في دائرة الضوء

بقلم
د.عبدالله التركماني
قراءة في كتابات المفكر السّوري إلياس مرقص حول التيّارين القوميّ والماركسيّ (1/2) سؤال العقل والمعرف
 تتناول هذه الدراسة، المقسّمة إلى حلقتين، جانبًا من تجربة المفكّر السوري إلياس مرقص (1)، بوصفها مراجعة نقديّة عميقة للتيارين القوميّ والماركسيّ في الفكر العربي المعاصر. فقد انشغل مرقص بإعادة بناء السؤال الفكري العربي على أسس المعرفة والمنطق والحرية والتاريخ، بعيدًا عن أسر الشعارات الجاهزة والتفسيرات المغلقة. وتتوقف الحلقة الأولى عند مدخله النظري العام، ثمّ عند تصوّره للمسألة القومية، باعتبارها قضية تاريخية وإنسانية تتصل بالأمّة، والوحدة، وفلسطين، وسؤال التقدّم. وتبيّن الحلقة كيف سعى مرقص إلى تحرير الفكرة القومية من الانفعال الأيديولوجي، وربطها بالمجتمع والإنسان وأفق المستقبل. أما الحلقة الثانية فتتناول نقده للشيوعية العربية ومحاولته تعريب الماركسية، ونقده للفكر القومي وبناء أفق الديمقراطية والمجتمع المدني.
تتميز كتابات الياس مرقص بإعادة الاهتمام بمسألة الأسس الفكرية والتاريخية الكبرى لقضايا المسألة العربية، وليس الركض وراء أحداثها الجزئية. فقد كان يؤمن بالمراجعة الشاملة والكاملة للتيارين الماركسي والقومي، أملاً بأن يؤدي ذلك إلى مصالحة الإنسان العربي مع ذاته، ويجعله يطمح للتقدم الفعلي. لقد تميزت كتاباته بالعمق والحيوية والراهنية والاستشرافية، وقد أفصحت عن نفسها من خلال الموضوعات التي تصدى لها والأفكار التي صاغها. 
لقد تميز إنتاجه الفكري بدرجة عالية من العمق النظري، كما أنّ جهده النقدي في إعادة صياغة أوليات الفلسفة العربية في ضوء مقتضيات التقدم العربي، جعله يساهم في بلورة منظور فكري اتسم بكثير من الاتساق، وعكس وجهاً من أوجه جدلية التاريخ والفكر في سياق تطور الفكر العربي المعاصر. وبصورة عامة يمكن القول أنه، في كل ما كتبه، كان يجمع بين النقد السياسي والنقد الفكري. وكان النقد السياسي بالمعنى الضيق للكلمـــة، أي «السياسوي»، والنقد الأيديولوجي يتقلصان ويضمران عنده عاماً بعد عام، في حين كان الفكري يتعمق ويتجذر.
 فقد كتب الياس مرقص الكثير في مجال اختصاصه، وقصد بالفلسفة شيئين أساسيين: أولهما، نظرية المعرفة، بما تنطوي عليه من رفض للأيديولوجيا، خاصة حين يعتقد البعض أنها تعادل الفكر. فالأيديولوجيا الماركسية ليست، بوصفها كذلك، حاملة الحق، ولا الأيديولوجيا البورجوازية حاملة بالضرورة الباطل. وعليه، فقد قال « ليس ما ينقصنا هو الأيديولوجيا بل المنطق والمعرفة والثقافة والأخلاق، و ... أيديولوجية تحترم وتثمّن بالأساس المنطق والمعرفة والثقافة والأخلاق. فالاقتصادوية تتصور أنّ الإنسان جملة العلاقات الاجتماعية، هذا معناه علاقات الإنتاج، أي الطبقات، وهذا باطل. فكرة الاجتماع أكثر أساسية وأكثر شمولاً من فكرة الطبقات. الطبقات كفعلية وراهنية وسياسية تسقط بسقوط فكرة الاجتماع. نظرياً، صراع الطبقات يمكن أن يقود إلى مجتمع أرقى، ويمكن أن يقود إلى سقوط المجتمع وحسب. لا توجد حتمية، توجد ضرورة يجب أن توعى، توجد ضرورة احتمالية»(2). 
