بهدوء

بقلم
د.ناجي حجلاوي
المعنى الدّيني بين الآية والرّواية الشّفاعة أنموذجا (2/8) نقد مصادر الشّفاعة في التّراث
 ومن المصنّفات أيضا «إثبات الشّفاعة» لشمس الدّين الذّهبي (ت 748ه- 1347م)(1)، وهو كتاب يُقرّر ثبوت الشّفاعة في الإسلام بوصفها عنصرًا عقديًّا واضح المعالم في التّصوّر السّنّي، وهي تكون يوم القيامة للنّبيّ ﷺ إثباتًا لحقّ أمّته في التّمتّع بها. 
والكتاب جامع للأحاديث المُثبتة للشّفاعة إلى جانب التّصدّي للرّافضين لها أو المقلّلين من شأنها. ومحاور الكتاب تدور حوْل مفهوم الشّفاعة القائم على طلب الوساطة من اللّه تعالى بالعفو والتّجاوز أو الرّفع من المنزلة، ويرى المؤلف أنّ الإيمان بالشّفاعة واجب يستدلّ عليه بالأحاديث النّبويّة الصّحيحة والمتواترة، وستطال شفاعته أفراد أمّته من المؤمنين العُصاة ، ولا سيما مرتكبي الكبائر.  
والملاحظ أنّ ردود المؤلّف على مُنكري الشّفاعة تنهض على الرّوايات الموثوق بها أكثر من الأدلّة الكلاميّة أو المنطقيّة الفلسفيّة. وقد بدا هذا المُصنّف جامعًا أكثر ممّا هو محلّل أو مُستنبط.
 وفي العموم يستند الكتاب إلى روايات أكثر ممّا يستند على الآيات القرآنيّة، وهو يُعبّر عن المنظور السّنّي  في موضوع الشّفاعة. 
ومن المراجع الّتي اهتمّت بهذا الموضوع نذكر «قل للّه الشّفاعة جميعا» لصاحبه أبي الوفاء محمّد درويش (ت 1382ه- 1963م) (2) . وفي هذا المصنّف موقفان متناقضان من الشفاعة؛ ففي الوقت الّذي انتهى فيه المؤلِّف إلى أنّها لا تكون إلّا من اللّه، يردف ذلك بالقول إنّها تكون أيضا من الرّسول ﷺ. يرى أوّلا أنّ الإسلام قد قضى على العقيدة الّتي كانت فاشية بين المشركين وبين الجهلة من أهل الكتاب، وأنّ اللّه قد بيّن في تنزيله، وأنّ الرّسول قد وضّح في أحاديثه أنّ الجزاء في الآخرة يكون بالعمل لا بالشّفاعات. وبذلك قُطعت السّبيل أمام الّذين يزعمون أنّ آلهتهم أو أحبارهم شفعاؤهم عند اللّه. وإذْ يسترسل المؤلّف في تحليله لظاهرة الشّفاعة فإنّه عرّج على نوعيْن بارزيْن منها: أحدهما مثبت والآخر منفيّ(3). الشّفاعة المثبتة هي الصّادرة عن اللّه لمن وحّده ولم يفرّط في جنب الإيمان والعمل اعتمادا على شفاعة الشّافعين. وأمّا المنفيّة فهي الشّفاعة الشّركيّة الّتي يتوخّاها المشركون في زعمهم أنّ آلهتهم تتوسّط لهم عند اللّه، فيُعرضون عن الأسباب الموضوعيّة المؤدّية إلى ضمان مصالح الدّنيا والآخرة. والتّقرّب إلى اللّه بواسطة الشّيوخ والأولياء يُعدّ من هذا القبيل. ويُؤكّد المؤلّف في هذا المضمار أنّه لا يُستشفع باللّه على أحد من خلقه لأنّ شأن اللّه أعظم من ذلك، ولكنّ الأولى أن يسأل المتكلّم باللّه أو أن يُقسم به على المسؤول.
