نوافذ

بقلم
د.علي رابحي
تقريب الأفهام لأصول الأحكام
 علم أصول الفقه باعتباره علمًا على العلم المعرّف هو عند الشافعية: «معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد». أمّا عند الجمهور فهو: «العلم بالقواعد التي يُتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعيّة العمليّة من أدلّتها التفصيليّة». فالقواعد: «هي ما تعرف منها أحكام الجزئيّات المندرجة تحث موضوعاتها بالقطع أو الظن»، التي يُتوصّل بها إلى استنباط الأحكام: أي يخرج منها القواعد اللغويّة والفقهيّة والمنطقيّة، لأن هذه القواعد وسيلة للمجتهد إلى فهم الأحكام وأخذها من الأدلّة. والحكم الشرعي العملي: يُخرج الأحكام الحسّية واللغويّة والعقليّة والوضعيّة والاعتقاديّة. أمّا الأدلّة التفصيليّة فهي الأدلّة الجزئيّة.
أمّا تعريف علم أصول الفقه باعتباره مركّبا إضافيّا متكوّنا من ثلاث كلمات أوّلها العلم، ويطلق هنا ويراد به لغة الإدراك والمعرفة (أي معرفة حكمها) والمسائل والمباحث (أي القضايا التي يبحث عنها في الحكم) وقد يطلق ويراد به الملكة (وهي التي تحصل لدارس هذه المسائل وممارسها). وبالنسبة لأصول الفقه نقصد بالعلم القضايا والمسائل. أمّا كلمة الأصل، فتطلق هنا ويراد بها لغة أساس الشيء وما يبنى عليه غيره ولا يحتاج إلى غيره، واصطلاحًا يقصد بها خمسة معان، أوّلها الدليل: مثل قولهم الأصل في وجوب الصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] وأصل هذه المسألة الكتاب والسنّة أي دليلهما. وثانيها الرجحان: مثل قولهم الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز. وثالثها الصورة المقيس عليها: مثل قولهم «الخمر أصل النبيذ». ورابعها الاستصحاب: ومنه قولهم «الأصل بقاء ما كان على ما كان» و«اليقين لا يزول بالشك». وخامسًا القاعدة الكلّية، أو القاعدة المستمرّة على الجزئيّات مثل قول رسول الله  «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ»(1) . والمراد من كلمة أصل هنا هو المعنى الأوّل وهو الدليل، فأصول الفقه أي أدلّته كالكتاب والسنّة والإجماع والقياس وغيرها. ودلالة الدليل على الأحكام إمّا قطعيّة أو ظنّية. فماذا نعني بالدليل؟
الدليل لغة يراد به المرشد إلى المطلوب والدالّ إلى الطريق، وقد يسمّى حجّة وبرهانا وأمارةً، وفي اصطلاح الأصوليّين: «ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري»، ومعاني قيود التعريف هنا هي: ما، موصول راجع إلى الدليل، والتقدير الشيء الذي يمكن أن يوصلنا بصحيح النظر إلى المطلوب الخبري، وما يمكن التوصّل به بالقوة لا بالفعل، وباستعمال صحيح النظر والفكر، فيخرج الفاسد، ويشترط فيه أن يوصل إلى مطلوب الخبر، فالدليل يتعلق بالتصديق لا بماهية الشيء الذي تصوره. والمطلوب الخبري هو الحكم الشرعي الذي نبتغي.
وأدلّة الفقه نوعان، أدلّة كلّية لا تتعلّق بشيء معيّن كمطلق الأمر والنهي، فإنّه ينتج حكمًا كلّيًا هو الوجوب والتحريم ما لم تصرفه قرينة عن ذلك. وأدلّة جزئيّة تسمّى تفصيليّة، تدلّ على الحكم في مسألة بذاتها، كالأمر بالصلاة يدلّ على وجوبها. إذا فالأصولي يبحث في الأدلّة الكبرى، أمّا الأدلّة التفصيليّة فهي موضوع بحث الفقيه.
