نقاط على الحروف

بقلم
محمد الحاج سالم
قراءة نقديّة في آليّات التّعامل الفقهي مع السنّة النبويّة: حديث توريث النّساء أنموذجاً
 1. مقدّمة
كيف يمكن أن نُصدِّق أنَّ حديثاً نبويّاً صحيحاً، يُقرُّ فيه النبيُّ ﷺ امرأةً أجنبيّةً على لمسها إيّاه وتفلية رأسه، ويأمر فيه بتوريث النّساء مساكن أزواجهنّ، قد يُهمَل أو يُخصَّص من قبل الفقهاء إلى درجة أن يصبح بلا أثر عملي؟ هذا هو السّؤال الذي يطرحه هذا البحث، وهو ليس سؤالاً نظريّاً، بل مدخلٌ لكشف آليّاتٍ أوسعَ في التّعامل مع السنّة النبويّة، آليّاتٍ حوَّلت النصَّ النبويَّ من دليلٍ تشريعيٍ حيّ إلى مادّةٍ قابلةٍ للتّأويل والتّخصيص، وأحياناً للتّعطيل.
ولئن كان هذا البحث يتناول قضيّةً فقهيّةً في جوهرها، فإنّ كاتبه لا يدّعي الفقهَ ولا يتصدّر له، ولم يقصد إلى استنباط حكمٍ شرعيٍّ أو إصدار فتوى، وإنّما يضطلعُ بمهمّةِ الباحثِ في الإناسة الدينيّة، التي تقتضي رصدَ الظّواهرِ الدينيّةِ في سياقاتِها الاجتماعيّةِ والتاريخيّةِ، وتفكيكَ آليّاتِ اشتغالِها، وكشفَ ما قد يكتنفُها من تناقضاتٍ أو تعسّفاتٍ، دون أن يُلزِمَ ذلك الباحثَ بامتلاكِ أدواتِ الفقيهِ أو الخوضِ في أدقّ مسائلِه. والغايةُ من هذا البحث ليست أكثرَ من محاولةِ فهمِ كيف تعاملَ الفقهاءُ مع نصٍّ نبويٍّ صحيحٍ، وما هي الآليّاتُ التي وظّفوها لتخصيصِه أو تعطيلِه، وما الدّوافعُ الاجتماعيّةُ والتاريخيّةُ التي قد تفسّرُ هذا التّعاملَ، كلُّ ذلك في إطارِ البحثِ العلميِّ الموضوعيِّ، الذي لا يهدفُ إلى الطّعنِ في الفقهِ أو الفقهاءِ، بل إلى فهمِ كيف تُمارسُ السّلطةُ الرمزيّةُ في الحقلِ الدّيني، وكيف يُعادُ إنتاجُها عبرَ آليّاتِ التّأويلِ والتّرجيحِ.
غير أنّ التأمّل في بعض النّماذج يكشف أنّ هذه الآليّات كثيراً ما خدمت رؤى اجتماعيّةً وسياسيّةً سائدة، وكانت أقرب إلى الانحياز للواقع القائم منها إلى الامتداد الصّادق للمقصد النّبوي الأصلي. ومن أبرز هذه النّماذج حديث توريث النّساءَ دُور المهاجرين، وهو حديث صحيح ثابت يفضح في آنٍ قضيّتيْن: الأولى تعطيل الفقهاء حكماً نبويّاً واضحاً يقضي بتوريث النّساء مساكن أزواجهنّ بعد وفاتهم، والثّانية تناقضهم في أحكام الخلوة والحجاب.
فنفس الحديث يروي مشهداً لامرأةٍ أجنبيّةٍ – ليست زوجةً ولا محرَماً – وهي تَفْلِي رأس النبيّ ﷺ في حضرة نسوةٍ أخريات، دون أن يأمرهنّ بالاحتجاب أو يغضب لفعلهنّ. وهذا المشهد – كما سيتبيّن – يتعارض مع ما استقرّ عليه الفقه من تحريم خلوة الأجنبيّة بالأجنبي وملامسة الرجال، ووجوب تغطية الوجه والكفّين. لذلك يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءةٍ نقديّةٍ لموقف الفقهاء من هذا الحديث.
وسيتمّ ذلك من خلال عرض نصّ الحديث كاملاً وتحقيق رواياته، ثم تفكيك الحجج التي استند إليها الفقهاء لتخصيص حكم التّوريث وبيان تهافتها. كما سنقارن موقفهم من حديث الفَلْيِ بموقفهم من أحكام الحجاب والخلوة لإظهار التّناقض المنهجي في التّعامل مع السنّة. وسنحاول في النّهاية تحليل دوافع هذا التشدّد الفقهي في ضوء البنى السلطويّة والاجتماعيّة، لنختم بدعوة إلى إعادة الاعتبار للسنّة النبويّة الصّادقة وفتح باب التّجديد الفقهي التّنويري.
