مراجعات
| بقلم |
![]() |
| د. سعيد الشبلي |
| قراءات في التّأويل(الحلقة 6/9) تأويل النّصّ القرآني عند محيي الدّين بن عربي (الجزء الثّاني: في تأوي |
نظام التّأويل
انتبه الغزاليّ إلى ما حصل من تمزيق وتفريق للدّين جعله ظاهرا بدون باطن عند طائفة الحشويّة، وباطنا بدون ظاهر عند الباطنيّة؛ فعمل جاهدا على تجاوز هذا الدّمار المعرفيّ الّذي تأسّس جرّاء هذا التّفريق وذلك من خلال نقد الحشويّة والباطنيّة على السّواء حيث يقول «فإنّ إبطال الظّواهر رأي الباطنيّة الّذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما فلم يفهموا وجهه، كما أنّ إبطال الأسرار مذهب الحشويّة فالّذي يجرّد الظّاهر حشويّ، والّذي يجرّد الباطن باطنيّ، والّذي يجمع بينهما كامل، ولذلك قال ﷺَ «للقرآن ظاهر وباطن وحدّ ومطّلع» وربّما نقل هذا عن عليّ موقوفا»(1). يتبيّن من خلال هذا النّقد أنّ الغزاليّ شعر بحالة ووضع عدم الاكتفاء فيما لو اقتصر المرء على كونه ظاهريّا، أو فيما لو توغّل في الباطنيّة رافضا كلّ ظاهر؛ لذلك عمل على إحياء المنهج الوسطيّ القائم على التّأليف بين العقل والنّقل، وعلى الجمع بين الظّاهر والباطن من خلال التّعويل على آليّة «الاعتبار» باعتبارها آليّة التّأويل الأسلم القادرة على العبور بالذّات من الرّؤية بعين البصر إلى الرّؤية بعين البصيرة.
هذا على مستوى التّنظيم الإبستمولوجيّ لعلم التّأويل أي لنظامه المؤسّس ولآليّته الجوهريّة الفاعلة؛ إلّا أنّ سرّ أسرار هذا النّظام لا يكمن في الحقيقة في القراءة الإبستيميّة لنظامه وآليّاته الموضوعيّة، وإنّما في النّفوذ إلى أتّونه الّذي فيه تنصهر المعاني وتذوب الاختلافات وتنتفي الألوان للوصول إلى الحقيقة الأولى والمعنى الأوّل أساس كلّ تأويل وقاعدة كلّ فهم، إنّنا عندئذ أمام صناعة أخرى هي صناعة الذّات وبعبارة القرآن الكريم: تأسيس البنيان.
في كتابه «المنقذ من الضّلال» يتحدّث الغزاليّ بتوسّع عن تجربته الوجوديّة الشّديدة الالتصاق برحلته العرفانيّة حيث دبّ الشّكّ إلى قلبه في حقيقة ما أقام بنيانه من علم قائم على ضروريّات العقل المحسوبة بديهيّات لا تقبل الشّكّ، وذلك لمّا عصف به سؤال لم يجد سبيلا إلى صدّه وهو: من قال إنّه ليس وراء العقل طور آخر تصبح معه ضروريّاته أوهاما مثلما أصبحت الكثير من معطيات الحسّ لمّا ظهر عليها نور العقل أخيلة لا سبيل إلى إثباتها؟ إنّ العقل الّذي حكم بضلالة البصر الّذي يرى الشّمس على قدر الدّرهم، قد لا يكون هو نفسه أحسن حالا إذا فاجأه نور أعظم منه يكشف له ضلال تصوّراته لمّا حكم بعدم اندماج الشّيء في نقيضه أو باستحالة أسبقيّة الابن على الأب مثلا.. الخ. وبارتجاف قواعد العقل المؤسّسة ومبادئه الضّروريّة المنتجة لمعارفه وتصوّراته، انهار «العلم» بانهيار أعتى أنظمته أعني المعرفة العقليّة القائمة على سلطان البرهان وعلى مقدّمات المنطق وضروريّاته. عندئذ «أعضل الدّاء» كما قال الغزاليّ الّذي وصف حاله قائلا «فأعضل هذا الدّاء ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السّفسطة بحكم الحال لا بحكم النّطق والمقال» (2).
