نقاط على الحروف

بقلم
أحمد عوض
هل خُلقت الحياة للعباقرة فقط؟ من قصص النجاح الملهمة إلى سؤال قيمة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي
 تحتفي ثقافتنا المعاصرة بقصص النجاح الفردي، لكنها كثيرًا ما تغفل تفاوت الفرص والظروف التي تصنع مسارات البشر المختلفة. فليس كلّ من اجتهد بلغ القمّة، كما أنّ الإنجاز وحده لا يكفي مقياسًا للعدالة أو لقيمة الإنسان. ومع صعود الذّكاء الاصطناعي وتحوّل معايير العمل والإنتاج، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ما الذي يمنح الإنسان قيمته؟ فالحضارة لا يصنعها العباقرة وحدهم، وإنما تقوم أيضًا على جهود ملايين النّاس العاديين الذين لا يذكرهم التاريخ. ومن هنا يدعو المقال إلى إعادة النظر في معنى النّجاح، وربط قيمة الإنسان بكرامته الإنسانيّة قبل إنجازاته ومكانته وقدرته على المنافسة.
لا أكاد أتصفّح «لينكدإن»(1) أو غيرها من منصات التواصل المهني إلاّ وأجد قصة جديدة عن النجاح رغم الصّعاب. شخص نشأ في ظروف قاسية، أو بدأ من الصفر، أو واجه تحديات كبيرة، ثم تمكّن بالإصرار والعمل الجاد من الوصول إلى منصب مرموق أو إنجاز لافت.
ولا شكّ أن مثل هذه القصص تحمل قدرًا من الإلهام، وتؤكّد قدرة الإنسان على تجاوز العقبات. لكنني كلّما قرأت واحدة منها، وجدت نفسي أتوقّف أمام سؤال آخر لا يقل أهمية: «ماذا عن البقية؟» ماذا عن ملايين البشر الذين بذلوا جهدًا مماثلًا، وربما أكبر، ولم يصلوا إلى النتيجة نفسها؟ ماذا عن أولئك الذين ولدوا في بيئات أكثر قسوة، أو في مناطق تمزّقها الحروب، أو في أسر لم تتح لهم الحدّ الأدنى من الاستقرار والتعليم والفرص؟
غير أنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل قصص النجاح الفردية، بقصد أو دون قصد، إلى حجة ضدّ الآخرين. فطالما أن شخصًا واحدًا استطاع أن ينجح رغم الظروف، يصبح السّؤال الضمني: لماذا لم تنجحوا أنتم أيضًا؟ 
لكن الاستثناء لا يلغي القاعدة. فنجاح فرد خرج من الفقر لا يعني أنّ الفقر ليس مشكلة. ونجاح طالب تفوّق رغم ضعف النظام التعليمي لا يعني أنّ النظام التعليمي جيّد. كما أن صعود شخص واحد إلى القمّة لا يثبت أن الفرص كانت متاحة للجميع بالقدر نفسه. إنّ قصص النجاح تثبت الإمكانية، لكنها لا تثبت العدالة. ومن هنا يصبح السؤال أوسع من مجرّد النجاح الفردي؛ إنّه سؤال عن الطريقة التي نقيس بها قيمة الإنسان أصلًا.
غير أنّ الواقع الاجتماعي أكثر تعقيدًا من السرديات الفردية الملهمة. فالباحثون في علم الاجتماع يميّزون بين تكافؤ الفرص وتكافؤ النتائج. وليس المقصود أن يحصل الجميع على النتائج نفسها، فهذا أمر غير واقعي، وإنّما أن تتاح للجميع نقطة انطلاق عادلة وفرصة حقيقية لإظهار قدراتهم.
وهنا يمكن أن نفرّق بين السردية الفردية للنّجاح والواقع الاجتماعي. فالمجتمعات تختلف بدرجة كبيرة في مستوى الحراك الاجتماعي الذي تسمح به. فهناك مجتمعات يستطيع فيها أبناء الأسر الفقيرة الصعود إلى مواقع أفضل بفضل التعليم والعمل، بينما توجد مجتمعات أخرى تصبح فيها ظروف الميلاد عاملًا حاسمًا في تحديد مصير الأفراد. وفي هذه الحالات لا يكون النجاح أو الفشل انعكاسًا للجهد الفردي وحده، بل نتيجة تفاعل معقّد بين القدرات الشخصية والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وربّما لهذا السبب يحذّر بعض الباحثين مما يُعرف بــ «انحياز الناجين». فنحن نميل إلى بناء أحكامنا على قصص الذين نجحوا وظهروا للعلن، بينما تغيب عن أنظارنا قصص الأعداد الكبيرة ممّن بذلوا الجهد نفسه، أو أكثر، ولم يصلوا إلى النتيجة ذاتها. وهكذا يتشكّل لدينا انطباع مضلّل بأنّ النجاح مُتاح لكلّ من يجتهد، بينما لا نرى في الواقع إلاّ أولئك الذين سمحت لهم الظروف والفرص بالظهور.
