نحو أفق جديد
| بقلم |
![]() |
| أ.د.عبدالجبار الرفاعي |
| في التديّن الشعبوي يحتجب الله |
التديّن الشعبوي تديّن شكلي ذرائعي، وهو يختلف عن التديّن الشعبي الذي يتجلى فيه شيء من التديّن الرحماني، ويعبر عن إيمان عفوي، وعلاقة صادقة بالله، وحرص على فعل الخير، ومواساة الناس، واحترام القيم الأخلاقية. عرفت حياة الأفراد والمجتمعات التديّن الشعبي، وتوارثته الأجيال منذ عصر الرسالة، تعبيرًا عن حاجة الإنسان إلى الإيمان والمعنى والطمأنينة. يستثمر التديّن الشعبوي التدين الشعبي البريء، ويتسلل إليه، ويوجهه لخدمة مصالح لا تمتّ إلى غايات الدين بصلة، فيستبدل صفاء الإيمان بإثارة الانفعالات، ويطفئ يقظة الضمير بصخب الشعارات، ويحجب جوهر الدين بكثافة المظاهر والشعارات الصاخبة، حتى يغدو الشكل بديلًا عن المضمون، والشعائر بديلًا عن الأخلاق، والانفعال والغضب بديلين عن الوعي.
تمثّل الجماعات الشعبيّة بيئة ملائمة لولادة التديّن الشعبوي وتمدّده في مختلف مجالات الحياة. حين ينزاح التديّن عن مجاله، تنحرف وظيفته عن بناء الحياة الروحية وإيقاظ الضمير الأخلاقي ، وتتجه نحو تكريس شعائر مفتعلة لأغراض لا صلة لها بوظيفة الدين، فيغدو مفهوم التديّن مطابقًا لهذه الشعائر. يفتقر التديّن الشعبوي إلى الحسّ الأخلاقي، وتنضب فيه الطاقة الروحية، فلا يُقاس التديّن بصدق الضمير، ولا بصفاء القلب، ولا بسموّ السلوك الأخلاقي، وإنّما يُقاس بكثافة المظاهر، والإفراط في الاستعراض، والمبالغة في إعلان الانتماء.
مَن يبحث عن الله في هذا النمط من التديّن لن يجده، لأنّ التديّن الشعبوي يحجب الحضور الحي لله بكثافة الشعارات والمظاهر. لا يعني احتجاب الله غيابه، فالله لا يغيب، غير أنّ صورته النورانية تحتجب في روح الإنسان عندما تستولي الهويّة المغلقة على ضميره، وتحتل المصالح والانفعالات مساحة القلب، ويتحوّل الولاء لها إلى معيار للإيمان. يحتجب الله لأنّ هذا التديّن لا يطلب الصّلة به، وإنّما يُوظّف اسمه لاكتساب المكانة والنفوذ، ويحوّل الدين من خبرة روحية إلى هوية جماعية مغلقة، ومن إيقاظ للضمير إلى امتثال لسلطة الجماعة. يستبدل التديّن الشعبوي حضور الله بحضور الجماعة في الشعار، وصوت الضمير بصوت الجمهور، وطلب المعنى بطلب المكانة المادية. كلّما تعالت الشعارات خفت صوت الله في أعماق الإنسان، وكلّما تضخّمت المظاهر ضاقت مساحة القلب، حتّى يغدو الله اسمًا يتكرّر على اللّسان، ولا يتجلّى أثره في السلوك. يحتجب الله عندما لا تثمر الصلة به رحمةً ومحبةً وعدلًا وسلامًا، ولا تصون كرامة الإنسان. عندئذ يظلّ اسم الله حاضرًا في الكلمات، فيما يغيب نوره عن القلب، وتغيب آثاره عن الحياة.
يتحدّث هذا التديّن عن الله كثيرًا، غير أنّه يبعد الإنسان عن الله أكثر، لأنّه يرسم له صورة تستمد ملامحها من مصالح الجماعة وصراعاتها على السلطة والثروة، فيظهر إلهًا للغلبة والاستقطاب والوصاية، لا إلهًا للحبّ والرحمة والعدل والسّلام. عندئذ يتحوّل الدين من طاقة ملهمة للمعنى في حياة الإنسان إلى أداة للتعبئة وإنتاج الاستعباد، ويفقد التديّن وظيفته. حضور الله لا يكشفه صخب الشعارات، حضور الله يتمثل بأثره في السلوك ورعاية حرّيات الإنسان وحقوقه. حيث تغيب هذه الآثار، تحتجب صورة الله، وإن امتلأت المنابر باسمه، وتكاثرت الشعائر التي تُقام من أجله.
في التديّن الشعبوي يتحوّل الدين إلى هوية جماعية مغلقة، أكثر من كونه خبرة روحيّة تحرّر الإنسان من الخوف والكراهية والجشع. ويتراجع سؤال المعنى، وتحلّ محلّه أسئلة الانتماء والاصطفاف والولاء. عندما يفقد الدين رسالته في بناء الإنسان، يغدو أداة لإنتاج الاستعباد لا لإيقاظ الحريّة، ووسيلة لتكريس هويّة الجماعة المغلقة لا لتربية الضمير. عندئذ يضمحل البعد الروحي، وتفقد الطقوس غاياتها، وتتحوّل من وسائل لتغذية الحياة الروحيّة إلى غايات قائمة بذاتها.