كانت تلك التّجربة قاسية فعلا، ذهبت بسلطان العقل دون أن تذهب بالعقل في حدّ ذاته، وكانت بالفعل الممهّد الحقيقيّ لاقتراب الغزاليّ من سلطان آخر هو سلطان الحقّ سبحانه، ومن نور أكبر وأعظم هو نور الشّرع. يقول مواصلا الحديث عن تجربته بعد بيان انهيار سلطان العقل في وجوده «حتّى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النّفس إلى الصّحّة والاعتدال، ورجعت الضّروريّات العقليّة مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين. ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصّدر»(3). هل كان انهيار سلطان العلم كافيا في مسعى تقرّب الغزاليّ من الحقّ؟ لا، فالواضح أنّه كان محتاجا إلى زلزال آخر يذهب هذه المرّة لا بسلطان الهوى العقليّ بل بسلطان الهوى النّفسيّ، أي بشهوات النّفس متمثّلة في الأهل والمال والولد والأصحاب.
كان ذلك عندما شكّك في المقصد العمليّ الأخلاقيّ الكامن وراء عمله أستاذا في نظاميّة بغداد ومعلّما للعلوم الشّرعيّة ومؤلّفا فيها باقتدار. تساءل قائلا: «من قال إنّه لا يفعل كلّ ذلك رياء وطمعا في حظوظ النّفس من الجاه وحبّ الظّهور؟». عندئذ لم يكن قادرا على تزكية نفسه، وعندئذ أيضا انهار كلّ نظام العمل القائم على الانخراط المعرفيّ في مناشط النّاس وحياتهم المعتادة.
ماذا بقي بعد أن انهار سلطان العلم ثمّ تبعه انهيار سلطان العمل؟ لم يبق شيء تقريبا إلّا مأزق ذات تحيا وجودا ذاتيّا غير مؤسّس ولا مبنيّ على أيّ معنى أو أيّ هدف وخاصّة غير مستند إلى أيّ سلطان؛ عندئذ لم يبق إلّا الحقّ، إلّا الله تعالى: «ثمّ لمّا أحسست بعجزي وسقط بالكلّيّة اختياري التّجأت إلى الله تعالى التّجاء المضطرّ الّذي لا حيلة له فأجابني الّذي يجيب المضطرّ إذا دعاه وسهّل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأولاد والأصحاب»(4).
بتجاوز الذّات لذاتها وتدميرها لنظام وجودها الخاصّ متمثّلا في عقلها بعقلها وقصدها إلى نفسها بنفسها، كانت أيضا تبني تأويلها الجديد والنّهائيّ لمعناها؛ هذا التّأويل الّذي لن يقوم منذ الآن على تصريف الإمكانات الذّاتيّة بل على تعطيلها طلبا لتحصيل تأويل أكبر وأصفى، إنّه التّأويل الإلهيّ للذّات. إنّه أيضا المعنى الأعمق للتّديّن متمثّلا في الإسلام بكلّ حقائقه القائمة على التّسليم والخضوع والتّقوى وليس على المنازعة والمجادلة ناهيك عن الإشراك والكفر.
