أهل الاختصاص
| بقلم |
![]() |
| م.رفيق الشاهد |
| التّغيّرات المناخيّة بين الحذر والهستيريا (4/4) هل من حلول؟ |
نختتم هذه السلسلة في حلقتها الرابعة والأخيرة بالبحث عن الحلول الواقعية وسبل المواجهة. فبعد إدراكنا لحجم التلاعب الدولي وازدواجية المعايير، يبرز السؤال الملح: هل نبقى مكتوفي الأيدي؟ قطعاً لا. تضع هذه الخاتمة النقاط على الحروف فيما يخص خطط الأمم المتحدة، وتطرح توصيات عملية تضع «المصلحة الوطنية» كأولوية قصوى. هي دعوة صريحة للتحرر من إملاءات المنظمات المشبوهة، والاعتماد على الكفاءات الوطنية لإدارة أزماتنا البيئية والمائية بقرار سيادي يوازن بين التنمية والاستدامة.
1. هل من حلول؟
موضوعيًّا، المسألة معقّدة جدًّا. والنّبيه لا ينتظر في ختام هذا المقال حلًّا لمسألة التّغيّر المناخيّ والشّحّ المائيّ؛ لأنّ الهدف الأوحد لهذه الورقة توعويّ، لعلّه يصل إلى عدد من المتدخّلين والمؤثّرين في هذا المجال فيغيّر من قناعتهم. وكما تعلّمنا، فإنّ معالجة المسائل والبحث عن الحلول يتطلّب أوّلاً تحديد المجال والتّشخيص الجيّد، ثمّ الوقوف على الأسباب. وفي مجال التّغيّر المناخيّ، وطالما تعرّفنا على الأسباب، فلا داعي للمراوغة والهروب من الحلول المباشرة. وفي هذا الإطار، من الضّروريّ تذكير الرّأي العامّ بالحقائق التّالية، لا سيّما على المستوى الوطنيّ:
* إنّ ما يحصل اليوم من تطرّف طقسيّ في تونس وفي كلّ بقاع الأرض، يؤشّر إلى تغيّر في خصوصيّات المناخ العالميّ؛ وهو تغيّر ناتج عن الأنشطة الصّناعيّة الملوّثة للبيئة طيلة القرن التّاسع عشر الّذي مثّل ذروة الثّورة الصّناعيّة، والّتي لم تكن تونس ولا العديد من الدّول الأخرى طرفًا فيها.
* إنّ زيادة نسق التّلوّث الحاصلة طيلة القرن العشرين سترفع من حجم تغيّر المناخ، وستعمّق حدّة الظّواهر الجوّيّة وتطرّفها على المدى القريب والمتوسّط، باعتبار الوحدة الزّمنيّة القياسيّة للمناخ المعتمدة من قِبل المنظّمة العالميّة للأرصاد الجوّيّة، والّتي تُقدّر فترتها بـ 30 سنة.
* إنّ الأخطار المرتبطة بالظّواهر الجوّيّة المتطرّفة تتسبّب في خسائر اقتصاديّة بالغة، وتودي بحياة العديد من الأشخاص. ولا يمكن للإنذار المسبق قبل 24 ساعة أن يقلّل من الأضرار النّاجمة عن العواصف أو موجات الحرّ إلّا بنسبة تصل إلى 30 %.
* إن لم يتّخذ المنتظم الدّوليّ التّدابير اللّازمة للحدّ من انبعاثات الغازات الدّفيئة، فستشتدّ حدّة التّغيّر المناخيّ، وسيرتفع نسق الأخطار المرتبطة بالظّواهر الجوّيّة المتطرّفة وتتفاقم حدّتها.