ولكنّ المؤلّف سرعان ما ينزاح عن هذا الموقف فيُعبّر ثانيًا عن إمكانية تدخّل الرّسول لأمّته بالشّفاعة مستندًا إلى مرويّة وردت في صحيحيْ البخاري ومسلم بلفظ أحمد، مفادها أنّ القوم يلتمسون يوم القيامة الشّفاعة من أبيهم آدم فيمتنع لخطئه ويُحيلهم إلى نوح فيمتنع لخطئه أيضا  ويُحيلهم إلى إبراهيم فيمتنع ويكتفي بنفسه اتّقاء لغضب اللّه  ويُحيلهم إلى موسى فيمتنع لخطئه  ويُحيلهم إلى عيسى فيمتنع اتّقاء لغضـــــب اللّه  ويُحيلهم إلى النّبيّ محمّد الذي يأتي  تحت العرش فيسجد ويشكر اللّه فيقــــول اللّه: يا محمّد ارفع رأسك، سل تُعط، اشفع تشفع، فيقول النّبيّ: أمّتي أمّتي، فتدخل أمّته الجنّة بلا حساب(4). 
وإذْ يُقرّ الكاتب بهذه الشّفاعة فهو يُؤكّد أنّها الشّفاعة العظمى. ولكنّه يُشير في موضع آخر إلى أنّه لا يؤذن بالشّفاعة إلّا بعد أن ينال المسيء جزاءه بالاستناد إلى حديث رواه مسلم، دون أن ينتبه إلى التّناقض الصّارخ بين محتوى الرّوايتيْن: ففي الأولى جنّة دون حساب وفي الثّانية جنّة بعد عقاب. ويتّضح الخلط بين المفاهيم في ذهن هذا المؤلّف عندما سوّى بين النّفس والرّوح واعتبر أنّ آدم شخص متعيّن وذات مشخّصة وليس جيلاً كاملاً من الخلق (5) . 
وأمّا عبد القادر مصطفى عبد الرّزاق المحمّديّ، فقد ألّف كتابه المعنون بـ «الشّفاعة في الحديث النّبويّ دراسة وتخريج»(6). وهو يعرّف الشّفاعة ويُبيّن أنواعها ويُقرّ بأحاديث الآحاد لأنّها تساعد على تحصيل العلم لتواترها معنويّا كالقول بالشّفاعة لأهل الكبائر ولموافقتها لما ورد في القرآن كالقول بأنّ المقام المحمود مقام للشفاعة (7) . 
ولا يجد الدارس رابطًا منطقيًا بين المقام المحمود، بوصفه منزلة معنوية وقدرًا عظيمًا لنبي أدّى رسالته على أحسن وجه، وبين الشفاعة للمقصرين في أداء التكاليف والمبتعدين عن التعاليم والقيم. وهذا التفسير للمقام، الذي يخول للنبي ﷺ الجلوس على العرش، اعتبره الواحدي قولًا رذيلًا موحشًا فظيعًا، ورأى أنّ الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير (8).
 وإذْ تقتصر الشّفاعة، حسب رأي عبد القادر المحمّديّ، في الآخرة على اللّه وحده، فإنّه يرى أنّ ذلك لا يتنافى مع شفاعة المؤمنين والملائكة شريطة ارتباطها بإذن اللّه، باعتبار أنّ العهد المذكور في الآية 87 من سورة مريم (9) هو الشّفاعة، وأنها تكون  لمن ارتضى له قولاً. وهذا القول يُراد به كلمة التّوحيد لا إله إلّا اللّه. أمّا الّذين لا عهد لهم مع اللّه فلا شفاعة لهم يوم القيامة.
إنّ المؤلّف يعتبر أنّ عرض القرآن لموضوع الشّفاعة عرض عامّ لأنّه لم يفصّل أصناف الشفعاء ولا المشفوع لهم، ممّا يهيّئ للسُّنّة المجال لبيان ذلك بالرّغم من أنّ المؤلّف لم يُوضّح المقصود من السُّنّة. والملاحظ أنّ المؤلّف يخلط بين مغفرة اللّه للذنوب وقبوله التّوبة من جهة والشّفاعة من جهة أخرى. واللّافت أنّ المؤلّف يعتبر أنّ العمل لا يُدخل صاحبه الجنّة أصلاً، وإنّما اللّه تعالى يُدخل عباده الجنّة بمقتضى الخضوع له. وهذا الخضوع يستوجب المغفرة والرّحمة. والرّسول ﷺ داع يوم القيامة لأفراد أمّته وشافع لهم. علما بأنّ الدّارس يقف أمام مرويّات متعارضة، فهذا الحديث يقول: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي»(10). والآخر يقول: «لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمّتي» (11) . ولأيّ شخص إمكانيّة التّضرّع للّه يوم القيامة والسّجود له حتّى إذا أذن له تمكّن من أن يشفع لمن يشاء والشهداء الذين يشفع كل واحد منهم في سبعين من أهله. وأنّ الرّسول قال في شفاعته لعمّه: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدّرك الأسفل من النّار» (12). وذلك من بركات الرّسول ﷺ وخصائصه. 
