شخصيات

بقلم
م.فيصل العش
تقي الدين الهلالي: سيرة عالم رحالة، ورؤية إصلاحية شاملة

 يُعدّ العلّامة الدّكتور محمّد تقيّ الدّين بن عبد القادر الهلاليّ الحسينيّ السّجلماسيّ، واحداً من أبرز رجالات الإصلاح والفكر في العالم الإسلاميّ خلال القرن العشرين. هو عالمٌ موسوعيّ ورحّالة، جاب أقطار الأرض من أقصى المغرب إلى أقاصي الهند وأوروبّا، حاملاً راية التّوحيد والدّفاع عن لغة الضّاد. ترك الهلاليّ بصمة لا تُمحى في مجالات التّرجَمة الدّقيقة، والعقيدة السّلفيّة، واللّغويّات، والعمل الدّعويّ الميدانيّ، ليكون بذلك أنموذجاً حيّاً للعالم المجدّد الّذي يجمع بين أصالة الانتماء ووعي الانفتاح على العصر.

1.  المولد والنّشأة
وُلد تقيّ الدّين الهلاليّ سنة 1311هـ الموافق لعام 1893م، في قرية «الفرخ» أو «القديم» القريبة من مدينة سجلماسة (الرّيصانيّ حاليّاً) في منطقة تافيلالت بالجنوب الشّرقيّ للمملكة المغربيّة. نشأ في بيت علم وصلاح ودين، فوالده وجدّه كانا من حفظة القرآن ومن فقهاء المنطقة البارزين. وقد انعكس هذا الجوّ العائليّ المحافظ والمفعم بالرّوحانيّة على تكوينه المبكّر، فحفظ القرآن الكريم في سنّ مبكّرة جدّاً، وأتقن رسمه وتجويده. ثمّ شرع بشغف في تلقّي مبادئ العلوم الشّرعيّة واللّغويّة من فقه مالكيّ ونحو وصرف على يد والده وكبار علماء واحات تافيلالت، ليظهر نبوغاً لافتاً منذ نعومة أظافره مهّد له طريقاً طويلاً ومثمراً نحو كبرى حواضر العلم في العالم.
2.  الرحلة العلمية والشهادات
لم يكتفِ الهلاليّ الشّابّ بما حصّله في مسقط رأسه، بل دفعته همّته العالية للرّحلة في طلب العلم، فقصد مدينة فاس ليلتحق بجامعة القرويّين العريقة، حيث تعمّق في دراسة الفقه والأصول والأدب العربيّ. إلّا أنّ شغفه لم يتوقّف عند المغرب، فارتحل شرقاً إلى الجزائر وتونس، ثمّ شدّ الرّحال إلى مصر، حيث التّحق بالجامع الأزهر وتوطّدت صلاته بعلماء النّهضة والإصلاح، وعلى رأسهم الشّيخ محمّد رشيد رضا، متأثّراً بعمق بمنهجه السّلفيّ الإصلاحيّ وبمجلّته «المنار».
وتعتبر رحلته إلى شبه القارّة الهنديّة من أهمّ المحطّات المفصليّة في مساره، حيث التقى بكبار علماء الحديث كالشّيخ المحدّث عبد الرّحمن المباركفوريّ، وأخذ عنهم إسناد الحديث ودرايته، واستثمر مقامه الطّويل هناك لتعلّم اللّغة الإنجليزيّة واللّغة الأرديّة. ولم تقف طموحاته الأكاديميّة عند هذا الحدّ، بل توجّه إلى أوروبّا، وتحديداً ألمانيا، والتحق بجامعة برلين العريقة. وهناك درس على يد كبار المستشرقين، كالأستاذ كامبفماير، وأتقن الألمانيّة. وتوّج مساره المتميّز بالحصول على الدّكتوراه في الأدب العربيّ واللّغويّات سنة 1940م، محقّقاً مقدّمة كتاب «الجَماهِرُ في معْرِفَةِ الجَواهِِر» للبيرونيّ. وبذلك جمع بين متانة التّكوين الشّرعيّ والصّرامة الأكاديميّة الغربيّة، وأتقن لغات عدّة: العربيّة، والإنجليزيّة، والألمانيّة، والفرنسيّة، والأرديّة، والفارسيّة.