2. النصّ الكامل للحديث ودرجة صحّته: بين مشهديْن متناقضيْن
لنبدأ أوّلاً بنصّ الحديث نفسه، كما ورد في سنن أبي داود، فهو حجر الزّاوية في هذا البحث:
«حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ كُلْثُومٍ، عَنْ زَيْنَبَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعِنْدَهُ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَنِسَاءٌ مِنَ المُهَاجِرَاتِ وَهُنَّ يَشْتَكِينَ مَنَازِلَهُنَّ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِنَّ، وَيُخْرَجْنَ مِنْهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُوَرَّثَ دُورَ المُهَاجِرِينَ النِّسَاءُ، فَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَوُرِّثَتْهُ امْرَأَتُهُ دَاراً بِالمَدِينَةِ»(1).
يحمل هذا النصّ القصير بين طيّاته مشهديْن متباينيْن: مشهدٌ أخلاقيٌّ يجمع النّبيّ ﷺ بامرأةٍ ليست زوجته ولا محرمه، وهي تفلّي رأسه بحضور نساء أخريات، ومشهدٌ تشريعيٌّ واضح يأمر فيه النّبيّ بتوريث النّساء دور المهاجرين. وقد روى هذا الحديث أبو داود، وتابعه فيه البيهقي بلفظه (2)، بينما جاءت رواية أحمد والطّبراني بلفظ «أَنَّ النَّبِيَ ﷺ وَرَّثَ النِّسَاءَ خِطَطَهُنَّ»(3)، وهو ما سنعود إليه بتفصيل.
ومن حيث الصحّة، فقد أجمع المحدثون على صحّة الحديث أو حسنه؛ فقال الألباني: «إسناده صحيح»(4)، وقال محقّقو مسند أحمد: «إسناده حسن»(5). وهذا يعني أنّ الإشكال الذي سنناقشه لا يتعلّق بثبوت النصّ، بل بكيفيّة التّعامل معه، وهو ما يضعنا مباشرة أمام السّؤال المحوري: لماذا يُهمَل العمل بحديث صحيح مثل هذا؟
ولكي نفهم الحديث فهماً دقيقاً، لا بدّ من التوقّف عند بعض التّفاصيل التي أشار إليها شرّاح الحديث. ففي الفتح الربّاني، يوضّح ابن عبد الهادي أنّ لفظ ‎»‎الخِطَط‎«‎ – الذي ورد في رواية أحمد – يعني الأرض التي يختطّها الإنسان لنفسه، وهو ما يفسّر أنّ النّبيّ ﷺ «أعطى نساء المهاجرين خِطَطاً يسكنّها، وهي شبه قطائع لا حظّ للرّجال فيها» (6). كما يشير إلى أنّ راوية الحديث، كلثوم، هي امرأة لا يُعرف حالها، لكن هذا لا يضرّ بثبوت الحديث، لأنّ الرّواية وردت أيضاً من طُرُق أخرى(7).
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في هذا السّياق هو رواية الطّبراني، التي تضيف تفصيلاً بالغ الأهمّية: «قَالَتْ زَيْنَبُ: فَجَعَلْتُ أَشْكُو ضِيقَ المَسْكَنِ، فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ: هَذَا كَمَا صَنَعَتْ اِمْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعونٍ لَمْ يَسَعْهَا مَا نَزَلَتْ» (8). هذا التّفصيل يكشف لنا أنّ القصّة حدثت في زمن مبكّر جدّاً، إذ تُوفّي عثمان بن مظعون في السّنة الثّانية للهجرة (9)، وحجّة الزّمن هذه هي ما ستصبح لاحقاً أحد المفاتيح التي يستخدمها الفقهاء لتبرير تعطيل الحكم.