وإذ يستند المؤلّف إلى الآية 48 من سورة النّساء(13) الّتي تنصّ على أنّ اللّه يغفر الذّنوب الّتي هي دون الإشراك، فإنّه يستشهد بالحديث الّذي يُعدّه مشجّعًا على الطّاعة ونصّه: «أَخرجوُا من النّار من قال لا إله إلّا اللّه ولم يعمل خيرًا»(14). وفي رواية أخرى يقبض اللّه قبضة من النّار فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا، فيقول أهل الجنّة هؤلاء عُتقاء الرّحمن أدخَلَهم الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه(15). وهو إذْ يتتبّع الأخبار والآثار المتعلّقة بموضوع الشّفاعة فإنّه  يقف على أنّها إجراء يتمّ قبل الحساب ومع الحساب وبعده، حيث يخرج من النّار أناس بفعل الشّفاعة المحمّديّة. وهي تتمّ بخمسة أنواع: الأوّل عبر الإراحة من هول الموقف. والثّاني بتعجيل الحساب وإدخال قوم إلى الجنّة دون حساب (16). والثّالث الشّفاعة لقوم استوجبوا النّار ويشفع فيهم النّبيّ محمّد ﷺ ومن شاء اللّه تعالى. والرّابع فيمن دخل النّار من المذنبين. والخامس في زيادة الدّرجات في الجنّة وذلك على رأي النّووي. وهي عند القاضي عياض ستّة أنواع. وعند ابن تيميّة ثلاثة أنواع. وعند شارحي العقيدة الطّحاويّة ثمانيّة أصناف. وعند ابن حجر أكثر من ذلك بشفاعتيْن أخرييْن. 
وفي العموم ينبني الكتاب على عرض سياقيْن مختلفيْن ومتعارضيْن هما: سياق قرآنيّ وفيه تقتصر الشّفاعة على اللّه تعالى الّذي له الشّفاعة جميعا. وسياق المرويّات الّتي تُذرّر الشّفاعة وتجعلها متشظّيّة موزّعة على النّبيّ ﷺ والملائكة والشّهداء والمؤمنين، وتُلغي العمل وتتنكّر لكلّ تفكير منطقيّ ومعقول. والملاحظ أنّ المؤلّف في الوقت الّذي يُشير إلى أنّ الشّفاعة لا تكون إلّا بإذن اللّه، ينساق وراء الآثار ويجعل من الشّفاعة أداة تُفضي إلى دخول الجنّة دون حساب، وتُخرج أهل النّار من الجحيم وهو ما يتعارض مع صريح القرآن تعارضًا صارخًا، يقول اللّه تعالى: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾[ الحج: 22].
والطّريف، أنّ المؤلّف يذكر أنّ الأصل في المعنى الدّينيّ المتعلّق بالشّفاعة هو القرآن وما السّنّة إلّا شارحة له. وفي المقابل لم ينتبه إلى أنّ المعضلة هي أن يُعارض النّصّ الشّارح النّصّ المشروح. وهو في كلّ ذلك يُحاول التّبرير والتّوفيق بين الشّيء وضدّه، ويُقرّ بضروب أخرى من الشّفاعة كشفاعة يوم الجمعة وبعض الكلمات الّتي يُتفوّه بها أو القرابة.
والحاصل من هذا الكتاب أنّ الشّفاعة تحصل بمجرّد التّلفّظ بكلمة «لا إله إلّا اللّه» دون ضرورة الاقتران بأيّ عمل صالح. وهي تفضّل قد يكون من اللّه أو الملائكة أو الأنبياء أو الشّهداء أو الصّالحين. كما تكون بالصّبر على المرض كالحمّى أو العمى أو الصّرع أو فقدان بعض الأبناء الّذين لم يبلغوا سنّ الرّشد. كما أنّ الصّيام والقرآن والصّبر على تربيّة الإناث كلّها شوافع.
