تدبير
| بقلم |
![]() |
| محمد أمين هبيري |
| الأساس الأكسيولوجي للاستراتيجيا: الحياد الأخلاقي وإشكالاته |
1. تعريف المصطلحات
لوضع المقال في إطاره ينبغي تعريف المصطلحات التالية:
1.1 الأساس القيمي:
يُقصد بالأساس القيمي الإطار الذي يحدّد ما يُعدّ مقبولًا أو مرفوضًا في الفعل، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو المؤسّسات أو المجتمعات. ويجب التمييز هنا بين القيم المعلنة، وهي تلك التي يُصرَّح بها صراحةً من قبل المنظمات أو الأفراد، والقيم الضمنية التي تتجلّى في الممارسات والسلوكيات الفعلية، وقد لا تتطابق مع القيم المعلنة.
2.1 الحياد الأخلاقي:
يُعرّف الحياد الأخلاقي بوصفه إقصاءً للسؤال الأخلاقي من القرار العملي، وتركيزًا على النجاعة والفعالية بمعزل عن الاعتبارات القيمية. ويمكن التمييز بين الحياد المنهجي، الذي يعني الموضوعية في البحث والتحليل، والحياد القيمي، الذي يدّعي عدم تأثر عملية اتخاذ القرار بالقيم، وهو ما يثير إشكالات عميقة.
3.1 الإشكالات القيمية:
يُقصد بالإشكالات القيمية ما ينشأ من توترات وصراعات نتيجة غياب المرجعية الأخلاقية الواضحة أو تضارب القيم الضمنية مع القيم المعلنة. وتتعلّق هذه الإشكالات بشرعية القرار، أي مدى قبوله أخلاقيًا واجتماعيًا، وبمآلاته، أي النتائج طويلة الأمد التي قد تنجم عن قرارات تفتقر إلى أساس قيمي متين.
تاريخيا، نشأت فكرة الحياد الأخلاقي في الفكر الحديث، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالعلموية والعقلانية الأداتية التي سادت بعد عصر التنوير. فقد سعت هذه التيارات إلى فصل المعرفة عن القيم، وتقديم العلم كمرجعية وحيدة للحقيقة. وقد انتقلت هذه الفكرة إلى الفكر الإداري والاستراتيجي، حيث أصبحت النجاعة والكفاءة تمثّلان المعيار الأوحد للتقييم، مع تجاهل الأبعاد الأخلاقية(1).
نظريا، تحتل القيم في نظريات الفعل والقرار موقعًا بالغ الأهمية، فادّعاء الحياد الأخلاقي يؤثّر بشكل مباشر في بناء المنهج الاستراتيجي، حيث يتم التركيز على تحقيق الأهداف بأي ثمن، دون اعتبار للآثار الأخلاقية. وتبرز هنا العلاقة المعقّدة بين القيم والنجاعة، فهل يمكن تحقيق النجاعة الحقيقية بمعزل عن القيم؟ (2)
عمليا، يؤدّي الحياد الأخلاقي المزعوم إلى اتّخاذ قرارات قد تكون فعّالة على المدى القصير، لكنها غالبًا ما تكون غير مشروعة على المدى الطويل. فتبرير الوسائل بالغايات، وهو ما يميّز العقلانية الأداتية، يؤدّي إلى أزمات ثقة وشرعية في الممارسة الاستراتيجية، ويقوّض الاستدامة(3).