* والتّحدّيات أكبر من أن تواجهها دولة بمفردها؛ لأنّ الدّاء يصيب الجوّ حول الكوكب، وتفاعلات كتله تُسيّر الظّواهر المتطرّفة فتصيب جهات بنسب مختلفة. فلا بدّ إذن من التّعاون العالميّ القائم على الثّقة وتبادل البيانات الحقيقيّة لا المفبركة. ويمثّل الحلّ الأنسب للتّقليل من آثار هذه الظّواهر الجوّيّة المتطرّفة والأضرار النّاجمة عنها، أساسًا، في إجراءات التّخفيف (Mitigation) الهادفة لتقليل انبعاثات الغازات الدّفيئة أو الحدّ منها، وإجراءات التّكيّف (Adaptation)؛ أي أقلمة النّظم الطّبيعيّة أو البشريّة للاستجابة للمناخ الفعليّ الجديد، والتّعامل مع تطرّف الأحوال الجوّيّة المتوقّعة للحدّ من آثارها وأضرارها:
* من البديهيّ أنّ البلدان المصنّعة، وصاحبة النّسبة الأكبر من انبعاثات الغازات الدّفيئة، هي المعنيّة بإجراءات التّخفيف أكثر من غيرها. وهذا ما يشكّل عدم توافق بين الدّول الّتي لا تريد التّقليص من منتوجها الصّناعيّ، الّذي يمثّل عنصرًا من عناصر القوّة الاقتصاديّة. أمّا إجراءات التّكيّف فهي مفروضة على جميع الدّول المهدّدة بارتفاع نسق الظّواهر الجوّيّة المتطرّفة. ويُفرض هذا التّكيّف كتدابير وقائيّة لحماية الأرواح والممتلكات، وبدونها تكون الدّول وحكوماتها قد أخلّت بواجباتها الدّستوريّة.
* إنّ الدّول غير المصنّعة وذات الاقتصادات الضّعيفة أو الصّاعدة لم تشارك في تلويث الأجواء سابقًا. فمن العدل ألّا تشملها إجراءات التّخفيف ولا التّدابير الأخرى المنضوية تحتها، مثل البصمة الكربونيّة (Carbon Footprint) والحياد الكربونيّ (Carbon Neutrality) أو اعتماد الطّاقة المتجدّدة (Renewable Energy)، إلّا إذا رأت أنّ ذلك يعود عليها بالفائدة. ويكفيها تحمّل تكلفة مجابهة مخاطر التّطرّف البيئيّ النّاجم عن التّغيّر المناخيّ الحاصل.
وبالنّظر إلى هذه الحقائق الّتي يُستوجب التّدبّر فيها والأخذ بها، كان يتوجّب على الدّول والحكومات الدّفاع عن حظوظها في خطّة الأمم المتّحدة للتّقليل من الغازات الدّفيئة، حتّى لا تصبح بنود الخطّة ولا آليّات تنفيذها أدوات تحكّمٍ وآليّاتٍ للهيمنة التّجاريّة والاقتصاديّة والعسكريّة. وتتمحور خطّة الأمم المتّحدة للتّقليل من الغازات الدّفيئة، حسب اتّفاقيّة باريس، حول خفض الانبعاثات بنسبةٍ تقارب 45 % بحلول عام 2030، للوصول إلى «صفر انبعاثات» بحلول سنة 2050. وتندرج هذه الخطّة ضمن أهداف التّنمية المستدامة للأمم المتّحدة (SDGs) وعددها 17 هدفًا، نخصّ بالذّكر منها الهدف 13 الّذي يمثّل المحور الرّئيسيّ وهو «العمل المناخيّ»، والهدف 7 (طاقة نظيفة)، بالإضافة إلى الهدف 11 (مدن مستدامة). وتُركّز الخطّة أساسًا على استبدال الوقود الأحفوريّ بالطّاقة المتجدّدة، وعلى كفاءة الطّاقة والنّقل المستدام، فضلاً عن استعادة النّظم البيئيّة لامتصاص الكربون. وتدعو المنظّمة عبر آليّات تنفيذ هذه الأهداف إلى تحقيق تحوّلاتٍ إنمائيّةٍ منخفضة الكربون على مستوى الاقتصاد، مع التّركيز على التّحوّل في استخدام الطّاقة؛ وكلّ ذلك لحصر ارتفاع درجة الحرارة في حدود درجتين مئويّتين لا أكثر مقارنةً بمعدّل الحرارة في فترة ما قبل العصر الصّناعيّ.