ويحمل النصّ – كما هو ظاهر – عنصريْن أساسيْن: الأوّل مشهد أخلاقي واجتماعي يخصّ علاقة النبيّ ﷺ بالنّساء الأجنبيّات، حيث كانت زينب – وهي ليست زوجته ولا محرَمه – تَفْلِي رأسه، أي تبحث في شعره وتنقّيه مما يُؤذي(10)، وذلك في حضور امرأة عثمان بن عفّان ونساء أخريات. والثّاني حكمٌ تشريعيٌ صريحٌ هو الأمر بـ«أَنْ تُوَرَّثَ دُورَ المُهَاجِرِينَ النِّسَاءُ»، أي أن تُعطى هذه الدُّور للزّوجات دون سائر الورثة. وقد طُبّق هذا الحكم فعلاً بعد وفاة النبيّ ﷺ حين مات عبد الله بن مسعود فـ«وُرَّثَتْهُ اِمْرَأَتُهُ دَاراً بِالمَدِينَة».
ومن شأن هذه الوقائع أن تضع الباحث أمام سؤاليْن محوريّيْن: كيف تعامل الفقهاء مع حكم التّوريث هذا؟ وكيف تعاملوا مع مشهد فَلْيِ الرّأس الذي يبدو مخالفاً لما استقرّ عليه الفقه من قواعد في الحجاب والخلوة؟
3. حجج الفقهاء في تخصيص حكم التّوريث ونقدها: تملّص من دلالة النصّ؟
بتتبّع كتب الفقه وشروح الحديث، نجد مشهداً مألوفاً: فقهاء يقرّون بصحّة حديث، لكنّهم لا يأخذون بعمومه، وكأنّهم يقولون: ‎»‎الحديث صحيح، لكنّه لا يعنينا!‎«‎. فما هي الحجج التي استندوا إليها لتبرير هذا الموقف؟ يمكن إجمالها في خمس حجج رئيسة (11)، سنعرضها واحدة تلو الأخرى، ونكشف ما فيها من تعسّف.
أوّلاً: تخصيص الحكم بالمهاجرين الأوائل: يقول الإمام أبو سليمان الخطابي، على ما ينقل عنه العظيم آبادي: «إنّما خصّهن بالدُّور لأنّه بالمدينة غرائبُ لا عشيرة لهنّ بها، فحاز لهنّ الدّور لما رأى من المصلحة في ذلك»، أي أنّ النبيّ ﷺ أراد حلّ مشكلة مؤقّتة، لا تشريعاً دائماً. لكن هذا المنطق ينهار إذا سألنا: هل انقرض المهاجرون إلى الأبد؟ وماذا عن النّساء المهاجرات في عصرنا، اللّواتي يهاجرن إلى بلاد غير بلادهنّ، ويعانين من نفس الغربة، بل وأشدّ منها؟ أليس مقتضى القياس الصّحيح أن يُطبّق الحكم كلّما وجدت العلّة؟ فالغربة ليست مجرّد انتقال من بلد إلى آخر، بل انقطاع عن العشيرة والأهل، وهي حالة ما تزال قائمة، بل هي تتفاقم في المجتمعات المعاصرة. ومن هنا، فإنّ تخصيص الحكم بالجيل الأوّل يبدو تحكّماً لا سند له من النصّ، ولا يعدو أن يكون خوفاً من إحداث تشريع دائم يمنح المرأة حقّاً استثنائيّاً (12).
ثانياً: اعتبار الدُّور من قبيل «الخِطَط‎«‎ لا الملكيّة التامّة: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ هذه الدُّورُ لم تكن مملوكةً ملكيّة تامّة لأصحابها، بل كانت أراضِيَ أقطعها النبيّ ﷺ المهاجرين لينتفعوا بها (13). وهذه الحجّة تعتمد على لفظ «الخِطَط‎«‎ الوارد في رواية أحمد، وتغفل لفظ «الدُّور‎«‎ في رواية أبي داود (14). لكن حتى لو سلمنا بأنّ المراد هو الخِطَط، فإنّ النّبيّ ﷺ سمّى العمليّة «توريثاً‎«‎! والصحابيّة التي روته تقول: «فَوَرِثَتْهُ اِمْرَأَتُهُ دَاراً‎«‎. فكيف يُخرج الفقهاء هذا الفعل من حقيقة التّوريث إلى مجرّد تنظيم إداري (15)؟
ثالثاً: ادّعاء تعارض الحديث مع آيات المواريث: فقد قال بعض الفقهاء إنّ آيات المواريث قطعيّة الثّبوت والدّلالة، وهذا الحديث ظنّي الدّلالة، ولا يجوز تقديم الظنّي على القطعي (16). لكن هذا القول يفترض وجود تعارض بين الحديث وآيات المواريث، وهو أمر أبعد ما يكون عن الصحّة، فالحديث لا يلغي المواريث، بل يخصّص طائفة من الأموال. وقد نبّه الأصوليّون إلى هذا الخلط بين التّخصيص والمعارضة، فقال الشّاطبي: «إنّ التّخصيص لا يعارض العموم، بل هو بيان له» (17).