تتمحور إشكالية هذا المقال حول تساؤلات جوهرية: هل يمكن توجيه الفعل الإنساني دون مرجعية قيمية؟ وهل الحياد الأخلاقي موقف محايد حقًا أم أنه اختيار قيمي مقنّع يخدم مصالح معيّنة؟ وما آثار هذا الحياد في استدامة الفعل وشرعيته في سياق الاستراتيجيا؟
2. الجزء الأول: ادّعاء الحياد الأخلاقي في الاستراتيجيا
1.2. العنصر الأول: تهميش القيم لصالح النجاعة
في السياق الحديث للاستراتيجيا، يلاحظ ميل واضح لتهميش القيم الأخلاقية لصالح التركيز على النجاعة والكفاءة. إذ غالبًا ما يُنظر إلى النتائج المحقّقة على أنها المعيار الأسمى لنجاح أي خطة أو قرار، بينما يُغفل أثر هذه القرارات على المعايير الأخلاقية أو العدالة الاجتماعية. في هذا الإطار، يُفصل البُعد القيمي عن عملية اتّخاذ القرار، ليصبح التركيز على تحقيق الأهداف بأقل تكلفة ممكنة وفي أسرع وقت، دون النظر إلى التبعات الإنسانية أو الأخلاقية لهذه الإجراءات. ونتيجة لذلك، تختزل الاستراتيجيا الحديثة الإنسان في مجرّد أداة ضمن معادلة تهدف إلى تحقيق النتائج، متجاهلة دوافعه ومشاعره وقيمه الجوهرية. وقد يؤدّي هذا النهج إلى سلوكيات تنظيمية أو مؤسّسية قاسية أو غير عادلة، ويطرح تحدّيات جوهرية حول مسؤولية القادة والمخطّطين الاستراتيجيين تجاه الأفراد والمجتمعات، ويستدعي إعادة التوازن بين الكفاءة والالتزام بالقيم لضمان استدامة الفعل الاستراتيجي وشرعيته (4).
2.2. العنصر الثاني: القيم الضمنية غير المعلنة
على الرغم من الادّعاء بالحياد والموضوعية، فإن الاستراتيجيا نادرًا ما تكون خالية من القيم، إذ تحمل دومًا مجموعة من القيم الضمنية غير المعلنة. فتتجلّى فيها قيم القوة والهيمنة، والسيطرة والكفاءة، وهي قيم أساسية في العقلانية الأداتية التي تسود التفكير الاستراتيجي الحديث. هذه القيم لا تظهر صراحة، لكنها تتغلغل في تصميم السياسات والخطط وعمليات اتّخاذ القرار، ما يؤدّي إلى إعادة إنتاج منظومة قيمية معيّنة باسم الحياد. ونتيجة لذلك، تُخفى الأجندات الحقيقية وراء واجهة من الحياد والكفاءة، ما يجعل التعرّف عليها ونقدها أمرًا صعبًا، ويحدّ من قدرة المتأمل أو الممارس على التمييز بين ما يمثّل توجيهًا أخلاقيًا فعليًا وما يمثّل مجرّد سعي إلى النفوذ والهيمنة.
هذا البُعد الضمني يطرح أسئلة جوهرية حول مدى شرعية الممارسات الاستراتيجية وموضوعيتها، ويستدعي التفكير النقدي في كيفية إدماج الاعتبارات القيمية والأخلاقية ضمن عمليات التخطيط والتنفيذ، لضمان أن تبقى الاستراتيجيا أداة لخدمة الإنسان والمجتمع، لا مجرّد وسيلة لإعادة إنتاج السلطة والسيطرة (5).
3. الجزء الثاني: إشكالات الحياد الأخلاقي وحدوده
1.3. العنصر الأول: أزمة الشرعية الأخلاقية
يؤدّي الحياد الأخلاقي في التفكير الاستراتيجي إلى أزمة عميقة في شرعية القرارات المتّخذة. فعندما تُصاغ الخطط وتُنفّذ الإجراءات بمعزل عن القيم الأخلاقية والمبادئ المجتمعية، يفقد الأفراد والمجتمعات الثقة في هذه القرارات، ما يخلق شعورًا بالانفصال بين الفعل الاستراتيجي واحتياجاتهم أو مصالحهم الحقيقية.
هذا الضعف في الشرعيّة يعزّز المقاومة الداخلية للفعل الاستراتيجي، ويزيد من احتمالية تصاعد النزاعات القيمية والصدامات بين الأطراف المختلفة. وإلى جانب بُعدها الأخلاقي، تتجلّى آثار هذه الأزمة على المستوى العملي، حيث يصبح تطبيق الاستراتيجية أكثر تعقيدًا، ويزداد احتمال فشل البرامج والمشاريع، إذ يفتقر التنفيذ إلى دعم المعنيين وقبولهم.
