فقه المقامات
| بقلم |
![]() |
| الهادي بريك |
| فقه مقامات المشرّع ومنازل التّشريع الحلقة 6: مقام الدّولة ـ الجزء الأخير |
1. من مقامات القيادة العسكرية والأمنية :
في حال النبيّ محمّد عليه السّلام لا بدّ من الجمع بين مقامات القيادة السّياسية بتدبيراتها المختلفة وبين مقامات القيادة العسكرية باجتراحاتها بسبب أنّه عليه السّلام، كما مرّ معنا، كان يجمع بين المقامين معا : القيادة النّبوية بوحي إلهيّ والقيادة العملية الدنيوية ليكون للنّاس قدوة. ما لا ينبغي الغفلة عنه البتّة هو أنّ الإسلام، وقد انفرد بذلك تقريبا، نظام جامع للحياة كلّها. ومن ذا كان نبيّه عليه السّلام يقود الدّين والدّنيا معا، وذلك بسبب خلوده وخاتميته. هذا الأمر، على شدّة وضوحه نظريًّا، تكون الغفلة عنه عند كثير من المسلمين شديدة كذلك.
2. سلب القتيل للقاتل
قال عليه السّلام في واقعة الطّائف « من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه»(1). هذا الإجراء العسكريّ في تعارض كامل مع النصّ الحاكم ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾[آل عمران: 161]. ما هو مقام النبيّ هنا عليه السّلام؟ ليس هو نسخ الآية، ولكنّه إجراء عسكريّ مؤقّت لمعالجة حالة مؤقّتة، وهي حالة هزيمة عسكرية ثقيلة في بداية الواقعة ـ وادي حنين ـ. عالج القائد هنا، وهو محمّد عليه السّلام ـ تلك الهزيمة التي فرّ فيها كلّ الصّحابة ـوعددهم اثنا عشر ألفا، إلا قليلا بذلك الإجراء الاستثنائيّ. وهي معالجة نفسية في وجه منها، إذ إنّ المقاتل يظلّ إنسانا تجري عليه سنّة ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾[العاديات: 8]. هنا هو في مقام القيادة العسكرية وبه يأتمّ كلّ قائد يقدّر تقديره. وليس ذلك حكما عامّا أو نسخا لآية محكمة.
3. الحثّ على الغزو : إجراء مؤقّت لمعالجة مؤقّتة :
قال عليه السّلام: « مَنْ ماتَ ولَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِنْ نِفاقٍ»(2). ليس هذا حكما عامّا مطلقا بل هو تحريض منه عليه السّلام لمعالجة شدّة الهجومات وضراوة الحروب التي يتعرّض لها المسلمون في تلك الأيّام. في أيّامنا نحن لا يقول قائل : «من لم يغز اليوم أو يحدّث بذلك نفسه فهو على شعبة من النّفاق»، وخاصّة في البلاد غير المحتلّة، أي في جهاد المقاومة الذي تكون فرضيته أعلى بكثير من جهاد التّحرير العامّ للنّاس خارج دار الإسلام. نحن اليوم نغزى بشتّى أساليب الغزو المعروفة. جدير بنا القول إنّ من لم يقاوم تلك الصّروف الكثيرة المتنوّعة من الغزو الأجنبيّ لنا بما يستطيع وكلٌّ فيما يليه، يوشك أن يكون من المنافقين أو أن يحدّث به نفسه على الأقل في أضعف