وعلى الرّغم من أهمّيّة المشاركة الفعّالة في تنفيذ هذه الخطّة، لا بدّ من التّأكيد على ضرورة مراعاة حدود مقدّرات كلّ دولة ومستوى مساهمتها في انبعاثات الغازات الدّفيئة. كما يجب النّظر في كيفيّة استفادة الدّول ضعيفة الدّخل وذات الانبعاثات المنخفضة من التّحوّلات الإنمائيّة منخفضة الكربون الّتي تدعو إليها منظّمة الأمم المتّحدة، حتّى لا تتحوّل آليّات التّنفيذ إلى أدواتٍ عقابيّةٍ تعيق الاستثمار وتضعف الاقتصادات الهشّة. ولا بدّ من الـتّأكيد كذلك على ضرورة أن تتحمّل البلدان ذات الدّخل المرتفع والبلدان ذات الانبعاثات العالية والمتوسّطة المسؤوليّة الأكبر فيما يتعلّق بهذه الانبعاثات؛ وعليها أن تكون الأسبق والأكثر اندفاعًا لتحقيق أهداف التّنمية النّظيفة. ولكن على عكس ذلك، تحوّلت التّوجّهات إلى كيفيّة الاستفادة من التّهديد المناخيّ عبر توجيه آليّات التّنفيذ وفرضها باعتماد قانون السّوق وآليّاته (العرض والطّلب) وأدوات القوّة. فيتبيّن من أبرز الآليّات المعتمدة التّالية أنّ جميعها تخدم مصالح الدّول الصّناعيّة، وتُشجّعها على تكثيف إنتاجها، وضمان تبعيّة الدّول النّامية والفقيرة من خلال تعميق الهوّة بينها.
أبرز آليّات الخطّة الاستراتيجيّة للأمم المتّحدة للتّقليص من انبعاثات الغازات الدّفيئة:
* المساهمات المحدّدة وطنيًّا (NDCs): خطط عملٍ وطنيّةٍ تخضع للمراجعة والتّعزيز كلّ 5 سنوات، توضّح كيف ستقوم كلّ دولة بخفض انبعاثاتها.
* التّمويل المناخيّ: دعم الدّول النّامية عبر «صندوق المناخ الأخضر» لتنفيذ مشاريع الطّاقة المتجدّدة والنّقل المستدام
* نقل التّكنولوجيا: وضع خطط عملٍ تكنولوجيّةٍ لتحديد تقنيّاتٍ خفيضة الكربون وتطبيقها، مثلما تمّ في تونس والبرازيل.
* آليّات السّوق (Carbon Markets): نظام تداول الانبعاثات الّذي يسمح للدّول ببيع أرصدة الكربون وشرائها.
* تخفيض الانبعاثات من إزالة الغابات: آليّة لتعزيز قدرة الغابات على امتصاص الكربون.
* الاستراتيجيّات القطاعيّة: مبادرات خاصّة مثل «تحالف صافي الطّاقة الصّفريّة»، ووضع قيودٍ على انبعاثات الشّحن الدّوليّ.
2. الخلاصة
من البديهيّ أن تتأثّر البيئة بتأثّر المناخ، ومن البديهيّ أيضًا أن يتأثّر المناخ بارتفاع نسق انبعاثات الغازات الدّفيئة. وهذا أمرٌ لا يستوجب انتظار دراساتٍ تبرز مدى التّغيّر المناخيّ؛ لا سيّما وأنّ هذه الدّراسات ما زالت غير ناضجةٍ وغير دقيقةٍ، ممّا يجعل المستفيد الأوحد منها هو جماعات الضّغط المدافعة عن الوقود الأحفوريّ، الّتي تعمد إلى التّشكيك فيها، وتوجيه آليّات تنفيذ خطّة الأمم المتّحدة للتّقليص من انبعاثات الغازات الدّفيئة نحو مقتضيات السّوق الحرّة الّتي ترتكز أساسًا على المنافسة شديدة الشّراسة.