ومن هنا، يظهر أن تجاهل القيم ليس مسألة نظرية فحسب، بل يحمل تبعات عملية مباشرة على فعالية الاستراتيجية واستدامتها، ويبرز أهمية دمج الاعتبارات الأخلاقية ضمن التفكير الاستراتيجي لضمان تحقيق الأهداف بطريقة متوازنة ومستدامة، تحترم الإنسان والمجتمع وتزيد من شرعية ونجاعة القرارات.
2.3. العنصر الثاني: المآلات العملية لغياب المرجعية القيمية
إن غياب المرجعية القيمية في عملية صنع القرار الاستراتيجي يحمل تبعات عميقة على المستويين العملي والأخلاقي. عندما تُتّخذ القرارات في ظل الحياد الأخلاقي، يميل صانعوها إلى التركيز على المكاسب قصيرة المدى والنتائج الملموسة الفورية، متجاهلة التأثيرات طويلة الأمد على الأفراد والمجتمعات والبيئة. هذا الانفصال عن القيم يؤدّي إلى ضعف الشعور بالالتزام والمسؤولية لدى صانعي القرار، إذ لا يُحاسبون على الآثار السلبية لأفعالهم، مما يخلق بيئة تتّسم باللامبالاة والتقليل من شأن النتائج غير المرغوبة.
على المستوى العملي، ينعكس ذلك في فشل الاستراتيجيات على المدى الطويل، إذ تصبح غير مستدامة وتتراجع فعاليتها بمرور الوقت بسبب فقدان الدعم الشعبي والمؤسّسي، وانعدام الثقة في القرارات المتّخذة. أما على المستوى الاجتماعي والأخلاقي، فإن تجاهل القيم يُضعف الشرعية الأخلاقية للاستراتيجيات، ويثير مقاومة ونزاعات، ويضعف قدرة المؤسّسات على التوفيق بين أهدافها وبين مصالح الأطراف المعنيّة.
لذلك، يصبح دمج البعد القيمي في التخطيط الاستراتيجي شرطًا جوهريًا لاستدامة أي استراتيجية، وضمان تحقيق الأهداف بطريقة عادلة ومسؤولة، توازن بين الكفاءة والنجاعة من جهة، والعدالة والقيم الإنسانية من جهة أخرى.
4. ختامًا،
يخلص هذا المقال إلى أن الحياد الأخلاقي في الاستراتيجيا ليس حيادًا حقيقيًا، وإنما هو ادّعاء يخفي وراءه منظومة قيمية ضمنية، غالبًا ما تكون متجذّرة في العقلانية الأداتية. إن غياب المرجعية القيمية يمثّل مأزقًا بنيويًا في الاستراتيجيا الحديثة، ويؤدّي إلى أزمات في الشرعية والممارسة.
الهوامش
(1) رمضاني كمال، عمراني عبد المجيد. (2022). استيطيقا أدورنو وأزمة قيم العقلانية الأداتية (العقل الجمالي في مقابل العقل الأداتي). دراسات في التنمية والمجتمع، 7(3), 115-124.
(2) حاجة بن ناصر. (2015). العقلانية التواصلية كحل لمساوئ العقلانية الأداتية. قرطاس الدراسات الحضارية و الفكرية، 7(2), 98-104.
(3) لشيبة، علي صالح ناجي. (2022). واقع ممارسة القيادة الأخلاقية في الجامعات اليمنية من وجهة نظر الأكاديميين. مجلة الأندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية، (22)، 1-20.
(4) يونس، طارق شريف (2012). الفكر الإستراتيجي للقادة. القاهرة: منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية.
(5) هابرماس، يورغن (2003). العلم والتقنية كأيديولوجيا. ترجمة: حسن صقر، بيروت: منشورات الجمل.
|