الإيمان. وكثير من النّاس اليوم يستهجنون دعوة القرآن الكريم إلى القتال. ذلك ممّا قد يرد في هذه السلسلة، وهو من فقه مقامات التّشريع أي بيان مقامات تلك الدّعوة مثلا وهي ملحّة ومتكرّرة. ومن لا يفقه مقامات التّشريع يظنّ أنّ الأصل في العلاقة هو القتال، بل ربّما القتل كما يهرف آخرون. ولكنّ ذلك مقصور على حالة الحرب المشنونة بقوّة وغزارة في تلك الأيّام ضدّ الإسلام وأهله. اليوم كلّ ذلك عندنا هو مقاومةٌ لتحرير الأرض المحتلّة. أيّ غزو يحدّث به نفسه المسلم الأوروبيّ اليوم مثلا؟ أرأيت كيف أنّ رعاية فقه المقامات تشريعا ومشرّعا معا يتوقّف عليها الفهم الأحسن؟
4. من مقامات الدّولة تنمويا :
قال عليه السّلام « من أحيا أرضا مواتا من غيرِ أن يكونَ فيها حَقُّ مسلمٍ ، فهي لهُ» (3). هذا مقام الدّولة زراعيا وفلاحيا وليس هو حكم دينيّ قاطع ماض لا يتغيّر. رئيس الدّولة عندما يريد تشجيع النّاس على فلاحة الأرض وزراعتها مقاومةً للبطالة أو للتصحّر أو لتورّم عمرانيّ غير متوازن فإنّه يلجأ إلى اجتراح مثل ذلك. اليوم لا وجود لأرض غير مملوكة حتّى يحييها من يحييها. كلّ أرض هي للدّولة أو لأصحابها. قد تتدخّل الدّولة عندما تظلّ الأرض معطّلة كما فعل بعض أمراء الخلافة الرّاشدة الأولى مع بلال الذي أقطعه عليه السّلام أرضا فلمّا أهملها استعادتها الدّولة. كلّ تلك الأمثلة النّبوية في هذه المقامات التي علاقتها بالبلاغ النّبويّ الدّينيّ هي علاقة نوعية لا صورية شكلية، موضوعة لنا لنفقه الحكمة منها ونقتدي بها فيما يعرض لنا. فلا تعطّل مقاصدها ومقاماتها من جهة ولا تظلّ أمثلة ميتة لا عبرة فيها.
5. المسؤولية المالية للدّولة :
قال عليه السّلام: «من ترك مالا فلورثته ومن ترك ضياعا فإليّ وعليّ» (4). قال هذا عليه السّلام بمقام الدّولة، أيّ إنّ الدّولة مسؤولة عن النّاس عندما يتعرّضون لفقر وحاجة وخصاصة وفاقة. الضّياع هنا هم المهدّدون بالجوع وما في حكمه من بعد موت كافلهم. عادة ما يكونون أيتاما أو أرامل. وفي رواية « من ترك كلاّ». أي كلالة ليس له فرع يقوم عليه ولا أصل. تقوم الدّولة بذلك في مقابل الزّكاة التي تأخذها من النّاس وربّما أداءات أخرى لمن يقول إنّ في المال حقّا للدّولة سوى الزّكاة. أليس الغنم بالغرم. ما تغنمه الدّولة يكون عليها غرما عندما يحتاج النّاس. « إليّ وعليّ» بمقام الدّولة، وليس بمقام النّبوّة فحسب. كقوله لأمّ هانئ « أجرنا من أجرت». هذه النّون أسمّيها « نون الدّولة». فليست هي نون العظمة التي لا تصحّ إلاّ لله وحده سبحانه. وليست هي نون الجماعة، إذ المتحدّث واحد. ولكنّها بلساني « نون الدّولة» أي يتحدّث عليه السّلام بنون الدّولة ومقام الدّولة.