رابعاً: ادّعاء الإجماع على خلاف الحكم: رأى بعض الفقهاء أنّ الصحابة أجمعوا – سكوتاً – على عدم العمل بالحديث بعد الجيل الأوّل (18). ولكنّ الإجماع لا يثبت بالسّكوت عند جمهور الأصوليّين، لأنّه قد يكون لعدم ورود الحالة، أو لعدم العلم بها (19). والأعجب من ذلك أن يتصوّر أحدهم إجماعاً على خلاف نصّ نبوي صريح، وقد قال النبيّ ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وقال الشّافعي: «لا يكون الإجماع على خلاف سنّة رسول الله ﷺ أبداً» (20).
خامساً: دعوى النّسخ أو انتهاء الحكم بزوال العلّة: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ الحكم منسوخ، ولكن لم يرد نصّ صريح بالنّسخ، بل إنّ التّطبيق نفسه تمّ بعد وفاة النبيّ ﷺ، كما في قصّة توريث امرأة عبد الله بن مسعود (21). وقد وضع ابن القيّم ضوابط صارمة لإثبات النّسخ، وأكّد أنّه لا يثبت بمجرّد توهّم التّعارض، بل بدليل صريح لا يحتمل التّأويل (22).
وبعد هذا العرض، يتبيّن أنّ حجج الفقهاء لتخصيص الحديث لا تستند إلى أسس متينة، بل هي محاولات لاحتواء مدلول نبويّ، ومنع ما قد يترتّب عليه من تغيير في مفاهيم الإرث والعُصبة، وهو تغيير نرى أنّ النبيّ ﷺ قد يكون قصده في واقعة بعينها لتكون مثالاً يحتذى.
4. التّناقض الفقهي في التّعامل مع مشهد ‎»‎فَلْيِ الرّأس‎«‎: 
كيف حرّموا ما كان النبيّ يفعله؟
إذا كان المبحث السّابق قد كشف لنا محاولات الفقهاء تعطيل حكم التّوريث مناط حديثنا، فإنّ المبحث الحالي يكشف وجهاً آخر من التّناقض، ربّما يكون أكثر إثارة للدّهشة. ففي نفس الحديث الذي يروي قصّة التّوريث، نجد مشهداً آخر: زينب – التي اختُلف في تعيينها بين زينب الثقفيّة امرأة عبد الله بن مسعود، وزينب بنت جحش أمّ المؤمنين (23) – وهي تفلي رأس النبي ﷺ في حضور نساء أخريات.
فهذا المشهد، لو كان حجّة، لأباح مجالسة النّساء الأجنبيّات وتفلية رؤوس الرّجال الأجانب، وهو ما يتعارض مع ما استقرّ عليه الفقه من تحريم الخلوة واللّمس ووجوب الاحتجاب. فكيف تعامل الفقهاء مع هذا المشهد؟ لنقل ببساطة: تجاهلوه! 
ففي أجوبة الشّيخ عبد اللّطيف بن عبد الرّحمن في الدُّرر السَنيّة، نجد أربعة تأويلات مختلفة لتفسير حكم التّوريث، لكن لا نجد أيّ أثر لأيّ منها في تفسير مشهد التفلّي (24)، وكأنّ الفقهاء يقولون: ‎»‎هذا المشهد لا يعنينا، لأنّه يتعارض مع أحكامنا المستقرّة‎«‎. وهذا هو عين التّناقض المنهجي الذي يتناوله هذا البحث.
أوّلاً: الاحتجاب. فقد استقرّ في الفقه أنّ المرأة الأجنبيّة يجب أن تحتجب بجسدها كلّه، وأنّ مجرّد النّظر إليها أو لمسها حرام (25). لكن زينب في الحديث، حتّى على القول بأنّها زينب بنت جحش، وإن كانت زوجة النبيّ ﷺ، فإنّ وجود نساء أخريات في المجلس وهنّ أجنبيّات عن النبيّ، يطرح السّؤال: لماذا لم يأمرهنّ بالاحتجاب؟ بل لماذا لم يغضب لفعلهنّ؟ وهذا يفيد أنّ المشهد كان على حالة من السّماحة لم تستقرّ عليها الأحكام لاحقاً.