وهذا التّقدير يُلغي الرّوابط المنطقيّة بين العمل والجزاء. ويعصف بمبدأ أن يكون الجزاء من جنس العمل. وهو تصوّر يُشجّع على التّواكل والاتّكاء على الغير ما يجعل الفعل انفعالاً والإنجاز إعجازًا. ثمّ إنّ المؤلّف يستخدم بعض المصطلحات التّراثيّة دون تحليلها ونقدها كاستعمال عبارة: المعلوم من الدّين بالضّرورة. والخلط بين الشّفاعة والمغفرة بيّن في هذا المؤلّف، إذ المغفرة تفضّل بالرّحمة بناء على العمل والمثابرة، أمّا الشّفاعة فهي إضافة وتدخّل طارئ من الشّافع الّذي يشفع لطالبه ويُنقذه من ضيّقه.
وقد كتب أبو عبد الرّحمن مقبل بن هادي الوادعي (ت1422ه- 2001م) كتابا أسماه «الشّفاعة» (17)، وفيه يشنّ المؤلّف هجومًا كاسحًا على الصّوفيّة لمغالاتهم في حبّ الرّسول إلى حدّ جعله وسيلة تتوسّط بينهم واللّه. كما تصدّى للخوارج والمعتزلة والشّيعة المنكرين لشفاعة الرّسول ﷺ لمرتكب الكبيرة، ليخلص إلى أنّ دراسة عقيدة أهل السّنّة والجماعة من أهم الأمور للتّصدّي لزيغ الفرق الضّالّة. وهكذا يُلقي الكاتب بكتابه في خضمّ المساجلة منذ البدء من خلال التّفريق بين الشّفاعة العظمى والشّفاعة لأهل الكبائر وشفاعة المؤمنين بعضهم لبعض.
 ولا يُخفي المؤلّف أنّ بعض الأحاديث الّتي عرفت رواجًا وانتشارًا هي أحاديث موضوعة أو هي آحاد في أحسن أحوالها. وهو يستعرض بدءا الآيات القرآنيّة النّافيّة لكلّ شفاعة إلّا ما أذن اللّه به وهي شفاعة مشروطة. ولكن سرعان ما ينتقل المؤلّف إلى الأحاديث مُقدّراً أنّ الأسانيد من الدّين فينفتح الباب على مصراعيْه أمام الشّفاعة العظمى الّتي يعجز جميع الأنبياء المذكورين، من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عن الاضطلاع بها ولا يتصدّى لها إلّا النّبيّ محمّد ﷺ الّذي يُخرج بشفاعته كلّ من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان وما المقام المحمود، في هذا الإطار إلّا مقام الشّفاعة، فما عاد اللّه وحده هو الشّافع وإنّما أصبح النّبيّ محمّد ﷺ أوّل شافع وكلّ النّبيّين تحت لوائه.
 وإزاء هذه الشّفاعة المسمّاة بالعظمى يمكن ملاحظة أمريْن بارزيْن: الأوّل يتمثّل في تفسير المقام المحمود الوارد في سورة الإسراء على أنّه مقام الشّفاعة (18). وهو تأوّل معضود بروايات ومبرّر بها. وهو أمر يحتاج إلى نظر وتحقيق. والثّاني يظهر في المبالغة في رفع منزلة النبي  ﷺ ما خوّله قرع حلقة باب الجنّة والدّخول على اللّه والسّجود تحت سريره والفوز باستجابة اللّه لطلباته. وقد تسارع الصّحابة إلى طلب هذه الشّفاعة، فأقرّ النّبيّ ﷺ بأنّها لكلّ واحد من أمّته مات لا يُشرك باللّه أحدًا. وأنّ اللّه سيُدخل الكثير منهم بغير حساب، بالرّغم من أنّ الكثير من روّاة الأحاديث يُطعن في روايتهم كالحاكم الّذي روى عن النّبيّ ﷺ أنّ شفاعته تكون لأهل الكبائر من أمّته، وهو حديث قد أنكره البخاري وأحمد. 
أمّا الكاتب محمّد بن أحمد مُقيْبل فقد ألّف كتيّبًا بعنوان: «حسن البراعة في تعدّد الشّفاعة»(19)، وفيه ردّ على منكري الشّفاعة النّبويّة وشفاعة غيره مستندًا إلى الآيات والأحاديث مبيّنًا أنّ الشّفاعة مثبتة للرّسول ﷺ دون غيره، ومعتبرًا أنّه مُفضّل على بقيّة الأنبياء وأنّه صاحب المقام المحمود وهو ما يُؤهّله للشّفاعة في جميع الأنام ولاسيّما العُصاة من أهل الإيمان. ولكنّ المؤلّف يجعل ثناء اللّه تعالى على نبيّه في الدّنيا متعلّقًا بالآخرة(20). والملاحظ أنّ  النّبيّ ﷺ حريص على المؤمنين رؤوف رحيم ما دام فيهم، يتلو عليهم الآيات ويُزكّيهم ويُبيّن لهم الحكمة ويُعلّمهم ما لا يعلمون. 