وثانيهما، هو تصور للإنسان وتاريخه ومصائره، وهذا مفقود في الفكر العربي المعاصر، في معظم الحالات. فلئن كانت ماركسية ستالين وآخرين قد أعطت صورة مغلوطة عن وحدة تاريخ الإنسان، فإنّ قسماً كبيراً من الفكر العربي تبنّى، فعلياً وعملياً، موقف نفي لهذه الوحدة. إذ هناك شرق وغرب، فكرة النوع الإنساني ملغاة، أي ليس لها قيمة نظرية وتاريخية «من المحال والعبث والحماقة أن نخرج خارج تاريخ البشرية، خارج مصائر الإنسان اليوم، هذا التاريخ الكوني لا يخرج: إما أن نصير ذاتاً وفاعلاً وصانعاً له وفيه، وإما أن نكون وأن نعود كما كنا قبل قرن مادة وموضوعاً وسماداً لتاريخ ننخلع عنه وينخلع عنا »(3). 
وفي السياق نفسه تابع مرقص « إنّ هناك ثورتين كبيرتين في هذا التاريخ: ظهور الإنسان، ومن ثم المجتمع المؤنسن، وهناك ثورة وسيطة بينهما هي المجتمع المدني (Société Civile). هذا المجتمع المدني يبلغ تمامه في المجتمع البرجوازي الحديث، في أوروبا. أصوله، بذوره، جوانبه قديمة وعالمية. تاريخه طويل جداً ومتنوع. تاريخ الإنسان بعد ظهور النوع هو، جوهرياً، تاريخ بروز وعدم بروز المجتمع المدني. والثورة المطلوبة، عالمياً، لا يمكن إلا أن ترتكز على أساس المُحرَز الإيجابي الكبير للمجتمع المدني. وهذا المحرز الإيجابي ليس البتة محصوراً في الجانب التقني والمادي الخ، ولا الجانب التقني والمادي هو بالضرورة ودوماً نور. «أوروبا» لحظة كبيرة وحيوية وحاسمة في منطق البسط أو النمو التاريخي للإنسان ككل، للعرب، للجميع. التعامل مع هذا «الشيء» الكبير بإدارة الظهر، باللعن، أو بالركوع، أو التعامل معه بالانبهار والحرب، بالسجال العنيف الذي يخفي أو لا يخفي الانبهار، موقف ألحق ويلحق ضرراً كبيراً بالوعي العربي: إنه الضياع»(4).
كان لابدَّ من هذه المقدمة لتحديد الإطار العام لحياة ومؤلفات الياس مرقص وفكره، ولكننا سنتناول بعض كتاباته حول: المسألة القومية، نقد الشيوعية العربية و«تعريب» الماركسية، ونقد الفكر القومي، والديمقراطية والمجتمع المدني.
1.  المسألة القومية
 لقد شغلت المسألة القومية، بوصفها واحدة من أهم مسائل الواقع العربي ببعديه التاريخي والعالمي، موقعاً هاماً في فكر الياس مرقص وعمله، فقد كانت من أهم المعايير التي انتقد في ضوئها الماركسية الدوغمائية والفكر القومي. فقد تتبع في مؤلفاته مواقف الماركسيين عموماً، والماركسيين العرب خصوصاً، من مسألة الاستعمار والإمبريالية، وبالتالي من مسألة الاستقلال السياسي والتحرر من التبعية، ومواقفهم من قضية الاندماج القومي والوحدة العربية، ومن الصراع العربي - الصهيوني. وفي سياق عملية التتبع والنقد والتأسيس جمع مرقص، على نحو خلاق، بين الماركسية والقومية بالمعنى الحديث للكلمة، فقد كان ماركسياً بقدر ما كان قومياً، وكانت «ماركسيته» قومية بقدر ما كانت «قوميته» ماركسية. 