ثانياً: الخلوة: نقل النّووي الإجماع على تحريم خلوة الرّجل بالمرأة الأجنبيّة (26). لكن وجود نسوة أخريات حاضرات في المجلس يعني أنّ الخلوة لم تكن متحقّقة. ومع ذلك، فإنّ هذا لا يغيّر جوهر المشكلة، إذ تظلّ الحقيقة قائمة: امرأة أجنبيّة – أو حتّى زوجة بحضور أجنبيّات – تفلي رأس النبيّ بيديها، في مشهد لا يخلو من مخالفة للصّورة الفقهيّة المستقرّة.
ثالثاً: تبرير ‎»‎قبل الحجاب‎«‎: لعلّ التّبرير الأكثر شيوعاً، هو القول بأنّ هذا المشهد كان قبل نزول آيات الحجاب. ولكن حتّى لو سلّمنا بذلك وأنّ القصّة وقعت في السّنة الثّانية للهجرة (27)، فإنّ هذا لا يجيب عن السّؤال الأهمّ: لماذا لم يَنْه النبيّ زينب عن هذا الفعل بعد نزول الحجاب؟ فهذا الفعل لو كان محظوراً، لبيّنه النّبيّ ونهى عنه، وهذا أصل متقرّر في أصول الفقه: أنّ النبيّ لا يقرّ على باطل.
بل إنّ رواية الطّبراني تشير إلى أنّ النبيّ لم يكتف بالسّكوت، بل قال لزينب: «إِنّكِ لَسْتِ تَكَلَّمِينَ بِعَيْنِكِ، تَكَلَّمِي وَاعْمَلِي عَمَلَكِ» (28). وهذا دليل على أنّه كان يقرّها على الفعل ويشجّعها على الاستمرار فيه. فكيف حرّم الفقهاء فعلاً كان النبيّ يفعله ويقرّه ويشجّع عليه؟ وكيف استقرّت في الفقه أحكام تتعلّق بالخلوة والملامسة أشدّ ممّا كان عليه الأمر زمن النبوّة ذاته (29)؟
يبدو أنّ التّناقض لا يقتصر على مجرّد تحريم ما كان النبيّ يفعله، بل يتعدّاه إلى التّلاعب بآليّات التّرجيح والتّأويل، واختيار الرّوايات التي تخدم الأحكام المستقرّة، وتجاهل الرّوايات التي تفضحها.
5. لماذا تشدّد الفقهاء؟ قراءة في آليّات السّلطة والسّياق
بعد أن كشفنا عن التّناقض المنهجي في التّعامل مع الحديث، يبقى السّؤال الأعمق: لماذا أصرّ الفقهاء على هذا التشدّد؟ لماذا لم يكتفوا بظاهر النصّ، ويتركوا مجالاً للتّجديد والاجتهاد؟
يمكن تفسير هذا الأمر من خلال ثلاث فرضيّات رئيسة تتكامل فيما بينها (30):
الفرضيّة الأولى: السّلطة الذكوريّة. نشأ الفقهاء في مجتمعات قبليّة تسودها القيم الذكوريّة، وكانت النّخب الحاكمة من الرّجال ترى في منح المرأة حقوقاً استثنائيّة تهديداً لهيمنتها. فكان أسهل حلّ هو تخصيص الحديث النّبوي أو تأويله بما يفقده دلالته التشريعيّة. وهذا ما رأيناه في كتاب الدّرر السنيّة، الذي استعان بأربعة تأويلات مختلفة لتحقيق هذه الغاية نفسها.
الفرضيّة الثّانية: الخوف من الفتنة الاجتماعيّة. فقد كان تعميم حديث التّوريث يعني أنّ المرأة قد تمتلك منزلاً مستقلاًّ، وهذا قد يغيّر موازين القوى الاجتماعيّة. وفي ظلّ ثقافة الوصاية والقوامة، كان هذا الأمر مرفوضاً، لأنّ المرأة ينبغي أن تظلّ خاضعة لإرادة وليّها (31).
الفرضيّة الثّالثة: تحويل السنّة إلى سلطة نخبويّة. تنطلق هذه الفرضيّة من ملاحظة أنّ الفقهاء، حين يقرّرون تحريم فعلٍ كان النبيّ ﷺ يفعله ويُقرّه، أو حين يخصّصون حكماً كان ظاهره العموم، فإنّهم في الحقيقة يؤسّسون لسلطةٍ جديدةٍ، هي سلطة الفقيه الذي يُصبح المرجعَ الوحيدَ في تحديد أيّ السُّنن تُتّبع وأيّها تُترك. وهذه السّلطة تُحوّل الفقيه من ناقلٍ للسنّة إلى قيّم عليها، يملك صلاحيّة تقرير أيّ النّصوص تبقى عامّةً وأيّها تُحبس في قفص التّخصيص. وقد حذّر الإمام الشّاطبي من هذا الخطر مبكّراً بقوله: «من خصّص نصوص الشّارع بغير دليل، فقد فتح باب تعطيل الأحكام» (32). وهذا التّحذير يتجلّى بوضوح في تعامل الفقهاء مع حديثنا، حيث لم يكتفوا بتأويلٍ واحدٍ، بل لجؤوا إلى أربعة تأويلات مختلفة، وكلّها تصبّ في اتّجاهٍ واحدٍ: إخراج الحديث من دائرة العموم التّشريعي، وجعله حالةً خاصّةً لا تُقاس عليها سائر الأحوال.