3.  المناصب والمسؤوليات
أهّلت الحصيلة العلميّة الواسعة واللّغات المتعدّدة الدّكتور الهلاليّ لتقلّد مناصب أكاديميّة ودعويّة جسيمة في بلدان مختلفة. ففي الهند، عُيّن أستاذاً للأدب العربيّ والعلوم الإسلاميّة بدار العلوم التّابعة لندوة العلماء في مدينة لكناو، مسهماً بشكل مباشر في تطوير مناهج تدريس العربيّة للنّاطقين بغيرها. وفي السّعوديّة، حظي بتقدير بالغ، فعُيّن مراقباً للتّدريس في المسجد النّبويّ الشّريف بالمدينة المنوّرة، ثمّ أستاذاً جامعيّاً بجامعة الملك سعود بالرّياض، ولاحقاً بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنوّرة، حيث تخرّجت على يديه أجيال من الدّعاة من مختلف القارّات.
كما كانت له تجربة أكاديميّة رائدة في العراق، حيث درّس في جامعة بغداد لسنوات طوال، تاركاً أثراً بالغاً في طلّابها ومثقّفيها. وإلى جانب التّدريس الجامعيّ، اقتحم ميدان الصّحافة بقوّة، فأسّس مجلّة «الضّياء» بالهند لتكون صوتاً عربيّاً إسلاميّاً رائداً(1)، وساهم بالكتابة في كبريات المجلّات كـ «الفتح» (2). ولعلّ من أعظم إنجازاته وأبقاها أثراً على المستوى العالميّ، مشاركته للدّكتور محمّد محسن خان في ترجمة معاني القرآن الكريم وصحيح البخاريّ إلى اللّغة الإنجليزيّة، وهي التّرجَمة الدّقيقة الّتي طُبعت منها ملايين النّسخ واعتُمدت في المراكز الإسلاميّة عالميّاً، فكانت جسراً حقيقيّاً نقل أنوار الوحي للنّاطقين بالإنجليزيّة.
4.  مشروعه الفكري وأهم عناصره
تأسّس المشروع الفكريّ للعلّامة الهلاليّ على دعائم واضحة، تهدف إلى تصحيح العقيدة، وتنقية الدّين من البدع، والنّهوض بالأمّة معرفيّاً. ويتلخّص مشروعه في محورين: الدّعوة للتّوحيد ونبذ التّقليد، والغيرة على اللّغة العربيّة.
خاض الهلاليّ معركة فكريّة ضارية ضدّ الانحرافات العقديّة في بعض الطّرق الصّوفيّة، منطلقاً من تجربة شخصيّة، إذ كان في شبابه منتمياً للطّريقة التّجانيّة. فلمّا تبيّن له بالدّليل القاطع مخالفتها لهدي النّبوّة، أعلن براءته منها بشجاعة، ووثّق ذلك في كتابه الشّهير «الهديّة الهادية إلى الطّائفة التّجانيّة»، الّذي يعدّ وثيقة نفيسة في مشروعه الإصلاحيّ.
وفي معرض محاربته للتّقليد الأعمى الّذي عطّل الاجتهاد، يقول الهلاليّ بعبارة قاطعة ومؤسّسة في كتابه «سبيل الرّشاد في هدي خير العباد»: «التّقليد في دين الله حرام بالنّسبة لمن عنده من العلم ما يميّز به بين الحقّ والباطل... أمّا إذا كان عاميّاً صرفاً فيجب عليه أن يسأل أهل العلم بالكتاب والسّنّة... ولا يجوز أن يتقيّد بمذهب»(3).