إنّ كلّ نظام التّأويل سوف يتحوّل إلى نظام موهوب لا إلى نظام مكسوب؛ وكما أنّ مكاسب الذّات سوف لن تكون مقارنة بمواهب الجليل سوى الفقر بعينه، فإنّ تأويلها لن يكون فيما لو تجرّأت على إظهاره سوى الجهل بعينه. إنّ التّأويل عندئذ لن يكتسب سلطانه إلّا من خلال تجربة ومغامرة الذّات بالخروج من مراسيها الآمنة وتحطيم نظام أمانها بنفسها. عندئذ، وعند سدرة منتهى وجودها يبزغ وجود جديد يهب الذّات لا وجودها الخالد فحسب، بل تأويلها النّهائيّ ومعناها الأزليّ الأبديّ، إنّها لحظة النّهاية وهي أيضا لحظة البداية، وذلك على الأصحّ هو التّأويل؛ قراءة للنّهايات من خلال البدايات، وانطلاق من البدايات إلى النّهايات ثمّ اندماج للنّهايات في البدايات، فلا بدايات ولا نهايات، بل حقيقة مستقرّة وذات واحدة أزليّة مستمرّة. تلك اللّحظة الّتي أجاد «أبو القاسم الجنيد» [ت297هـ] تصويرها في مقطوعة جميلة أحسنت «سعاد الحكيم» عنونتها حيث سمّتها «كنتَ بلا أنتَ»، يقول الجنيد: «اعلم أنّك محجوب عنك بك. وأنّك لا تصل إليه بك ولكنّك تصل إليه به، لأنّه لمّا أبدى إليك رؤية الاتّصال به دعاك إلى طلب له فطلبته، فكنت في رؤية الطّلب برؤية الطّلب والاجتهاد لاستدراك ما تريده لطلبك كنت محجوبا، حتّى يرجع الافتقار إليه في الطّلب... فيوصلك بفنائك إلى بقائك لوصولك إلى بغيتك فيبقى ببقائه، وذلك أنّ توحيد الواحد باق ببقاء الواحد، وإن فني الموحّد، فحينئذ أنت أنت، إذ كنت بلا أنت، فبقيت من حيث فنيت» (5).
أن تكون بلا أنت، بمعنى أن تخرج من اعتباراتك لتخلص إلى ذاتك أي أن ترجع بعبارة الجنيد نفسه إلى لحظة الميثاق الأولى الّتي عاهدت فيها الحقّ على التّوحيد والتّجريد، فإنّك عندئذ تؤسّس للتّأويل الّذي لن يكون أبدا سوى تأويلك لوجودك ومن خلال تجربتك أنت. إنّ الذّات تأخذ هنا كلّ حضورها وكلّ معناها باعتبارها أساس الدّين وهدفه. ذلك ما يدعونا الآن إلى طرح السّؤال حول حدود التّأويل.
حدود التّأويل
في كتاب «المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى» يركّز الغزاليّ على الإجابة عن كيفيّة التّعرّف السّليمة والصّحيحة على الله سبحانه وما قد يعترض العارف من المطبّات. وقد انتقد بدون مواربة ما ادّعته بعض الطّوائف الصّوفيّة من القول بالحلول والقول بالاتّحاد واعتبره من أوهام العقول الموحية بالوصول وما هي على الحقيقة وصولا. يقول: «وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد تتخيّل منه طائفة الحلول وطائفة الاتّحاد وطائفة الوصول وكلّ ذلك خطأ. وقد بيّنّا وجه الخطأ في كتاب المقصد الأسنى بل الّذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:
وكان ما كان ممّا لست أذكره فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
وبالجملة، فمن لم يرزق منه شيئا بالذّوق فليس يدرك من حقيقة النّبوّة إلّا الاسم، وكرامات الأولياء على التّحقيق هي بدايات الأنبياء»(6).