غير أنّ هذه الفرضيّات الثّلاث – مجتمعةً – وإن بدت حادّةً في طرحها، فإنّها لا تنطلق من اتّهامٍ مسبقٍ للفقهاء، بل تسعى إلى فهم الآليّات الاجتماعيّة والتاريخيّة التي أسهمت في تشكيل الفقه الإسلامي. فالفقه، في كثير من الأحيان، لم يكن مجرّد استنباطٍ محايدٍ للنّصوص، بل كان انعكاساً لسياقاتٍ تاريخيّةٍ واجتماعيّةٍ محدّدةٍ، جعلته أقرب إلى التّعبير عن تلك السّياقات منه إلى الامتداد الصّادق لروح النصّ الأصل (33). وهذه النّظرة، التي تذهب إلى أنّ الفقه الإسلامي «نصٌّ في سياقه»، ليست غريبة على الدّرس الأكاديمي المعاصر، إذ يذهب بعض الباحثين إلى أنّ فهم الفقه مرهون بفهم السّياق الذي تشكّل فيه. وفي هذا الإطار، تأتي أعمال ريتا فرج وفاطمة المرنيسي وأسماء المرابط لتُؤكّد أنّ الخطاب الفقهي الذّكوري لم يكن مجرّد قراءةٍ محايدةٍ للنّصوص، بل كان أداةً لإعادة إنتاج سلطةٍ ذكوريّةٍ، وضعت المرأة في موقعٍ مغايرٍ لما كان عليه الأمر في زمن النبوّة (34)، حيث كانت النّساء فاعلاتٍ ومشاركاتٍ في الحقل الدّيني، ولم يقع إقصاؤهنّ إلاّ مع ترسّخ المؤسّسات الفقهيّة الذكوريّة (35). وهذا يُؤكّد الحاجة إلى مراجعة الآليّات الاجتهاديّة التي شكّلت الفقه التّاريخي(36)، والعودة إلى السنّة النبويّة الثّابتة، وهو ما كشفه تحليلنا لهذا الحديث، الذي أظهر أنّ تعّدد التّأويلات الفقهيّة كان استجابةً لضغوط السّياق أكثر منه استجابةً لمقتضيات النصّ نفسه.
6. خاتمة: نحو إعادة الاعتبار للسنّة النبويّة الصّادقة
ليس الهدف من هذا البحث الطّعنَ في السنّة النبويّة – حاشا وكلاّ – بل هو محاولةٌ لاستعادتها من الممارسات الاجتهاديّة التي أحاطت بها تحت مسمّيات مثل «مراعاة المصالح»، والتي حوّلت الفقهَ من استنباطٍ للنصّ إلى سلطةٍ عليه (37). فالحديث الذي بين أيدينا حديثٌ صحيحٌ يُثبت أنّ النبيّ ﷺ جالس نساءً أجنبيّاتٍ وأقرّهنّ على فَلْيِ رأسه وأمر بتوريثهنّ مساكنهنّ، وهذا هو الفعل النّبوي وهذه هي سنّته الثّابتة التي لا مراء فيها (38).
غير أنّ بعض الفقهاء، تحت تأثير البنى الاجتماعيّة السّائدة والخوف من تغيير موازين الإرث لصالح النّساء، لم يأخذوا بظاهر هذا النصّ، بل لجؤوا إلى تأويلاتٍ متعدّدةٍ قد تكون واهية، حصرتها الدّرر السنيّة في أربعة اتّجاهات رئيسة. واللاّفت أنّ هذه التّأويلات، مع تنوّعها، ذهبت جميعها في اتّجاه واحد: تحريم ما كان النبيّ ﷺ يفعله ويُقرّه من مجالسة النّساء وفَلْيِهِنَّ رأسَه. فهم يستدلّون بالحديث لتثبيت حكم التّوريث، ثمّ يتناسون أنّ مشهد التّفلية ورد في النصّ نفسه، أو يؤوّلون ذلك المشهد بما يتوافق مع أحكامهم المستقرّة التي تحرّم ما كان النبيّ ﷺ يفعله ويُقرّه. وهذا، في جوهره، تناقضٌ منهجيٌّ صارخٌ، يفضح كيفيّة تعامل الفقهاء مع النصّ الواحد بازدواجيّةٍ في المعايير.