الدليل عام في كل خبر كان قطعيًا أو ظنّيًا بالنسبة للجمهور، باستثناء الجويني والغزالي وأمثالهما الذين سمّوا الدليل أمارة. والدليل بإطلاق ينقسم إلى دليل عقلي، كالصنعة تدلّ على الصانع. ودليل نقلي، وهو كل ما دلّ عليه النقل أو الشرع. ودليل حسّي، ويراد به كل ما تعتمد عليه الحواس. ودليل وضعي، وهو ما تواضع عليه البشر، كوضع لفظ بإزاء معنى. والدليل النقلي أو الشرعي قسم من الدليل بإطلاق، وينقسم إلى قطعي وظنّي: دليل قطعي، فيكون إمّا قطعي الثبوت ظنّي الدلالة، أو قطعي الدلالة وضنّي الثبوت، أو قطعي الثبوت والدلالة. ودليل ظنّي، ويكون ضنّي الثبوت والدلالة. وهناك تقسيمات أخرى، منها دليل كلّي إجمالي، ودليل جزئي تفصيلي كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] . وهناك دليل متّفق عليه وهو أربعة أدلّة هي: القرآن والسنّة والإجماع والقياس؛ ودليل غير متّفق عليه ويصل عند بعضهم اثني عشر دليلا فأكثر، منها الاستحسان والمصالح المرسلة والعرف والاستصحاب وشرع من قبلنا ومذهب الصحابي وسدّ الذرائع ومراعاة الخلاف وعمل أهل المدينة وغيرها. وسنبسط فيما يلي الحديث عن دليلي الإجماع والقياس.
فصل عن دليل الإجماع
الإجماع يطلق ويراد به في اللغة معنيين، أوّلهما العزم أي الإرادة القوية ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]، وقد يأتي بمعنى الاتّفاق، والاتّفاق لا يتمّ إلّا بالإرادة. والفرق بين المفهومين أن الإرادة في المفهوم الأوّل تكون لشخص واحد، أمّا في المفهوم الثاني فتكون بين مجموعة. واصطلاحًا عند جمهور الأصوليّين الإجماع هو: «اتّفاق المجتهدين من أمّة محمد بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي عملي».
اتّفاق: الاتّفاق لغة هو الاشتراك في القول أو العمل أو الاعتقاد أو التقرير، وهو نفسه في الاصطلاح عند الأصوليّين، وله خمسة ضوابط هي نفسها شروط الإجماع، أوّلها لا يكون الإجماع إجماعًا إلّا إذا اتّفق المجتهدون كلّهم، فلو تخلّف أحدهم لا ينعقد الإجماع وتبقى المسألة مختلف فيها عند الجمهور، ودليلهم على ذلك أنّ العصمة ثابتة للأمّة جميعها. أمّا من يرى بصحّة الإجماع عند الأغلبية فدليلهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: 120]. وثاني الضوابط أنّه لا يكفي صدور الإجماع من مجتهد واحد إذا انفرد وجوده في زمن ما لعدم وجود الاشتراك، فتنعدم الحجّية. لذا فنحن غير ملزمين به. ولانعدام وجود المخالف يبقى قوله حجّة بالنسبة للعامّة. وذهب العلماء إلى أنّ الاتّفاق ركن من الإجماع. أمّا ثالث الضوابط أن يصدر رأي واحد عن المجتهدين، ففي حالة صدور رأيين في عصر واحد فهو ليس بالإجماع، ولا يحقّ لمجتهدين آخرين القول برأي ثالث لأنه يعتبر إجماعا ضمنيّا، مثال ذلك مسألة توريث الجدّ (يرث مع الإخوة) (يحجب الإخوة) (لا يرث) فهذا الرأي الثالث لا يصحّ لأنه بالإجماع الجدّ يرث والخلاف في الكمّية لا غير. ورابع الضوابط أن يظهر الاتّفاق بإبداء الرأي قولا أو عملا، فإن تمّ بالقول فهو صريح وإمّا يكون سكوتيًا. وخامس الضوابط أن يحصل الإجماع بين مجتهدين فأكثر وفي لحظة واحدة، أي العصر الواحد، وهو قول الجمهور، أمّا بعض العلماء فيرون بأن الحكم يصبح ملزمًا بانقراض المجتهدين.