والمؤلّف يُبرّر ما ذهب إليه بحديث مفاده: «حياتي خير لكم ومماتي خير لكم»(21). وبذلك يُعادل بين موت النّبيّ وشفاعته بشكل غير مفهوم. كما أنّه يستنتج معنى الشّفاعة من ربط اسم الرّسول ﷺ باسم الجلالة في الأذان وفي الشّهادتيْن وفي بعض الآيات، ويرى  أنّ النّبيّ ﷺ هو الصّراط المستقيم(22). وفي الحقيقة، هذا القول مردود بصريح الآية: ﴿إنّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾[الفتح: 8]، ولم يقل اللّه تعالى شافعًا أو شفيعًا. والخطِر في الأمر أنّ المؤلّف يجعل رحمة الرّسول بالمؤمنين تُضاهي رحمة اللّه أو تفوقها، وهو ما لا يقبله عقل.
إنّ المؤلّف لا يجد مجالاً للشّفاعة النّبويّة إلّا في فضاء المرويّات الواسع، إذ هي تمنح الشّفاعة لمن نطق بالشّهادتيْن وإنْ فعل ما فعل، حتّى إنّ خازن النّار يُنادي محمّدًا بقوله: «يا محمّد ما تركت لغضب ربّك في أمّتك من نقمة»(23).
ولا غرابة فيما ذهب إليه المؤلّف إذْ يُؤكّد عصمة الأنبياء الّتي تُمكّنهم ممّا لا يتسنّى لغيرهم. وإذْ يُفضّل الكاتب النّبيّ الخاتم على كلّ الأنبياء، فإنّه يُجانب مقتضى الآية الّتي تُشير إلى ضرورة عدم التّفريق بين الأنبياء كلّهم، ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾[ البقرة: 285]. 
ولا بدّ من ملاحظة التّناقض الحاصل بيْن المرويّات الّتي يستشهد بها الكاتب، فمن جهة يتمتّع الرّسول ﷺ بالعناية الإلهيّة الّتي تخوّل له الجلوس على العرش ومن جهة أخرى يطلب النّبيّ ﷺ من أصحابه أن يدعوا له بالوسيلة، إذْ قال: «سلوا لي الوسيلة، قالوا: يا رسول اللّه وما الوسيلة؟ قال أعلى درجة في الجنّة لا ينالها إلّا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو»(24)، فضلاً عمّا ذكره المؤلّف من أنّ الاستجابة الإلهيّة لدعوات الأنبياء محصورة في استجابة واحدة لكلّ نبيّ.
الهوامش
(1) الذهبي شمس الدين، إثبات الشفاعة، تحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد، مكتبة أضواء السّلف، الرياض، ط 1، سنة 2000. وشمس الدين الذهبي هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايِمَاز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي، الدمشقي، الشافعي، هو مُحدِّث وإمام حافظ ومؤرِّخ. جمع بين ميزتيْن: علم التّاريخ وعلم الرجال، فكان نسيجًا وحده، دخل ميدان التاريخ من باب الحديث النبوي وعلومه، وظهر ذلك في عنايته الفائقة بالتراجم التي صارت أساسًا لكثير من كتبه ومحور تفكيره التّاريخي، سُمي الذهبي بهذا اللقب لأنّه كان يزن الرجال كما يزن الجواهري الذهب. يُنظر ابن قاضي شهبة، طبقات الفقهاء الشافعية، ج 3، تحقيق عبد العليم خان، عالم الكتب، بيروت، ط 1، 1987، ص 55.
(2) أبو الوفاء محمد درويش، قل للّه الشّفاعة جميعا، دار قاسم للنّشر، الرياض، ط1، سنة 1420ه. والمؤلّف مصري تحصّل على شهادة ليسانس في الحقوق سنة 1928م، وعمل مدرسًا بمدرسة البنات الثانوية بسوهاج، وأسس جماعة أنصار السنة المحمدية بسوهاج، اشتغل بالدعوة الإسلامية وبالفتاوى. يُنظر الموقع التالي: https://www.alukah.net/authors/view/home/3869/.