ويمكن القول إنه تناول المسألة القومية بطريقتين: الأولى مباشرة، تجلّت في المؤلفات التي خصصها لهذا الموضوع مثل «نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري» ، و«الماركسية والمسألة القومية»، و«في الأمة والمسألة القومية والوحدة العربية»  مع مكسيم رودنسون وإميل توما، و«عفوية النظرية في العمل الفدائي»، و«المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن»، وسلسلة من المقالات والدراسات. والثانية غير مباشرة، تجلت في عدد كبير من الآراء والأفكار والملاحظات في ثنايا مؤلفاته الأخرى. ذلك لأنّ قضيته المركزية كانت قضية الفكر والواقع والشعب، قضية العرب في العالم وفي إطار قضية الإنسان وتاريخه ومصائره. لقد اكتسبت المسألة القومية عنده طابعاً جديداً، واغتنت بمضمون حديث. 
لقد كانت قضية الوحدة العربية هي قضية القضايا في فكره، إذ كان يعتقد أنّ لا طريق للتقدم والتحرر العربيين دون تحقيقها، وبأنّ تحقيقها لن يتم إلا من خلال سيرورة تاريخية كاملة، سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وأنّ المدخل إلى ذلك هو تحديث الحياة العربية. ففي مواجهة العدمية القومية أكد مرقص « أنّ الأمة العربية تكونت خلال تاريخ طويل وإنّ القسم الأكبر، والأكثر حسماً في هذا التكون التاريخي الطويل هو التكون التاريخي لحقبة ما بعد الإسلام. فالأمة العربية ليست امتداداً في الزمان لأمة سامية عامة غير موجودة، وليست تمدداً في المكان لمعين قرشي أصلي. إنّ أبناءها.. ينتسبون إلى عدنان وغسان في اللغة، والباقي (الإنتاج والثقافة) لا ينبع من اللغة. الموقف المعاكس هو نفي لوجود تقدم حقيقي، للنمو بما يتضمنه هذا المفهوم الفلسفي من تغير في طبيعة الشيء. وإنّ الوجود العربي قد ارتكز على تشابه قديم في أسلوب الإنتاج والملامح النفسيةـ الثقافية واللغات، وتحقق على أساس لغة محددة قديمة وثابتة هي اللغة العربية، لغة قريش. هذه اللغة تاريخها اللاحق الوحيد هو تاريخها الخارجي، أي تاريخ انتشارها وصيرورتها لغة عشرات الملايين من البشر، لغة لاقتصادهم وثقافتهم وعلاقاتهم وحياتهم، أي تاريخ صيرورتها لغة قومية. أما تاريخها الداخلي، أي تاريخ تكوّنها لغة، تاريخ نشوء مفرداتها الأساسية وقواعدها فهو يرجع إلى ما قبل التاريخ المعلوم»(5). 
وفي نقده للنظرية «الاقتصادوية» في تكوّن الأمة، واهتمامه بـ «الدولة» بوصفها العنصر السياسي وبـ «الدين» بوصفه العنصر الأيديولوجي، كتب « إنّ تاريخ نشوء وتكوّن الأمة العربية يبقى شيئاً عصياً على الفهم إذا لم نضع العنصر السياسي والعنصر الأيديولوجي في مكان الصدارة. لولا الإسلام والقرآن، حافِظُ اللغة، ولولا الدولة العربية - الإسلامية الأولى، وبقاء الطابع العربي للحكم قروناً طويلة بعد انقسام هذه الدولة الواحدة، لما كان لدينا اليوم أمة عربية ممتدة من الخليج إلى المحيط. تلك عناصر لا تنحلُّ في مقولة الاقتصاد، فمن العبث، ومن غير المجدي على صعيد تلمُّس تاريخ الأمم ومصيرها، أن نعتبر الاقتصاد سبباً، محض سبب، والدولة والأيديولوجيا نتيجة، محض نتيجة. ومن العبث أن نقول أنّ الأمة تخلق الدولة القومية، وأنّ الدولة القومية لا تنشئ الأمة. إنّ التاريخ يخطّئ هذه النظرة الأحادية الجانب، يخطّؤها بدرجات متفاوتة، لكنه يخطّؤها دائما»(6).