عن المجتهدين: لغة الاجتهاد هو استفراغ تمام الجهد، فلا يكون المجتهد مجتهدًا حتى يستفرغ تمام جهده الفكري لاستخراج حكم شرعي يلزم المكلّفين. فالمراد بالمجتهدين كل من بلغ درجة الاجتهاد، وهي الملكة التي يستطيع بها الشخص استنباط الأحكام من أدلّتها، فيخرج بهذا القيد المقلّد والعوام. ويشترط الغزالي كذلك أن يكون المجتهد عالمًا بأصول الفقه.
من أمّة محمد: ويخرج منه اتّفاق الأمم السابقة، كما يخرج منه اتّفاق الكفار مجوسًا كانواأو نصارى أو يهودًا أو ملحدين، وأصحاب البدع المضلّلة الذين يدعون إلى بدعتهم، والفساق لفقدانهم شرط العدالة. وعند الجمهور الخلاف المعنوي مع الفاسق ينعقد به الإجماع.
بعد وفاته: يخرج به الاتّفاق في زمانه، لأن مصدر التشريع في عهده هو الوحي قرآنًا وسنّة، لأن كلامه وحي لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]. واتّفاق الصحابة في حياته ثبت حكمه بموافقة رسول الله ، لا بالإجماع، فإن خالفهم فلا اعتبار لاتّفاقهم.
في عصر من العصور: أي في وقت النازلة، ويشترط بعضهم انقراض العصر، ولولا هذا القيد لتعذّر الإجماع، لأنه سيتطلب اتّفاق المجتهدين في جميع العصور وهذا لا يتحقّق إلّا مع قيام الساعة.
على حكم شرعي: يشترط أن يتعلّق بحكم شرعي بقسميه التكليفي والوضعي.
والإجماع أنواع، منها: الإجماع الصريح، وهو اتّفاق آراء المجتهدين بأقوالهم وأفعالهم على حكم في مسألة معيّنة. والإجماع السكوتي، وهو أن يقول بعض المجتهدين في العصر الواحد قولا في مسألة ويسكت الباقون بعد اطّلاعهم على هذا القول بدون إنكار. وفي هذا الإجماع السكوتي رأيان، فهو عند المالكية والشافعية لا يكون إجماعًا ولا حجّة، واستدلوا على أن سكوت باقي المجتهدين لا يعدّ قرينة على موافقتهم على ما سمعوا لاحتمال أنّهم لم يجتهدوا إطلاقًا في المسألة، أو اجتهدوا ووصلوا إلى حكم ولم يتمكّنوا من التصريح به خوفًا من عواقب التصريح به. أو إنّهم اجتهدوا ولم يجدوا حكمًا وهذا مستبعد. وهناك الإجماع الضمني، حيث في عصر من العصور يجتهد المجتهدون ويصدرون رأيين فلا يصحّ بعدهم رأي ثالث. أمّا إجماع أهل المدينة فلا يصدق عليه اسم الإجماع عند الأصوليّين لأن هذا النوع من الإجماع على نقل خبر أو فعل أو تقرير هو أمر اختصّ به أهل المدينة بسبب معايشتهم لرسول الله  وبقائهم على ذلك العمل بعده بصورة جماعية. وقد بيّن الباجي أن اعتماد مالك على عمل أهل المدينة إنما يكون حجة فيما طريقه النقل، كالأذان والصاع وترك إخراج الزكاة من الخضروات ونحو ذلك(2).