(3) تناول يوسف القرضاوي في تحليله لفكرة الشّفاعة انطلاقًا من هذا التّفريق. يُنظر يحي عبد القادر، حقيقة الشفاعة: حوار هادئ رفيع المستوى بين مصطفى محمود ويوسف القرضاوي، دار نور البشير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط 1، سنة 2000، ص 21.
(4) يُمكن مراجعة هذا الحديث عند البخاري محمد بن إسماعيل في مسنده الصحيح في نسخته الجديدة، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الإيمان، المنصورة، ط 1، 2003، حديث عدد 6565، ص 1328.
(5)  يجدر التّذكير في هذا المقام بالآية 20 من سورة الروم  التي تُشير إلى أنّ بدء الخلق البشري كان جمعًا مُحيلاً على جيل كامل، تقول الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾.
(6)  طبعة دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، ط 1، سنة 2005. وهو أستاذ معاصر، مباشر للتّدريس ورئيس قسم الحديث بكلية أصول الدّين ببغداد، متحصل على شهادة الماجستير بعنوان: «الشّفاعة في الحديث النّبوي دراسة وتخريج» سنة 1998 وهو الكتاب المطروح للدّراسة في هذا البحث، وأنجز بحث الدكتوراه بعنوان : «الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين» سنة 2002. 
يُنظر الموقع التالي: https://old.shamela.ws/index.php/author/2396
(7) تجدر الإشارة إلى الفارق النّوعي بين دلالة التّنكير التي يُلحقها الخطاب القرآني بالمقام المحمود وبين التّعريف الذي تُلحقه المرويات بهذه العبارة، ورد في الآية 79 من سورة الإسراء قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.
(8) يُنظر مقيبل أحمد، م ن، ص42. وذكره الواحدي أبو الحسن علي بن أحمد، التفسير البسيط، ج 5، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، سنة 1994 ، ص 375 .
(9) يقول تعالى: ﴿ لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا﴾[مريم: 87]
(10) النيسابوري الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحيْن، مج1، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1990، حديث عدد 5618، ص 59.
(11) ابن حنبل أحمد، المسند، ج 3، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار الحديث، القاهرة، ط 1، 1995، حديث عدد 13222، ص 307.
(12)  يُنظر البخاري، الجامع الصحيح، م ن، كتاب مناقب الأنصار: باب: قصة أبي طالب، حديث عدد 3883، ص 807.
(13) يقول تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾[النساء: 48]
(14) النيسابوري مسلم بن الحجاج القشيري، الصحيح، مج 1، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1991، حديث عدد 193، ص 125.
(15)  يُنظر البخاري، الجامع الصحيح، م ن، وبالتّحديد كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ‏﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث عدد 7439، ص 1479.
(16) تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أنّ القول القرآني لا يُشير البتّة إلى دخول الجنة بغير حساب وإنّما يُثبت أنّ رزق الله لعباده في الجنة يكون بغير حساب، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب﴾ [غافر: 40].
(17) دار الآثار صنعاء،  ط 3، سنة 2005. والمؤلّف عالم وداعية يمني ذو تفكير سلفي، يأخذ بالظّاهر وينفي القياس، أنشأ دار الحديث باليمن، تخرّج منها علماء كثُر. يُنظر  الوادعي عبد الرحمن مقبل بن هادي، ترجمة أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، دار الآثار، صنعاء، ط 1، 1999،  ص 8 وما بعدها.
(18) يقول تعالى: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾[الإسراء: 79]
(19) شرحه وراجعه إبراهيم رمضان، دار الفكر اللّبناني، بيروت، ط1، سنة 1995. والملاحظ أنّ ترجمة المؤلّف غير متاحة.
(20) يُنظر مقيْبل أحمد، م ن، ص ص 15-16. 
(21) البغدادي محمد ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط 1، 1968،  حديث عدد 1990، ص 194.
(22) مقيْبل أحمد، م ن، ص21.
(23) مقيبل أحمد ، م ن، ص36.
(24) مقيبل أحمد، م ن، ص76. ورد هذا الحديث في المسند لابن حنبل أحمد، ج 14، م ن، حديث عدد 7598، ص 390.