وإذ يخلط الفكر القومي التقليدي بين الهوية والأصل، أكّد مرقص أنّ الأصل والهوية شيئان مختلفان وليسا شيئاً واحداً، وأنّ « الشدّ إلى الأصل ليس إلغاء للوجود، بل هو إلغاء للأمّة»(7). ولعلَّ مفهوم الأصل يحيل على العرق والشعب العريق، وعلى اللغة، مجرد اللغة، أو الدين ... أي على الجوهر الثابت المتعالي على التاريخ، وعلى الوجود الماهوي، والرسالة الخالدة ... إنّ مفهوم الأصل الذي يحيل على الجوهر الثابت، أو الوجود الماهوي، يوجّه عمليّة وعي الذات نحو الماضي ونحو التراث والثقافة التقليدية والدّين. وينتج أوهاماً شتى حول العلاقة بين العروبة والإسلام، ويحلُّ مفهوم الجماعة، أو مفهوم الملّة الدّينيين محلّ مفهوم الأمة العلماني. إنّ قوميّة العرب لا تتقوّم بانتسابهم إلى عدنان أو غسان أو إبراهيم.. ولا في كونهم مسيحيين أو مسلمين، ولا حتّى بالتكلّم بلغة واحدة، بل في حريتهم واستقلالهم، وإنتاجهم شروط حياتهم ووجودهم، وتطلعهم إلى مستقبل ممكن وواجب. لذلك كان من الضروري تمييز أو فرز مفهوم القومية عن مفهوم الأمة. فالقومية التي تحيل على مفهوم القوم، بكل حمولاته الرمزية والأيديولوجية واللغوية والأثنية القارّة في اللاشعور الجمعي والمخيال الاجتماعي، هي شعور بالانتماء إلى الأمة، يمكن أن يرقى إلى مستوى الوعي مع تقدم الأمة وتفتّح إمكاناتها، ووعي الأفراد بحقيقة العلاقات القائمة فيما بينهم، بوصفها الشيء العام المشترك بينهم والذي هو جوهرهم وماهيتهم. هذا الشعور بالانتماء القومي هو محصلة سيرورة تاريخية هي سيرورة تكوّن الأمّة أو تشكّلها، تسنده ولا شكّ وحدة اللّغة والثقافة والتجربة التاريخيّة. 
أمّا الأمّة، فهي مقولة اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة وتاريخيّة، تدل على جملة من الروابط والعلاقات الواقعية المتغيرة بين الأفراد والجماعات والفئات والطبقات والمذاهب والتيارات والأحزاب، التي هي أجزاء الأمّة وتجسيدها العياني. وهي مقولة مرتبطة أوثق ارتباط وأشدّه بمقولة العمل، والإنتاج الاجتماعي - الإنساني، إنتاج الوجود البشري، والخيرات المادية والثروات الروحية. القوميّة، بما هي شعور أو وعي، تنتمي إلى دائرة الذاتي، في حين تنتمي الأمّة (المجتمع المدني والدّولة) إلى دائرة الموضوعي، وجدل الذّات والموضوع هو الذي يضبط العلاقة بينهما منطقيّاً وتاريخيّاً.
وخلافاً للرؤية التوتاليتارية/الشمولية التي تذوّب الفرد في الجماعة فتلغي فرادته وحريته واستقلاله، أي تلغي شخصيته وذاتيته تحت عناوين مختلفة: دينية ووطنية وشعبية وطبقية وثورية ... الخ، أكد مرقص أنّ المجتمع هو أولاً وقبل أي شيء آخر مجتمع الأفراد، والأمة أمة الأفراد، وإلا فلا معنى، ولا معقولية. وكما يكون الأفراد يكون المجتمع وتكون الأمة. فالمجتمع الذي يلغي حرية الأفراد واستقلالهم وذاتيتهم إنما يلغي حريته واستقلاله وذاتيته، إنّ إلغاء الفرد والخاص هو إلغاء للعام. ومن البديهي أننا بإلغاء الفرد والخاص لا نلغي وجود الأفراد، بل نلغي العلاقات التي تشكل جوهرهم وماهيتهم، أي نلغي الأمة، وننتج حالة من التناثر الاجتماعي والقومي أشبه بحالة اجتماع حبات الرمل أو أفراد القطيع. 