فصل عن دليل القياس
القياس لغة يطلق ويراد به مفهومان، أوّلهما التقدير أي معرفة الشيء بما يماثله، فيقال قست الثوب بالذراع أو بالمتر أي عرفت قدره. وثانيهما التسوية، وهي إمّا تسوية بين شيئين تسوية حسّية، مثل قست هذا اللّوح بهذا اللّوح أي حاذيته به وسويته. أو تسوية معنويّة، فيقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يماثله. واصطلاحًا تعدّدت تعريفاته باختلاف وجهات نظر المعرّفين: هل هو دليل مستقلّ أم لا؟ فالذين يعتبرونه دليلا مستقلًا أي دليل شرعي نصبه الشارع للكشف عن أحكام الوقائع التي تصرّح النصوص بأحكامها نظر فيها المجتهد أم لا، وعرّفوه بأنّه مساواة المسكوت عنه للمنصوص عليه في العلّة. فالصفة ثابتة للأصل والفرع، والمجتهد يكتشف هذه الصفة لا غير. وأكثر الأصوليّين لا يعتبرونه دليلا مستقلًا، بل هو فعل المجتهد إمّا بعمل الردّ أو الإلحاق أو التعدية، وكونه فعل المجتهد فيُقبل أو يردّ، ولهذا عرّفوه بأنّه مساواة المسكوت للمنصوص في الحكم لتساويهما في العلّة. فهناك إذن خلاف معنوي أثّر في تحديد القياس. 
والجمهور يعرّفون القياس على أنّه عمل من قبل المجتهد بقولهم: «هو إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علّة الحكم عند المثبت». فالإثبات جنس في التعريف، ويعني إدراك النسبيّة الموجودة بين الشيئين الفرع والأصل. وقولهم «مثل» أي ليس عين الشيء، فيخرج النقيض والعكس، مثلا الخمر محرّم بنص قطعي هو القرآن، والنبيذ محرّم بدليل ضنّي هو القياس. والحكم هو خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص أو الإجماع في الأصل ويراد تعدية ونقل ذلك الحكم الأصل للفرع. والأصل محلّ الحكم الذي ثبت بالنص أو الإجماع. والفرع هو المحلّ الذي لم يرد فيه نص ولا إجماع ونبحث له عن حكم. وقولهم لاشتراكهما الذي تتصدّره لام السببيّة، أي لسبب اتّحادهما في علّة الحكم. والعلّة هي الوصف الذي بني عليه حكم الأصل، وهي الجامع بين الفرع والأصل، ويقال لها المناط. وأخيرًا المثبت أي المجتهد.
من خلال هذا التعريف يمكن استخراج أركان القياس الأربعة: الأصل، والفرع، والعلّة، وحكم الأصل. أمّا حكم الفرع فهو ثمرة القياس فلا يدخل في الأركان. أمّا شروط الأصل فشرط واحد هو ألّا يكون فرعًا لأصل آخر. وشروط حكم الأصل أن يكون حكمًا شرعيًّا عمليًّا، فيخرج منه الحكم العقلي والحكم اللّغوي. وأن يكون ثابتًا مستمرًّا، فتخرج منه الأحكام المنسوخة. وأن يكون معقول المعنى، أي تدرك عقولنا علّته. وأن يكون دليل حكم الأصل متداولا بعمومه حكم الفرع. وألّا يكون مخصوصًا بحكمه، كالأحكام الخاصّة برسول الله  كعدد أزواجه وعدم زواجهن بعده. وألّا يكون حكمه معدولا به عن القياس. فالعدول هو الترك، كالذي لا تدرك علّته كمقادير الزكاة والمستثنيات كالنسيان في الصوم. 
