خواطر
| بقلم |
![]() |
| شكري سلطاني |
| من دين الوحي الإلهي إلى دين النفاق الاجتماعي: أزمة التدين الشكلي وفجوة الوعي الباطن |
في البدء كان الإخلاص
يتميّز دين الوحي الإلهي بنصاعته الصافية، وصدق بيانه، وعمق دلالاته وإشاراته ومقاصده الغائية. فالتمسّك «بدين القيّمة» هو رباط وثيق يشدّ العبد بحبل الودّ والوصل مع خالقه عزّ وجلّ، حيث تكون العبادة في أصلها حالة قلبيّة نابضة، وتجديدًا مستمرًّا لعهد الولاء والإخلاص الصادق. غير أنّه مع غياب الصالحين والمصلحين-أولئك الذين انعكس المضمون الديني في بواطنهم وظواهرهم، فتقيّدوا بالشرع والحقيقة وكانوا هُداةً يهتدي الناس برؤيتهم والاقتداء بهم- انحسر دين الحقّ تدريجيًّا، ولم يتبقَّ في المشهد الاجتماعي إلا «عبادة الظاهر». لقد تحوّلت العبادة بفعل التكرار والوراثة إلى «عادة اجتماعيّة» مُحاطة بهوى النفس والرياء وسوء الفهم، والبعد السحيق عن جوهر الحقيقة.
معضلة «عبادة العادة» وسقوط الوعي الروحي:
إنّ القيام بفروض الطاعة، برغم سلامة النيّة المقترنة بذلك القيام لدى عامّة الناس، يستوجب وقفة مراجعة حازمة وفحصًا ذاتيًّا عميقًا. على العابد أن يدرك حقيقة مَن يعبد، وأن يسعى جاهدًا لتجويد عبادته، وتزيينها بالإخلاص، وإتقانها حتى تبلغ مقام القبول؛ فروح العبادة وسرّ حياتها هو الإخلاص. أمّا إذا غدت الشعائر مجرّد ممارسة آليّة، موروثة دون هدى أو بصيرة، فإنّ العبد يُحرم من الترقّي الروحاني؛ ذلك أنّ الطقوس الخاوية من المعرفة القلبيّة واليقين الراسخ في العقل لا تزيد صاحبها إلا جمودًا. فالإسلام الظاهر والعلم النظري لا يجديان نفعًا ما لم يكونا مسنودين بمعرفة قلبيّة وباطن سليم يستمدّ أنواره من الواحد الوهّاب عبر نفحات ربّانيّة وكشوفات رحمانيّة تثبّت العبد الصالح المخلص لربّه.
مفارقة المعرفة: وعاء واحد وعالمان متناقضان
من أعمق المفارقات التي نرصدها في واقع التديّن المعاصر،أن يشترك شخصان في الرصيد المعرفي والمعلوماتي نفسه عن الله عزّ وجلّ، والمستمدّ من قراءة القرآن الكريم ذاته، بيد أنّ أحدهما يعيش في سكينة مطلقة وثبات روحي، بينما يرزح الآخر تحت وطأة القلق والاضطراب النفسي.
إنّ الفارق الجوهري هنا لا يكمن في «كمّية المعرفة» أو حجم المحفوظ - فهي متاحة ومبذولة للجميع - بل في مدى نفوذ هذه المعرفة ووصولها إلى سويداء القلب. «إنّ معرفة الله بالعقل تفتح الباب، أمّا معرفته بالقلب فهي الدخول من الباب. العقل قد يدلّك على الله، أمّا القلب فيجعلك تعيش مع الله». بناءً على هذا، يصبح فهم غالبيّة الناس للدين وممارستهم القشريّة للشعائر الدينيّة بمثابة «حجاب» يمنع التطوّر والترقّي الروحاني، ما دامت حبيسة القوالب الظاهرة ولم تلامس شغاف القلوب، ولم ترتبط بالصدق والورع والإخلاص.
ركائز العبور من الدين الشكلي إلى التديّن الحقيقي:
لأجل صياغة وعي عملي وبراغماتي يتجاوز هذا القصور، ويتخطّى الدور الضئيل الذي تلعبه المؤسّسات التربوية اليوم، في ظلّ قلّة المدرّسين الواعين والممارسين المتأمّلين Les praticiens réflexifs، لا بدّ من استثمار هذه الرؤية عبر ثلاث ركائز عمليّة للانتقال من الظاهر إلى الباطن وتنزيلها في صلب السلوك الإنساني:
أوّلًا: الانتقال من العادة إلى النيّة؛ ويتحقّق هذا باستحضار «الوعي التامّ والقلب الحاضر» قبل كلّ شعيرة، وتحطيم أسر الآليّة والتكرار من خلال سؤال النفس الدائم: لماذا وكيف أقف الآن بين يدي الله؟ ليكون الهدف الأساسي والعملي هو تحويل الطقس المعتاد إلى تجديد واعٍ للعهد الروحاني.
ثانيًا: تلازم العبادة بالأثر الأخلاقي؛ بحيث يُصبح المفهوم التوعوي الأسمى هو جعل السلوك اليومي المباشر مع الخلق- من صدق، وأمانة، وكفّ أذى، ورحمة - بمثابة المقياس العملي الحقيقي لنجاح العبادة الباطنيّة وصلاحها.
ثالثًا: تفعيل مقام الإحسان؛ وهو يمثّل ذروة المعرفة القلبيّة، والانعتاق التامّ من رقّ النفاق الاجتماعي وإرضاء الخلق، والعيش اليقيني المستمر في ضوء الهدي النبوي الشريف: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك».
خاتمة: نحو ثورة في الوعي الباطن
إنّ مواجهة «دين النفاق الاجتماعي» لا تتمّ بالشعارات، بل بإحياء «دين القيّمة» داخل الفرد أوّلًا. عند تحرّك المصلحين الواعين لبناء نماذج حيّة تدمج بين الشرع والحقيقة، وبين سلامة الوعي الباطني واستقامة الظاهر، تتحوّل العبادات من حجاب يعيق الروح إلى معارج ترتقي بالإنسان في آفاق السكينة واليقين. |