وفي ذات الكتاب، يوضّح أثر البدع في تعطيل العقل البشريّ واستلابه قائلاً: «كلّ من عبد غير الله تعالى فهو فاسد العقل، مختلّ المزاج، لا يستطيع أن يقيم دليلاً على ما ارتكبه من الشّرك فيلتجئ إلى قوله: إنّا وجدنا آباءنا على هذا... وهذه حجّة داحضة، وهي حجّة المشركين في كلّ زمان ومكان» (4).
العنصر الثّاني المحوريّ في مشروعه هو الإصلاح اللّغويّ. فقد كان يرى بعين الخبير أنّ اللّغة العربيّة هي الوعاء الحافظ للإسلام، وأنّ انهيار الأمّة واستلابها يبدأ بمسخ هويّتها اللّغويّة. دافع عن الفصحى وأنكر اللّحن، معبّراً عن أسفه لتراجع النّخب وتصدّر غير المؤهّلين بقوله الموثّق: «ومن سوء حظّ العرب في هذا الزّمان عموم الجهل والتّقليد فيهم، وسيرهم على صراط معوجّ؛ لأنّهم لا يعتبرون العلم، وإنّما يعتبرون الشّهادات المزيّفة، الّتي يحصل عليها كثير من الدّوابّ، فيتسلّمون أعلى المراتب في الجامعات، وهم صمّ بكم عمي» (5).
كما وظّف الهلاليّ الأدب والشّعر كأداة فعّالة في معاركه الإصلاحيّة، مؤكّداً ذلك بقوله: «والشّعر سلاح حادّ يفتك بالأعداء أكثر من فتك السّيوف» (6).
هكذا تتّضح معالم مشروع العلّامة تقيّ الدّين الهلاليّ: دعوة حازمة لتحرير العقل واستقلاله الفكريّ، وعودة صادقة لينابيع الوحي الأصيلة، مع دفاع مستميت لحماية لغة الضّاد الخالدة.
الهوامش
(1)  تأسست مجلة «الضياء» في الهند في شهر مايو من عام 1932م (الموافق لشهر محرم من عام 1351هـ). وقد صدرت هذه المجلة بمدينة لكناو الهندية عن دار العلوم التابعة لـ «ندوة العلماء». وجاء إطلاقها باقتراح وتأثير مباشر من العلامة تقي الدين الهلالي والشيخ سليمان الندوي، حيث تولى رئاسة تحريرها الأديب مسعود عالم الندوي، وشارك الهلالي بفعالية في تحريرها والإشراف عليها، لتكون بذلك منصة رائدة لنشر اللغة العربية، وتقوية الروابط الثقافية بين مسلمي شبه القارة الهندية والعالم العربي.
(2)  تأسست مجلة «الفتح» في مصر على يد رائد الصحافة الإسلامية الأستاذ محب الدين الخطيب وصدر عددها الأول في القاهرة يوم 10 يونيو (حزيران) 1926م، الموافق لـ 29 ذي القعدة 1344هـ. (وتولى رئاسة تحريرها في البداية الشيخ الأزهري عبد الباقي سرور قبل أن يتسلمها الخطيب بنفسه). كانت «الفتح» مجلة أسبوعية رائدة في عصرها، وأطلقت على نفسها اسم «مرآة العالم الإسلامي»، حيث استقطبت كبار المفكرين والعلماء في ذلك الوقت للكتابة على صفحاتها والدفاع عن قضايا الأمة، وكان من أبرز المساهمين فيها العلامة تقي الدين الهلالي.
(3)  سبيل الرشاد في هدي خير العباد، تقي الدين الهلالي، تعليق وتقديم الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان، الدار الأثرية (الأردن)،ط 1، 2006م، (ج3 / ص37)
(4)  نفسه ، الجزء الثاني، الصفحة 56
(5)  نفسه ، الجزء الأول، الصفحة 16-17
(6)  نفسه ، الجزء الثالث، الصفحة 98