حتّى اليوم عندما لا تأخذ الدّولة الزّكاة فهي مسؤولة عن ضياع وكلالة يهلك عنها الهالك. وذلك بسبب أنّها تأخذ الإتاوات والضّرائب والأداءات. وليس اجتراح نظام التّقاعد والشّيخوخة ومختلف التّأمينات اليوم عدا صورة من صور إنفاذ هذا الحديث بمقام الدّولة « فإليّ وعليّ». وهو الذي كان عليه الفاروق عمر إذ سنّ للعجّز من المواطنين، حتّى من أهل الكتاب ما داموا مواطنين في دولته راتبا شهريّا. وعلّل ذلك أنّه في مقابل ما كانوا يؤدّونه من جزيات إلى الدّولة. كما فرض عليه الرّضوان لكلّ مولود جديد منحة. أولئك الأصحاب الذين تكمن خيريتهم في حسن فقههم للمعالجات النّبوية في الحياة وحسن تمييزهم بين المقامات الدّينية الملزمة شكلا ومضمونا معا وبين المقامات الأخرى الملزمة في مقاصدها العامّة، وليست ملزمةً في أشكالها وصورها بالضّرورة.
6. مقام رعاية غلبة الحال :
هذا مقام نبويّ واسع جدّا. ليس هو مقصور على شؤون الدّولة ولكنّه يشمل كلّ ما هو قابل للتّغيّر، وكلّ ما هو ليس بدين موقوف بقول محدّد أو فعل محدّد أو صورة محدّدة أو شكل محدّد أو مكان محدّد أو زمان محدّد أو هيئة محدّدة ـ هو قابل لذلك التّغيّر. هذا مقام قد يكون مستقلاّ. ولو استقلّ فهو متوسّع إلى حدّ يعسر جمعه. ولكنّه فيما رأيت لا يغادر أيَّ مقام من المقامات النبوية غيرَ مقام البلاغ التشريعيّ الملزم ممّا لا يتغيّر. من أمثلته فيما يتعلّق بسياسة الدّولة :
1.6. نصاب السّرقة الذي به تقطع اليد :
قال عليه السّلام :« لا تُقطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَّا في رُبعِ دينارٍ فصاعِدًا» (5). أيّ دينار هو؟ هذه عملة تتغيّر أسماؤها وقيمها من زمان لآخر ومن مكان لآخر. ولكنّ المقام هنا هو مقام رعاية الحال الأغلب ماليّا وقيميّا في تلك الأيّام. وليس هذا تشريعا قارّا راسخا بحيث يكون الدّينار هو العملة المعيارية هنا أو ربعه هو النّصاب اللاّزم. ولكن يقدّر ذلك كما تقدّر زكاة الفطر وزكاة المال نفسها وكلّ ما هو خاضع لتغيّرات العملة والمال السّائل وما يعود إليه من قيمة ذهب وفضّة.
من أكبر القواعد هنا هو أنّ الله تعبّدنا في العمل وليس في العقائد ـ بغلبة الظنّ. هو نفسه عليه السّلام لو كال بمدّه، أي ما يتّسع له كفّاه في توسّط لا انبساط فيه ولا انقباض ـ مرّة من بعد أخرى فإنّ ما كاله من حبّ مثلا لا يكون متساويا حبّة بحبّة. فكيف بمدّ غير مدّه. هذا الأمر الذي يثير معارك طاحنة بين النّاس اليوم علاجه هو غلبة الظنّ في العمل. إذ ذلك لازم من لوازم النّسبية.
2.6. تقدير الفجر وشروق الشّمس وغروبها في البلاد التي لا ترى فيها شمس:
ومثله تقدير شروق الشّمس والفجر قبل ذلك والغروب في البلاد التي لا ترى فيها شمس ولا قمر ولا ظلّ. قوله عليه السّلام في شأن الهلال « أقدروا له» (6) هو قانون وقاعدة تسري على كلّ ما سبيله غلبة الظنّ. ولا يمكن إحصاؤه دوما بعين مجرّدة أو بمجهر متطوّر حديث.
3.6. تقدير أعمار الأضاحي:
ومثل ذلك في أعمار الأضاحي. إذ لمّا جاءت السنّة بأنّ الأضحية تكون من الضّأن بستّة شهور ومن المعز بضعف ذلك فإنّ ذلك مراعاة لغالب الحال في تلك الأيّام. والعبرة هي توفّر اللّحم. وهو اليوم خاضع لعوامل جديدة منها نوع العلف الذي تأكله تلك الدّوابّ.