إنّ ما يهمّنا في موضوع التّغيّر المناخيّ والهواجس البيئيّة النّاتجة عنه هو ما يتعلّق ببلادنا تونس. وعلى الرّغم من أهمّيّة المشاركة الفعّالة في تنفيذ الخطّة انسجامًا مع المنتظم الدّوليّ، فإنّه لا بدّ من فهم المسألة جيّدًا؛ حتّى تكون خطط العمل الوطنيّة المتعلّقة بخفض الانبعاثات -في إطار آليّة «المساهمات المحدّدة وطنيًّا (NDCs)»- مدروسةً بعنايةٍ، ولا تراعي سوى المصلحة الوطنيّة. وفي هذا الإطار، أردت لهذه الورقة أن تزيل ضبابيّة الخوف الّذي بلغ حدّ الهستيريا، ولكن دون الغفلة عن الحذر، وذلك بالاسترشاد بالتّوصيات التّالية:
* استرجاع الثّقة المؤسّساتيّة: التّأكيد على ضرورة استرجاع الثّقة في المؤسّسات الوطنيّة، وتحميلها مسؤوليّة نتائج خياراتها وقراراتها؛ فمن يشارك في أخذ القرار يجب أن يشارك في تحمّل المسؤوليّة.
* الاعتماد على الكفاءات الوطنيّة: تزخر بلادنا -ولله الحمد- بالعديد من الخبراء القادرين على وضع خطّةٍ استراتيجيّةٍ موثوقةٍ، وما على السّياسيّ إلّا أن يتبنّاها ويعمل على تنفيذها للصّالح العامّ بمنطق «تونس أوّلاً».
* الحذر من الاختراق عبر المجتمع المدنيّ: تجنّب التّعويل على المنظّمات المشبوهة؛ وهو ما لا يعني عدم الإنصات إلى المجتمع المدنيّ، بل يجب الإنصات إليه بغرض الاستشارة والاستفادة فقط، مع إبقاء مسؤوليّة القرار النّهائيّ بيد السّلطة.
* المسؤوليّة الإعلاميّة: توعية وسائل الإعلام ليكون دورها أكثر مسؤوليّةً وتوجيهًا نحو المصلحة العامّة وما ينفع البلاد. إذ لا يُنقص من قيمة الصّحفيّ أو الإعلاميّ، أو أيّ مهتمّ بالشّأن العامّ عمومًا، أن يكون متصالحًا مع الأهداف الاستراتيجيّة للدّولة
3. الخاتمة
«تسييس العلم» هو التّلاعب بالعلم لغاياتٍ سياسيّةٍ، ويحدث عندما تقوم حكومة، أو قطاع أعمال، أو مجموعات مناصرة، باستعمال الضّغط القانونيّ والاقتصاديّ للتّأثير في البحث العلميّ، أو طريقة ممارسته ونشره، أو تفسير نتائجه. وقد يؤثّر مثل هذا الجنوح والانحراف على الحرّيّة الأكاديميّة سلبًا، ولهذا الأمر شواهد تاريخيّة عديدة؛ حيث لجأت العديد من الجماعات إلى الحملات الدّعائيّة للتّرويج لمصالحها وخلط الأوراق، فلا يحصل الإجماع العلميّ.
وفي السّياق ذاته، لم يعد تسييس تغيّر المناخ خفيًّا، فترهّلت الثّقة الّتي كانت تُبنى على العلم والذّاكرة المناخيّة، واستأنس الجميع بازدواجيّة المعايير، وطمست القيم الّتي بنيت عليها القوانين الدّوليّة ولوائح حقوق الإنسان الّتي لم تصمد أمام شغف السّيطرة والهيمنة. ولمّا تحوّل النّقاش العلميّ حول أسباب التّغيّر المناخيّ إلى صراعاتٍ جيوسياسيّةٍ تهدف لتحقيق مكاسب انتخابيّة أو تجاريّة، أصبحنا أمام خيار وحيد لتعزيز صمودنا كمجتمع يحافظ على مقدّرات البلاد ومصالح شعبها؛ وذلك من خلال فهم طبيعة مناخنا، والاعتماد على مصادر موثوقة للمعلومة الجوّيّة والمناخيّة استعدادًا لمجابهة آثار تغيّره بعقلانيّة، وحتّى لا ننجرّ -عن وعي أو عن غير وعي- وراء تحالفات لا تلتقي أهدافها وأهدافنا الحقيقيّة.. |