هذا النّقد لـ «الاتّحاديّة» ومن قبلهم لـ»الحلوليّة»، ليس قائما على رفض المبدأ الذّوقيّ للتّجربة العرفانيّة الصّوفيّة كما يفعل العقلانيّون عادة، بل هو قائم على أساس من التّجربة نفسها ومن خلال نظام الذّوق ومعاناة آلام طريق الوصول. إنّ التّجربة الذّوقيّة الذّاتيّة هي الّتي تحكم هنا بأنّه لا اتّحاد ولا حلول، وإنّما هو قرب يتخيّل معه ضعفاء العقول أنّهم قد اتّحدوا مع الحقّ، وأنّه قد حلّ فيهم، في حين أنّه لم يحصل شيء من ذلك. ذلك أنّ الغزاليّ وقد سلك طريق القوم ونهج منهج الصّوفيّة بعد أن رشّح طريقتهم واعتبرها باب الوصول وأساس التّقرّب المتين، لم يسع أبدا إلى تدمير عقله لكي يوسّع من دولة اللّاعقل، وإلى التّوسّل بالأساطير والأخيلة ليغيّب المعنى ويذهل عن السّبيل، على العكس، فقد كان العقل ينتفي ليحضر، ويضمحلّ في ثوبه الأوّل البرهانيّ المنطقيّ لكي يلبس ثوبه الثّاني الذّوقيّ النّبويّ، وكان وهو متلبّس بالثّوبين، يحافظ أبدا على خاصّيّته وهويّته الّتي لا انفكاك له عنها، أعني خاصّيّة الإحكام، إحكام المعنى وإحكام المفهوم. وفي حين كانت التّجربة الذّوقيّة تؤول بالكثيرين إلى خدر أقرب إلى التّنويم، كانت تؤول بالغزاليّ إلى يقظة أخرى، وتمكّنه من بصر حديد ازداد معه يقينه وقوي حظّه من إحكام المحكمات وميّزها من المتشابهات. فكان تأسيسه لـ «قانون التّأويل» بعد ذلك قائما على نضج قلّ أن توفّر لغيره إن دلّ فعلى أنّه كان صادقا في حالتي إحكامه لحاله بالوهم أوّلا، ثمّ فسخه لمحكماته ثانيا، ليؤول في النّهاية إلى رؤية ما أحكم الحقّ سبحانه وما شبّه. انظر كيف يبدع في الفصل بين ما هو هو وما هو ليس بهو بل كأنّه هو حيث يقول: «وفرق بين قولنا كأنّه هو وبين قولنا هو هو. لكن قد يعبّر بقولنا هو هو عن قولنا كأنّه هو، كما أنّ الشّاعر تارة يقول كأنّي من أهوى، وتارة يقول أنا من أهوى. وهذه مزلّة قدم. فإنّ من ليس له قدم راسخ في المعقولات ربّما لم يتميّز له أحدهما عن الآخر. فينظر إلى كمال ذاته وقد تزيّن بما تلألأ فيه من حليّة الحقّ، فيظنّ أنّه هو، فيقول أنا الحقّ وهو غالط...» (7).
هكذا يتبيّن أنّ الفهم لم يفقد نظامه وعلامة ذلك أنّ التّجربة لم تذهب بالتّأويل مذاهب الشّطح الّذي أردته في مذاهب الاتّحاديّة والحلوليّة بل أسّست له نظامه وحدّت له حدوده؛ وفي حين تبجّح ابن عربيّ مثلا بأنّ العبد هو الرّبّ وأنّ الرّبّ هو العبد في تأويل غال أقامه على مبدأ استحدثه في الألوهيّة مفاده أنّ الحقّ (الله) قد تنزّل في صورة ممكن، فإنّ الغزاليّ قبله كان يرى مثل هذا الاتّحاد الوجوديّ وهما لا برهان عليه حيث يقول: «لأنّ قول القائل: إنّ العبد صار هو الرّبّ كلام متناقض في نفسه، بل ينبغي أن ينزّه الرّبّ سبحانه وتعالى عن أن يجري اللّسان في حقّه بأمثال هذه المحالات»(8).
هذا الإصرار الحاسم على ملازمة الحدود الّذي أكّدنا على أنّه دليل على أنّ العقل لم يفقد معناه داخل التّجربة الذّوقيّة الغزاليّة بل ازداد بها علوّا واستقامة وتحرّرا، هو ما حمى هذه التّجربة من الانهيار وجوديّا وعرفانيّا طورا تحت مسمّى «الحلول» وطورا آخر تحت مسمّى «وحدة الوجود».
إنّ التّسوية بين الحقّ والوجود الّتي جاءت في قول ابن عربيّ إنّ «الحقّ هو الوجود»(9)
وإنّ «الله هو عين الوجود، وأعيان الممكنات على حالها ما تغيّر عليها وصف في عينها»(10)، لكي يتأوّل نظام الوجود على أنّه نظام إحالة من الحقّ لنفسه في نفسه، وموقف تلوين ظهر به هذا الحقّ «الله» في صور الممكنات وهو عينها: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها»(11)؛ لا يمكن عدّها موقفا تأويليّا قائما على قراءة حقيقيّة ناهيك أن يقوم على تجربة ذوقيّة فعليّة؛ إنّه ادّعاء تأويل الحقّ (الله تعالى) بالحقّ، أي أنّه في النّهاية ليس سوى تألّه كاذب، وتأوّل يدّعي النّيابة عن الله سبحانه في وصف الوجود، أي في تأويل مجراه وكيفيّة تجلّيه، بل وفي كيفيّة ظهوره وتكوينه.