كما أنّنا نلحظ بشدّة كيف تسهم وسائل الإعلام عمومًا، وخوارزميّات المنصّات الرقمية على وجه الخصوص، في تعزيز هذا الانحياز؛ فهي تدفع إلى الواجهة القصص الأكثر إثارة و نجومية، بينما تبقى ملايين القصص العادية أو المؤلمة خارج مجال الرؤية، فينشأ لدينا تصوّر مشوّه عن الواقع.
ولعل أحد أخطر ما أنتجته الثقافة المعاصرة هو الميل إلى تفسير كلّ نجاح بوصفه انتصارًا للجدارة الفردية، وكلّ فشل بوصفه تقصيرًا شخصيًّا. ومع مرور الوقت يترسّخ لدى البعض الاعتقاد بأن الامتياز استحقاق شخصي، بينما تتحوّل معاناة الآخرين إلى اتهام ضمني بأنهم لم يبذلوا ما يكفي من الجهد. وهنا يغيب سؤال العدالة الاجتماعية لصالح الاحتفاء غير المشروط بقصص الإنجاز الفردي.
وبعد أن أصبحت ثقافة الاحتفاء بقصص الإنجاز حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يصبح الإنسان أقلّ قيمة إذا لم يكن من أصحاب الإنجازات الاستثنائية؟ وماذا عن أولئك الذين يعيشون حياة عادية، ويؤدّون أعمالهم بإخلاص، ويربّون أبناءهم، ويحافظون على استقرار أسرهم؟ هل تقلّ قيمة حياتهم لأنهم لا يحقّقون إنجازات استثنائية، أم أنّ قيمتهم الإنسانية أعمق من كل مقاييس النجاح والإنجاز؟
فإذا كانت الثورة الصناعية قد هدّدت العمالة اليدوية، فإنّ الثورة الرقمية الحالية بدأت تنافس حتى أصحاب المهارات الإبداعية والاستثنائية. وتشير كثير من التوقّعات إلى أن عددًا متزايدًا من الوظائف، بما في ذلك كثير من المهن الإبداعية التي كانت تُعدّ آمنة نسبيًّا، قد يتغيّر جذريًّا خلال العقود المقبلة. وعندها لن يقتصر السؤال على مستقبل الوظائف و قيمة الجهد الإنساني، بل سيمتد إلى المعيار الذي سنقيس به قيمة الإنسان نفسه.
فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أداء جانب متزايد من الأعمال بكفاءة عالية، فهل ستغدو قيمة الإنسان مرهونة بقدرته على التفوّق والمنافسة؟ وماذا عن أولئك الذين لن يكونوا الأكثر ذكاءً أو موهبة أو إنتاجية؟ هل يصبح الإنسان العادي أقل قيمة لأنه لم يعد يمتلك ميزة تنافسية كافية؟ وماذا عن كثير من المبدعين أنفسهم إذا فقدوا تفوّقهم النسبي؟ وهل يُقاس حقّ الإنسان في حياة كريمة بقدر ما يقدّمه من مساهمة استثنائية في الاقتصاد أو في السوق؟ هنا تتجاوز القضية حدود الاقتصاد والتكنولوجيا، لتطرح السؤال الأخلاقي الجوهري: من أين يستمد الإنسان قيمته؟ بل وقبل ذلك كله: ما الذي نعنيه أصلًا بالنجاح؟
لقد احتفت البشرية طويلًا بالعباقرة والقادة والمخترعين، وحقّ لها أن تفعل ذلك؛ فلولا أصحاب الأفكار والإنجازات الاستثنائية لما تحقّق كثير من التقدّم الذي تنعم به الإنسانية اليوم. غير أنّ التاريخ يعلّمنا أيضًا أن الاستثنائية في ذاتها ليست ضمانًا لأن تكون في خدمة الإنسان. فكما قدّم بعض العباقرة أعظم الاكتشافات والاختراعات، قاد بعضهم الآخر العالم إلى حروب مدمّرة وكوارث إنسانية هائلة.