يتضخّم رصيد الإنسان في جماعته بمقدار ما يستعرضه من مظاهر للتديّن الشعبوي، لا بمقدار ما يتحلّى به من فضائل أخلاقية، وما يسمو به من حياة روحية، وما يقدّمه من خير للنّاس. هكذا تنتقل قيمة الإنسان من ضميره وأخلاقه وسلوكه إلى حضوره فيما هو شكلي، وقدرته على إعلان تديّنه أمام الجماعة. يغدو الاعتراف الاجتماعي مكافأة يسعى إليها الفرد، أكثر من سعيه إلى بناء حياته الروحية والارتقاء بإنسانيته. كلّما اتسع حضور الإنسان في مهرجانات الشعائر، ارتفعت مكانته في الجماعة، وإن افتقر ضميره إلى الحسّ الأخلاقي.
لا يسأل الجمهور عمّا يفعله التديّن في أعماق الإنسان، وعمّا يحدثه في أخلاقه وصلته بالآخر، لأنّه يكتفي بما يراه من مظهره، ويمنحه المكانة على أساس قدرته على الاستعراض. عندئذ يعيش الإنسان تحت نظر الجماعة أكثر ممّا يعيش في حضرة الله، ويحرص على صناعة صورته في عيون الناس أكثر من حرصه على تهذيب قلبه وإيقاظ ضميره. يتحوّل التديّن إلى أداء اجتماعي يطلب به الفرد الاعتراف والوجاهة، وتفقد الخبرة الروحية صدقها، لأنّ ما لا يغيّر حياة الإنسان من الدّاخل، ولا يسمو بأخلاقه، ولا يثمر خيرًا ورحمةً، يظل مظهرًا خاليًا من الروح.
كلما اشتد حضور التديّن الشعبوي، اضمحلت مساحة التفكير الحرّ، واتسعت سلطة الأوهام، وغدا الإنسان أكثر قابلية للانقياد، وأقلّ قدرة على مساءلة ما تفرضه الجماعة عليه باسم الدين. يستبدل التديّن الشعبوي السؤال بالتلقين، والتفكير بالامتثال، والضمير الفردي بضمير الجماعة، حتى يفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجمهور، ويفكر بعقله، وينفعل بمشاعره. لا يريد التديّن الشعبوي عقلًا يقظًا، لأنّ العقل اليقظ يسأل ويفكّر وينقد ويمحّص، فيما تحتاج الشعبوية إلى عقل مشلول يتلقى الأجوبة الجاهزة، ويطمئن إلى الشعارات، ويخشى كلّ سؤال يزعزع ما لقنته الجماعة إيّاه.
تعادي الشعبوية التفكير، لأنّه يكشف تهافت مقولاتها، ويفضح مصالح دعاتها، لذلك تتغذّى على الانفعال، وتستبدل التفكير بالغضب، والحجّة بالهتاف، والمعرفة بالشائعة، وتصنع عدوًا دائمًا لتعبئة الجمهور وإدامة ولائه. كلّما اشتد الانفعال تراجعت قدرة الإنسان على التمييز، وغدا أكثر استعدادًا للتدجين. هكذا تتحوّل الجماعة إلى مرجعيّة للحقيقة، ويصير الولاء لها معيارًا للإيمان، ويفقد الإنسان صوته، ويرى بعين الجماعة، ويفكّر بعقلها، وينفعل بمشاعرها، حتّى يغدو الاختلاف معها خروجًا على الدين.
يكرّر التديّن الشعبوي الشعارات والمقولات ذاتها، حتّى تقيم في اللاّشعور، ويحسبها الإنسان حقائق نهائية لا تقبل السؤال والمراجعة. التكرار المتواصل لا يوقظ الإيمان، وإنما يعطّل التفكير، ويمنح الوهم سلطة الحقيقة، ويحوّل التلقين إلى يقين زائف. عندما يخدر العقل، يعجز الإنسان عن رؤية تناقضات هذا التديّن، ويفقد القدرة على التمييز بين الدين واستغلاله، وبين حضور الله وسلطة المتكلّمين باسمه، وبين الإيمان الصادق والانفعال الجمعي.
لا تنبعث الحياة الروحية في الضجيج والاستعراض، لأنّها تحتاج إلى قلب يقظ، وضمير حي، وصمت يتيح للإنسان أن ينصت إلى نداء المعنى في أعماقه. حين تتحوّل الشعائر إلى مهرجانات جماعية، تفقد قدرتها على تغذية الروح، ويغدو الانفعال بديلًا عن الخبرة الروحية، والهتاف بديلًا عن المناجاة، والامتثال للجماعة بديلًا عن الصلة الصادقة بالله. لا يقود التديّن الشعبوي الإنسان إلى الله، بعد أن يحجب حضوره بكثافة الأوهام، ويجعل المقدس وقودًا للاستقطاب والتعبئة. |