4.6. تقدير زكاة بعض الموارد:
ومثل ذلك زكاة بعض الموارد من مثل زكاة الخيل والعسل وغير ذلك. فهو ممّا ورد مورد الغالب. إذ هو عليه السّلام يعالج تفصيلا، وليس كليّا ممّا تواطأت عليه قواعد الشّريعة من كتاب وسنّة ـ زمانه ومكانه. فما كان في تلك الأيّام غير قابل للاقتيات أضحى بعضه اليوم مقتاتا. ومثله ممّا كان غير مؤهّل للادّخار أصبح اليوم مدّخرا. وليس اختلاف الفقهاء في زكاة البقر من حيث النّصاب عدا ثمرة لكون البقر لم يكن هو الأغلب في تلك الأيّام. أي في عهده عليه السّلام. ولكنّ زكاة الإبل كانت محدّدة بسبب غلبتها. ومثلها الضّأن والمعز.
التّقدير إذن فيما هو ليس موقوفا وقفا صحيحا صريحا من الشّريعة، قرآنا وسنّة، هو السنّة نفسها. تقدير كلّ ما يمكن أن يتغيّر لسبب ما. ومن ذا اجترح الفقهاء والأصوليّون أعظم قاعدة وهي لا ينكر تغيّر الأحكام، المقصود بها الظنّية لا القطعية كلّ قطع وإحكام ـ والفتاوى بتغيّر موجباتها، وليس موجباتها عدا تغيّر الزّمان والمكان والحال والعرف وغير ذلك ممّا زاد على ذلك.
الشّهادة اليوم هل هي مقيّدة بشهادة الإنسان لحما ودما أم تكون بصوته وصورته؟ صحيح أنّ النّاس مكتوب عليهم جبلّة أن يكون منهم من أهل الأثر ومنهم من أهل النّظر. ولكنّ ذلك لا ينفي الاجتهاد قياسا. فلو احتاج القاضي في قضية قتل عمد مثلا أو في وصيّة من هالك إلى شهادة من لا يمكنه الحضور إليه في مجلس القضاء لحما ودما، فهو يعمل بشهادته صوتا وصورة بما توفّره ثورة التّواصل التي ساهمت في تغيير أشياء كثيرة لو قصّت على من قبلنا لرمي قاصّها بالجنون.
الهوامش
(1) رواه البخاري عن أبي قتادة الأنصاري، صحيح البخاري: (4/ 111). باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلًا فله سلبه، من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه.(2) أخرجه أبو داود (2502) واللفظ له، وأخرجه مسلم (1910) باختلاف يسير، عن أبي هريرة(3) أخرجه أبو داود (3073)، والترمذي (1378) عن سعيد بن زيد(4) جاء في صحيح البخاري (2399)، ومسلم (1619) عن أبي هريرة بالصيغة التالية: «ما مِن مُؤمِنٍ إلَّا وأنا أولى به في الدُّنيا والآخِرةِ، اقرَؤوا إن شِئتُم: {النَّبيُّ أولى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهم} [الأحزاب: 6] ، فأيُّما مُؤمِنٍ ماتَ وتَرَكَ مالًا فليَرِثْه عَصَبَتُه مَن كانوا، ومَن تَرَكَ دَينًا أو ضَياعًا فليَأتِني؛ فأنا مَولاه».(5) أخرجه مسلم (1684) واللفظ له، وأخرجه البخاري (6789) باختلاف يسير، عن عائشة أم المؤمنين(6) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: «سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إذا رَأيتُموه فصوموا، وإذا رَأيتُموه فأفطِروا، فإن غُمَّ علَيكُم فاقدُروا له». أخرجه البخاري (1900)، وأخرجه مسلم (1080) باختلاف يسير. |