أمّا شروط الفرع فهي اشتراط العلّة الموجودة في الفرع مثل علّة الأصل من غير تفاوت إمّا في ذاتها أو جنسها، مثل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار. ويشترط ألّا يكون في الفرع نصّ أو إجماع يدلّ على حكم مخالف للقياس، مثال ذلك عدم جواز ترك الصلاة في السفر على جواز ترك الصيام بجامع وجود السفر. ويشترط أن يكون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الأصل في عينه أو جنسه، مثال العين قياس المثقّل على المحدّد في القتل، ومثال الجنس الولاية على نكاح الصغيرة قياسًا على الولاية على مالها. ويشترط أيضًا عدم تقدّم حكم الفرع على حكم الأصل، مثل قياس الوضوء على التيمّم في اشتراط النية.
العلّة الجامعة بين الأصل والفرع التي من أجلها شرع الحكم في الأصل هي أهم ركن في القياس لأن مداره عليها، ولها مرادفات منها الحكمة، مناط الحكم، الوصف، المعرّف للحكم. وفي الاصطلاح الشرعي هي: «الوصف الظاهر المنضبط المناسب المعرّف للحكم». فالوصف هو المعنى القائم بالموصوف الظاهر المنضبط المجاوز المشتمل على معنى مناسب للحكم. والظاهر أي تدلّ عليه الحواس مثال ذلك الإيجاب والقبول في البيع بالتراضي. وبما أن المصلحة هي الحكمة، وهناك فرق بين الحكمة والعلّة، فينبغي أن تكون العلّة وصفًا، وزادوا في العلّة الانضباط، لأنّها غير منضبطة، حتى تلحق بالقياس، ويشترط في هذه العلّة أن تكون مجازًا. والمناسب أي يشتمل على حكمة مناسبة. وأرادوا بالمعرّف للحكم أن يكون هذا الوصف دالًا على وجود الحكم في محلّه. وشروط العلّة أن تكون وصفًا ظاهرًا كالإسكار للتحريم والطلاق لإيجاب العدّة. وأن تكون وصفًا منضبطًا، فلا يجب تعليل الزكاة بالغنى بل بالنصاب، ولا تعلّل إباحة الإفطار في رمضان بالمشقة لأنّها غير منضبطة. وأن تكون مناسبة للحكم كالإسكار فإنّه مناسب للتحريم. 
أمّا مسالك العلّة أو الطرق المعرّفة لها فخمسة، أوّلها النص أي الكتاب أو السنّة يدلّ على أن الوصف علّة دلالة صريحة قطعية كانت أو غير قطعية. مثل قطعيّة قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾[ المائدة: 32]. ومثال غير القطعية قوله سبحان﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات: 56]؛ وثانيها الإيماء أو الإشارة مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾[النور: 2]؛ وثالثها الإجماع، كنهي القاضي عن القضاء وهو غضبان فيقاس عليه الجوع؛ ورابعها السبر والتقسيم وهو حصر الأوصاف الصالحة للعلّة ابتداء، ثمّ إبطال ما لا يصلح منها؛ وخامسها المناسبة أي ملاءمة الوصف للحكم.
الاجتهاد في العلّة التي هي مناط الحكم على ثلاثة أنواع، ذلك أن العلّة إمّا أن تكون غير مذكورة مع الحكم فيقوم المجتهد باستنباطها؛ وعمله هذا تخريج المناط أو العلّة. وإمّا أن تكون مذكورة معه ولكنها مختلطة بأوصاف أخرى، فيقوم المجتهد بتخليص الوصف الذي هو علّة من غيره، ويسمّى عمله هذا بتنقيح المناط. وإمّا أن تكون معلومة منقّحة فيقوم بمعرفة محالها الأخرى التي توجد فيها، ويسمّى هذا بتحقيق المناط. وأمثلة تخريج المناط: تحريم الخمر لأنه مسكر، فقيست عليه كل المسكرات. وتنقيح المناط: قصة الأعرابي الذي واقع أهله في رمضان، فعلّة الكفارة هي الوقاع لا لكونه أعرابي. وتحقيق المناط: عدم نجاسة سؤر الهرّة يلحق بسؤر الفأرة لعلّة الطواف.
الهوامش
(1) أ «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (رواه البخاري 8ومسلم16) 
(2) أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1415هـ/1995م