إنّ المماهاة بين الله والوجود قد أغرقت ابن عربيّ في «بحر الوجود» كما ظنّ وتوهّم، في حين أنّه لم يكن في الحقيقة يغرق سوى في الوهم، وهم الوجود لأنّه لا وجود بدون حدود، ولا طاقة للمحدود أبدا مهما بلغ من قوّة المعرفة، بمعالجة الوجود ومقارفته ناهيك عن الانغماس فيه وادّعاء الكلام بلسانه.
إنّ تدمير الفاصل بين وجود الذّات الإنسانيّة والذّات الإلهيّة الّذي رفضه الغزاليّ رفضا قاطعا في رفضه لأقوال «الاتّحاديّة» و»الحلوليّة»، لن يؤول سوى إلى تدمير كلّ الفواصل وكلّ الحدود أي إلى انهيار نظام الفهم بأجمعه بانهيار الدّلالة اللّغويّة، دلالة الألفاظ على معانيها، حيث لا إمكان لقيام أيّ علاقة محكمة داخل المجال العرفانيّ الّذي هو ترجمان المجال الوجوديّ. ذلك ما انتبه إليه الغزاليّ الّذي أصرّ على الحفاظ على دلالات الألفاظ تماما مثل إصراره على الحدود الوجوديّة. يقول: «فإنّ الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشّرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثّقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺَ»(12). ذلك بالفعل الأساس الّذي انبنى عليه الاتّجاه الباطنيّ في كلّ ألوانه واتّجاهاته الصّوفيّة والشّيعيّة وغيرها، أعني تدمير سلطان الظّاهر بدعوى هيمنة سلطان الباطن، وهتك حرمة الألفاظ متمثّلة في معانيها المحكمة وجعلها مجرّد أشباح لا فرق بينها وبين نقائضها. يقول الغزاليّ: «وبهذا الطّريق توصّل الباطنيّة إلى هدم جميع الشّريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهريّ المصنّف في الرّدّ على الباطنيّة»(13).
لم يكن غريبا إذن أن نجد الغزاليّ في «قانون التّأويل»(14)، يرفض تأويل «صفات الأجسام»(15) ويقف منها موقفا لا أدريّا صريحا رغم رفضه حملها على ظاهرها. فهو إذ يرفض أن يعتقد أنّ لله سبحانه يدا مثلا، يأبى أن يخوض في حقيقة هذه اليد. وعلينا أن نفهم تحريجه على العامّة، ودعوته إلى إلجامهم عن علم الكلام، ضمن هذا السّياق نفسه من رفض منهج التّأويل الغالي والتزام الوقوف عند الحدود الّتي سنّها الشّرع وعدم تجاوزها إلى الشّطح وشتّى ادّعاءات الحلول والاتّحاد الّتي همّشت التّصوّف وأضرّت به أيّما إضرار. يقول الغزاليّ: «لا ينبغي أن يخاض مع العوامّ في حقائق العلوم الدّقيقة بل يقتصر معهم على تعليم العبادات وتعليم الأمانة في الصّناعات الّتي هم بصددها، ويملأ قلوبهم من الرّغبة والرّهبة في الجنّة والنّار كما نطق به القرآن، ولا يحرّك عليهم شبهة»(16). والخلاصة الّتي يصل إليها الغزاليّ هي أنّ «أكثر ما قيل في التّأويلات ظنون وتخمينات، والعقل بين أن يحكم بالظّنّ وبين أن يقول أعلم أنّ ظاهره غير مراد إذ فيه تكذيب للعقل. وأمّا عين المراد فلا أدري ولا حاجة إلى أن أدري، إذ لا يتعلّق به عمل ولا سبيل فيه إلى حقيقة الكشف واليقين؛ ولست أرى أن أحكم بالتّخمين، وهذا أصوب وأسلم عند كلّ عاقل، وأقرب إلى الأمن يوم القيامة»(17).
لا غرابة إذن أن يقسّم الغزاليّ علوم الشّرع إلى علم المعاملة وعلم المكاشفة، وأن يؤكّد أنّ حدود البحث العلميّ والقراءة الإحيائيّة كما فعل في كتاب «إحياء علوم الدّين»، يجب أن لا تتجاوز حدود علم المعاملة، وأن تتورّع عن الخوض في علم المكاشفة حيث إنّ أسرار هذا العلم «لا يجوز أن تسطّر في كتاب»(18).