وهذا التّناقض يضع الباحث المعاصر أمام خياريْن واضحيْن: الأوّل، أن يقبل بأنّ اجتهادات الفقهاء تمثّل النصّ النّهائي الذي لا يُناقش، حتى لو بدت متباعدةً عن ظواهر النّصوص الصّحيحة. والثّاني، أن يتجاوز النّظرة التقديسيّة للتّراث الفقهي، ويعود إلى السنّة الثّابتة كمصدرٍ أوّلٍ وأخيرٍ، مع نقدٍ علميٍّ للآليّات الاجتهاديّة التي شكّلت الفقه التّاريخي في سياقاته الخاّصة. غير أنّ هذا الخيار الثّاني لا يعني رفض التّراث الفقهي جملةً وتفصيلاً، بل وضعه في موقعه اللاّئق به، بوصفه اجتهاداً بشريّاً قابلاً للنّقد والمراجعة، لا نصّاً مقدّساً يُقدّم على سُنن النبيّ الثّابتة.
إنّ إعادة الاعتبار للسنّة تعني، إذاً، الأخذ بالأحاديث الصّحيحة كما هي، دون تحريفٍ أو تخصيصٍ أو تعطيلٍ بحججٍ واهيةٍ. وتَعني في ما يخصّ موضوعنا أن تُورَّث النّساءُ مساكنهنّ إذا كنّ في وضع ضعفٍ، وأن تُجالس النّساءُ الرّجالَ دون حائلٍ إذا دعت الحاجة والمصلحة، اقتداءً بفعل النبيّ وسنّته الثّابتة. فهذه هي سنّة النبيّ ﷺ، ومن خالفها فقد خالف هديه، مهما تسمّى باسم الإسلام والفقه. 
إنّ الدّعوة إلى إعادة قراءة الأحكام الفقهيّة على ضوء مستجدّات الواقع ليست دعوة إلى التفلّت من الدّين، بل هي دعوة إلى العودة إلى روح التّشريع ومقاصده العليا. إنّها دعوة إلى تجديد الفقه وتنوير العقل، ورفض التعسّف ضدّ حقوق المرأة التي كفلها لها النصّ الدّيني، لكنّها حُجبت عنها بتأويلات بشريّة في سياقات تاريخيّة لم تعد قائمة، وحان وقت تجاوزها.
الهوامش
(1) أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق: محمد ناصر الدّين الألباني، الرّياض: دار السّلام، 1420ه، حديث رقم 3080.
(2) البيهقي، السّنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلميّة، 2023، ج 6، ص 258، حديث رقم 1875.
(3) أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، بيروت: مؤسّسة الرّسالة، 1421 ه، ج 44، ص 601، حديث رقم 27049؛ والطّبراني، المعجم الكبير، ج 24، ص 56، حديث رقم 146.
(4) محمد ناصر الدّين الألباني، صحيح سنن أبي داود، بيروت: دار المعرفة، 1420ه، حديث رقم 3080.
(5) تحقيق مسند أحمد، المرجع السّابق (الهامش 4)،ج 44، ص 603.
(6) ابن عبد الهادي، الفتح الربّاني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشّيباني، تحقيق: عبد الرّحمن بن سليمان العثيمين، الرّياض: مكتبة الرّشد، 1999، ج 15، ص 136.
(7) السّابق نفسه، ج 15، ص 136-137.
(8) الطّبراني، المعجم الكبير، نقلاً عن ابن عبد الهادي، الفتح الربّاني، ج 15، ص 136.
(9) ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصّحابة، بيروت: دار الكتب العلميّة، 1415ه، ترجمة عثمان بن مظعون.
(10) يحيى بن شرف النووي، شرح صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392هـ، ج 15، ص 112.
(11) محمد أشرف العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود ، بيروت: دار الكتب العلميّة، 1415ه، ج 8، ص 259-260.
(12) نصر حامد أبو زيد، دائرة الخوف: قراءة في خطاب المرأة، بيروت: المركز الثّقافي العربي، 1999، ص 187-189.
(13) حمد بن محمد الخطابي، معالم السّنن، حلب: المطبعة العلميّة، 1351ه، ج 4، ص 234.