ولا يقتصر الأمر على السياسة أو العلم. ففي عالم الأعمال كثيرًا ما يُحتفى بقادة الشركات والمديرين التنفيذيين الذين حقّقوا أرقامًا قياسية في الأرباح والنّمو والقيمة السوقية. غير أنّ مؤشّرات النجاح لا تروي دائمًا القصة كاملة؛ فقد تحقّقت بعض الإنجازات أيضًا عبر تسريحات جماعية للعاملين، أو ضغوط مهنية هائلة، أو ثقافات عمل أنهكت الموظفين، أو قرارات دفعت آلاف الأسر ثمنها، بينما جرى الاحتفاء بالقائد بوصفه نموذجًا للعبقرية الإدارية.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الإنجاز أو القيادة أو الابتكار، وإنما التذكير بأن النجاح ليس قيمة أخلاقية في حد ذاته. فكما أن العبقرية العلمية قد تنتج دواءً ينقذ الملايين أو سلاحًا يقتلهم، فإن الكفاءة الإدارية قد تبني مؤسسة أكثر ازدهارًا، وتحقّق نتائج مبهرة، لكنها قد تفعل ذلك على حساب الإنسان نفسه. ولذلك لا يكفي أن نسأل: من هو الأكثر نجاحًا؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف تحقّق هذا النجاح؟ ومن دفع ثمنه؟ ولصالح من كان؟
ولعلّ هذه الأسئلة تُعيد إلى الأذهان بعض التصوّرات الفكرية التي ظهرت في التاريخ الحديث، وربطت قيمة الإنسان بقوّته أو إنتاجيته أو تفوّقه. فحين يصبح الإنسان مجرّد رقم في معادلة الكفاءة، أو مجرّد مورد اقتصادي يُقاس بعطائه، يصبح من السّهل النظر إلى الضعفاء والعاجزين والفقراء باعتبارهم عبْ ءًا لا قيمة له.
ورغم أنّ المجتمعات المعاصرة ترفض مثل هذه التصوّرات صراحة، فإنّ بعض صورها قد تظهر بأشكال أكثر نعومة حين تتحوّل المنافسة والإنجاز إلى المعيار الوحيد للحكم على البشر. وربما لهذا السبب يصبح السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا. فبدلًا من أن نسأل: من يصنع الحضارة، العباقرة أم الناس العاديون؟ علينا أن نسأل: هل كان يمكن لأحدهما أن يصنع حضارة دون الآخر؟
فالعالم الذي يكتشف علاجًا جديدًا لا يعمل وحده، بل يعتمد على آلاف الباحثين والممرضين والفنيين والعمال والمعلمين والموظفين الذين جعلوا هذا الإنجاز ممكنًا. والحضارة التي نعيش فيها لم يبنها المشاهير وحدهم، بل بناها أيضًا ملايين البشر الذين لم يذكرهم التاريخ.
نحن نتذكّر أسماء العظماء لأنّ التاريخ يسلّط الضّوء على القمم، لكنه نادرًا ما يروي قصة الجبال التي حملت تلك القمم فوق أكتافها. ومن أكبر أوهام عصرنا الاعتقاد بأنّ الحضارة صنعها العباقرة وحدهم. فالحقيقة أنّ العبقري نفسه هو نتاج مجتمع كامل من البشر العاديين الذين علّموه، وربّوه، وعالجوه، وأطعموا أسرته، وحافظوا على المؤسسات التي أتاحت له فرصة الإبداع. لذلك فإنّ التحدّي الحقيقي الذي يفرضه المستقبل ليس اقتصاديًّا أو تقنيًّا فقط، بل أخلاقيٌّ أيضًا.
فإذا أصبح العالم قادرًا على إنتاج مزيد من الثروة بعدد أقل من العاملين، وإذا بات الذكاء الاصطناعي ينافس حتى الموهوبين والعباقرة، فبأيّ معيار سنقيس قيمة الإنسان؟ هل سنقيسه بقدرته على التفوّق على الآخرين؟ أم سنعيد اكتشاف حقيقة أقدم وأعمق: أن الإنسان لا يستمد قيمته من شهاداته، أو مناصبه، أو شهرته، أو حتى عبقريته أو موهبته الاستثنائية، بل من كونه إنسانًا أولًا.
فإذا فقدنا هذه الحقيقة، فلن تكون المشكلة في الذكاء الاصطناعي، بل فينا نحن؛ في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الآخرين.
الهوامش
(1) لينكدإن «linkedin.com» منصة رقمية للتواصل المهني، تتيح للمستخدمين عرض خبراتهم ومهاراتهم وبناء شبكة من العلاقات المهنية. كما تُستخدم للبحث عن فرص العمل، ومتابعة الشركات، ونشر المحتوى المتعلق بالمسار المهني وسوق الشغل.