خاتمة
لقد انتقد ابن عربيّ الغزاليّ في كثير من مؤلّفاته وأثنى عليه في بعضها، وكان من جملة ما أراد الطّعن عليه فيه كونه لم ينل ما نال من التّحقيق على النّهج الأمّيّ والكيفيّة النّبويّة في بلوغ علم الأسرار، بل بقي رهين فكره وضحيّة أوهام عقله، حتّى إنّه اعترف أخيرا أنّه لم يتخلّص من شبهات العقل وضيق حدوده فقال: «وعلمت أنّ الكتابة على المحو ليست كالكتابة على غير المحو»(19).
وهذا الاعتراف «الوهميّ» الّذي ينتزعه ابن عربيّ من الغزاليّ انتزاعا بأنّ تجربته لم تبلغ كمالها، وشابتها حيرة المتفكّرين وضلالات البرهانيّين: «وأبو حامد كان محلّه مشغولا بالحيرة فلم يقو قوّة هذا في قبول ما يرد به الفتح الإلهيّ»(20). فجعل من حيرة الغزاليّ وشكّه دليلا على مخالفته للمسار الأمّيّ في العرفان حيث إنّ «الأمّيّ يدخل إلى الله مؤمنا، وهذه الحال الّتي ذكرها أبو حامد ليست حال القوم» (21). ليدلّ هو «ابن عربيّ»، بقيمة تجربته العرفانيّة حيث «فتح» الله عليه وهو بعد شابّ لم يطرّ شاربه، فتجنّب غوائل الشّكّ وتفيّأ ظلال اليقين بدءا وانتهاء...
إلّا أنّنا في الحقيقة ننظر بكثير من الشّكّ إلى هذه التّجربة الأكبريّة القائمة على الادّعاء تلو الادّعاء، والّتي لا تدلّ النّتائج المستخلصة منها سواء على مستوى التّجربة الإنسانيّة أو على مستوى تأويل القرآن على أنّها بلغت في التّمكين العرفانيّ والوجوديّ ما يجعلها مثالا يحتذى. إنّ الانتهاء إلى القول بأنّ فرعون، رأس الظّلم والفساد في الأرض، قد آمن مثلما آمن آدم ومحمّد ﷺَ وغيرهما من الأنبياء، لا يدلّنا في الحقيقة سوى على معنى واحد: أنّ ابن عربيّ لئن انطلق موقنا فإنّه لم ينته سوى إلى شكّ وحيرة هذا إن لم نقل إلى ضلال المسعى وضياع المعنى، في حين أنّ الغزاليّ الّذي لئن عصف الشّكّ به فأهوى من حصونه ما أهوى، قد آل إلى يقين يجعله أقرب إلى مقامات الصّدّيقين والشّهداء والصّالحين.
الهوامش
(1) الغزالي ، مشكاة الأنوار، ضمن رسائل الإمام الغزالي: ص 21
(2) المنقذ من الضلال، ضمن رسائل الإمام الغزالي: ص 21
(3) ن م ، ن ص
(4) ن م: ص 60 - 61
(5) تاج العارفين الجنيد البغدادي، الأعمال الكاملة، تحقيق سعاد الحكيم، مصر، دار الشروق، ط3، 2007: ص ص 264 - 265
(6) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 2003 :ص 153
(7) ن م : ص 152
(8) ن م : ن ص
(9) الفتوحات المكية ، بيروت ، دار صادر، د ت: 2/516
(10) ن م، ن ص
(11) ن م : 2/604
(12) إحياء علوم الدين: 1/85
(13) ن م ، ن ص
(14) انظر هذه الرسالة ضمن رسائل الإمام الغزالي من الصفحة 119 إلى الصفحة 132
(15) المقصود بصفات الأجسام ما وصف به الله تعالى نفسه من كونه ذا يد وعين وساق..الخ
(16) إحياء علوم الدين: 1/114
(17) إحياء علوم الدين: 4/246
(18) الفتوحات المكية: 2/645
(19) ن م، ن ص
(20) ن م ، ن ص
(21) ن م ، ن ص
|




