى الصدام مع السلطة القائمة، ولا إلى الخروج عليها أو تجاهل أوامرها، ما دامت هذه الأوامر لا تمسّ جوهر الإيمان ولا تتعارض مع التعاليم المسيحيّة. فقد كان المبدأ العامّ عنده يقوم على قبول النظام السياسي القائم واحترام سلطته، لأنّ انتظام الحياة العامّة يحتاج إلى سلطة تضبط شؤون الناس وتمنع الفوضى. غير أنّ هذه الطاعة لا تكون مطلقة، إذ تتوقّف عند الحدّ الذي تصبح فيه السلطة مناقضة للوصايا الدينيّة أو دافعة إلى مخالفة الإيمان. وقد جاءت رسالة «بولس» إلى أهل رومية لتعزّز هذا التصوّر، حين جعلت طاعة السلطة السياسيّة القائمة جزءًا من واجب المؤمن، ما دامت تلك السلطة تؤدّي وظيفة حفظ النظام والعدل في المجتمع.
وقد رأى «أوغسطين» أنّ الفصل بين الكنيسة والسلطة السياسيّة، والخروج من المأزق الذي أصبحت فيه المسيحيّة، يكونان بتعديل العلاقة بين الكنيسة والدولة، والرجوع إلى أصول المسيحيّة الأولى. وكان حجر الزاوية في ذلك هو القاعدة القائلة بإعطاء ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. 
وقد أدرك «أوغسطين» أنّ سلامة استقرار المسيحيّة لا تتحقّق إلا بنوع من الفصل بين سلطة الكنيسة والدولة، وبين الدنيا والسياسة، مع الاكتفاء بجعل العلاقة بين الطرفين علاقة تعايش سلميّ. وبالرغم من أنّ الكنيسة تبنّت فكرة «أوغسطين» بعد ذلك، وجعلت منه صاحب نظرية سياسيّة مسيحيّة، فإنّها استثمرت هذه الفكرة لاحقًا في إباحة سيطرتها على الدولة(7).
ومن جهة أخرى، فقد عاش «أوغسطين» زمن أفول الإمبراطوريّة الرومانيّة، وأعطى تفسيرًا تاريخيًّا لسقوط روما، يتمثّل في الانحلال والفساد الأخلاقيّ الذي عمّ المجتمع الرومانيّ بسبب الديانات الوثنيّة التي سادت روما، وهي ديانات لم تكن، في نظره، ذات صلة بتطوير الجوانب الأخلاقيّة في الإنسان(8).
وفي هذا الصدد يتحدّث «أوغسطين» قائلًا إنّ الآلهة لم تكن لتسلّم الناس دون أن يعيشوا عيشة لائقة، تُحترم فيها الآداب وتُصان الأخلاق. وقد استند في ذلك إلى شهادة رجال رومان أفاضل، ليؤكّد أنّ انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة كان نتيجة حتميّة لانهيار الأخلاق الذي تسبّب فيه فساد ديانة الرومان. فالفساد الدينيّ قاد إلى فساد أخلاقيّ وسياسيّ، واستسلم الشعب لغرائزه وإشباع ملذّاته، ولم يعد يطالب الدولة بإقامة العدل وصيانة حقوق الإنسان(9).
ومن هذا المنطلق جاءت دعوة القدّيس إلى اعتناق الدين المسيحيّ، بغية التخلّص من الطابع الغرائزيّ الحيوانيّ، والارتقاء إلى درجة النقاء الروحيّ الذي يضمنه الإيمان بهذه الديانة السماويّة. وفي هذا يقول إنّ الله هو الذي يفيض بيده على ممالك الأرض بأسرها، وإنّ تقدّم الإمبراطوريّة واستمرارها ينبغي أن يُعزيا إلى إرادة الله السامي القدير، لا إلى قدر مجهول أو إلى آلهة وثنيّة عاجزة(10).
هكذا تكشف ظروف عصر «أوغسطين» عن الخلفيّة التي ولدت فيها فلسفته التاريخيّة؛ فقد عايش سقوط روما، واشتداد الجدل بين الوثنيّة والمسيحيّة، وتحوّل التاريخ إلى ساحة للدفاع عن العقيدة وتفسير المصير. ومن هنا نفهم أنّ فلسفة التاريخ عنده لم تكن تأمّلًا مجرّدًا في الماضي، بل محاولة لقراءة الحدث التاريخيّ في ضوء الإيمان والعناية الإلهيّة ومعنى الخلاص.
الهوامش
(1) ابن خلدون هو عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مؤرّخ وفيلسوف وعالم اجتماع عربيّ، وُلد في تونس سنة 1332م وتوفّي في القاهرة سنة 1406م. اشتهر بكتابه «المقدّمة»، الذي قدّم فيه تفسيرًا عميقًا لنشوء الدول والعمران والعصبيّة وتحوّلات المجتمعات
(2)  فولتير Voltaire هو الاسم الأدبي للكاتب والفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أرويه François-Marie Arouet ا(1694-1778)، ويُعدّ من أبرز رموز عصر الأنوار في أوروبا. اشتهر بدفاعه عن حرّية الفكر والتسامح الديني ونقده للاستبداد والتعصّب، ومن أشهر آثاره: «كانديد» و«رسائل فلسفيّة»
(3)  أرنولد جوزف توينبي Arnold J. Toynbee مؤرّخ وفيلسوف تاريخ بريطاني، وُلد سنة 1889م وتوفّي سنة 1975م. اشتهر بعمله الموسوعي «دراسة للتاريخ»، وفيه فسّر نشوء الحضارات وانهيارها من خلال ثنائيّة التحدّي والاستجابة.
(4) عبد الرحمان بدوي: موسوعة الفلسفة المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1 ،1ج ،1984 ص: 247-249.
(5)  أحمد محمود صبحي، فلسفة التاريخ : جدل البداية و النهاية والعد الدائم (مجموعة من المؤلفين)،دار الروافد الثقافية للنشر والتوزيع، ص:169
(6) رأفت الشيخ، تفسير مسار التاريخ،  عين للدراسات و البحوث الاجتماعية والإنسانية، مصر، القاهرة، 2000، ط:1 ، ص85.
(7) القدیس أغسطین: اعترافات ، ترجمة الخوري یوحنا الحلو، ط ،03دار النشر، بیروت، ،1986ص: 50-52.
(8) فلسفة التاريخ : جدل البداية و النهاية والعد الدائم (مجموعة من المؤلفين)،المرجع السابق، ص:50.
(9) القديس أوغسطين، مدينة الله، ترجمة: الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، بيروت، ط2. ص61.
(10) المرجع نفسه، ص:239-240.