(14) يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ القاهرة: دار الشروق، 2010، ص 159 وما بعدها.
(15) طه جابر علواني، أصول الفقه المقاصدي، هرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2011، ص 289. وينظر أيضاً: العظيم آبادي، عون المعبود، ج 8، ص 257. 
(16) ابن عبد البرّ، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، الرّباط: وزارة الأوقاف المغربيّة، 1387ه، ج 12، ص 45.
(17) إبراهيم بن موسى الشّاطبي، الموافقات، تحقيق: عبد الله درّاز، بيروت: دار المعرفة، 1395هـ، ج 3، ص 125.
(18) عبد الله بن أحمد ابن قدامة، المغني، القاهرة: مكتبة القاهرة، د.ت، ج 6، ص 301.
(19) محمد بن إدريس الشّافعي، الرّسالة، تحقيق أحمد شاكر، القاهرة: مكتبة الحلبي، 1358ه، ص 471-473.
(20) عليّ بن أحمد ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: أحمد شاكر، القاهرة: مكتبة الكلّيات الأزهريّة، د.ت، ج 4، ص 123-125. وينظر أيضاً: الشّافعي، الرّسالة، ص 475.
(21) محمد بن عليّ الشّوكاني، نيل الأوطار، القاهرة: دار الحديث، 1413ه، ج 6، ص 248.
(22) ابن قيّم الجوزيّة، إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الدمّام: دار ابن الجوزي، 1423هـ، ج 3، ص 124 وما بعدها؛ وينظر أيضاً: ج 1، ص 112-115.
(23) انظر تفصيل الخلاف في: المزّي، تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، حديث رقم 15889؛ ويُنظر: ابن رسلان، شرح سنن أبي داود، الرّياض: دار كنوز إشبيليا، 1430ه. وقد أشار الألباني في سلسلة الأحاديث الصّحيحة (الرّياض: مكتبة المعارف، 1415هـ، حديث رقم 2794)، إلى تضعيف القول بأنّها زينب الثقفيّة، وترجيح أنّها زينب بنت جحش، كما أشار ابن عبد الهادي (الفتح الربّاني، ج 15، ص 136).
(24)مجموعة من العلماء، الدّرر السنيّة في الأجوبة النجديّة، جمع وترتيب: عبد الرّحمن بن قاسم، الرّياض: دار العاصمة، 1417ه، ج 7، ص 129-131.
(25) عبد العزيز بن باز، مجموع فتاوى ابن باز، الرّياض: دار الوطن، 1420ه، ج 10، ص 210.
(26) النّووي، شرح صحيح مسلم، ج 14، ص 153. وينظر أيضاً: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح البخاري، بيروت: دار المعرفة، 1379هـ)، ج 4، ص 77.
(27) ابن عبد الهادي، الفتح الربّاني، ج 15، ص 136؛ وينظر أيضاً: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة عثمان بن مظعون.
(28) الطّبراني، المعجم الكبير، نقلاً عن ابن عبد الهادي، الفتح الربّاني، ج 15، ص 136.
(29) محمد أركون، الإسلام بين النصّ والتّاريخ، بيروت: دار السّاقي، 2001، ص 245-250.
(30) مجموعة من العلماء، الدّرر السنيّة، ج 7، ص 129-131.
(31) نصر حامد أبو زيد، دائرة الخوف، ص 217-214.
(32) الشّاطبي، الموافقات، ج 4، ص 189.
(33) محمد أركون، الإسلام بين النصّ والتّاريخ، ص245  وما بعدها.
(34) ريتا فرج، امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: خطاب اللاّمساواة في المدوّنة الفقهيّة، بيروت: دار التّنوير، 2015، ص 28-35.
(35) فاطمة المرنيسي، الحريم السّياسي: النبيّ والنّساء، ترجمة عبد الهادي عباس (بيروت: دار السّاقي، 2007)، ص 45-52.
(36) أسماء المرابط، القرآن والنّساء: قراءة للتحرّر، بيروت: دار التّنوير، 2010، ص 45-52. وينظر أيضاً: المرابط، الإسلام والحرّيات الأساسيّة: من أجل أخلاقيات كونية، بيروت: دار التّنوير، 2012، ص 88-92.
(37) ابن القيّم الجوزيّة، إعلام الموقّعين، ج 2، ص 133-135.
(38)  محمد الطّاهر ابن عاشور، مقاصد الشّريعة الإسلاميّة، تونس: دار سحنون، 1993، ص 321.