وفي هذا السياق كتب مرقص « إذا ما ألغينا الأفراد وأكدنا الهوية لن يكون لدينا أي تطور، ولن يكون لدينا سوى جوهر وهمي للأمة، عندئذ لا نكون إزاء مسألة الهوية، بل بالأحرى إزاء عقدة الهوية، والفرق كبير، إلى ما لا نهاية، بين الهوية وعقدة الهوية. الهوية ذاتية حقيقية، ثقة بالذات، استقلال فعلي، حرية، حرية للإنسان فرداً ومجتمعاً وأمّة »(8).
لقد رأى مرقص أنّ الوحدة العربية، كما أسلفنا، شرط التقدم العربي، اللازم ولكن غير الكافي. وأنّ سيرورة تكوّن الأمة وأشكال وحدتها قد ارتبطت بمراحل النهوض والتقدم، كما ارتبطت التجزئة تاريخياً بالانحطاط والتراجع، وبالهيمنة العالمية لدول كبرى وقوى أجنبية. وأنّ النزوع الوحدوي لم يصبح واضحاً وجدياً في التاريخ العربي المعاصر إلا عندما نمت حركة الجماهير المعادية للإمبريالية، ولا سيما عندما أدركت القيادة الناصرية أنّ استقلال مصر الحقيقي يقتضي تصفية النفوذ الإمبريالي في العالم العربي، وعندما أدركت الجماهير والقيادات السورية أنّ درء الخطر الخارجي ومقاومة الأحلاف الاستعمارية غير ممكنين إلا بالوحدة، فكانت وحدة العام 1958 بين سورية ومصر التي سُحقت بسبب طابعها التقدمي المعادي للإمبريالية والصهيونية، فضلاً عن نزوعها إلى العدالة الاجتماعية. 
تلك التجربة، علّمت الياس مرقص أنّ العرب لن يتقدموا ثانية في طريق الوحدة العربية ما لم تتمكن قوى الثورة العربية من إعادة بناء الوعي القومي على أسس إنسانية وعلمانية وعقلانية وديمقراطية، وما لم تضع قضية الوحدة في محور عملها الاستراتيجي، وما لم تعٍٍٍٍِِِ أنّ السيرورة الوحدوية هي حركة جماع الأمة وليست مقصورة على طبقة أو فئة أو حزب، وأنها ـ بالتالي ـ صيحة احتجاج جماعية ضد التأخر والتجزئة والهيمنة الإمبريالية والاحتلال الاستيطاني الصهيوني.
وباعتبار أنّ القضية الفلسطينية هي أحد أهم قضايا المسألة القومية العربية، فقد انتقد الياس مرقص المقاومة الفلسطينية، في أوائل السبعينات، انتقاداً لاذعاً. ومما كتبه « لقد أرادت المقاومة الفلسطينية أن تكون الردَّ التاريخي على التقاعس العربي. فكان الغرور المقاوِم تبريراً للهروب العربي. أرادت المقاومة أن تكون انتشالاً للعرب من واقعهم الموضوعي الفاسد، فكانت ذاتية المقاومة « تعويضاً»  وتبريراً لهذا الواقع. الموضوع العربي والذات المقاومة وجهان متكاملان في عملة واحدة»(9).
المقاومة قالت: نحن المحور وأنتم المساندة. والشركاء قالوا: موافقون، أنتم المحور ونحن المساندة. الطرفان وجدا في ذلك مصلحتهما. الطرف الأول ـ الفلسطيني ـ وجد فيه مصلحته المعنوية (الذاتية، عظمة الأنا). والطرف الثاني ـ الشركاء العرب ـ وجد فيه مصلحته المادية تماماً (المصالح البترولية، مصالح البيروقراطيات العسكرية والأيديولوجية، مصالح اللعب السياسي مع « العالم « ضد مصر وضد الوحدة العربية). 
إنّ أيديولوجيا المقاومة قد « منحت براءة ذمّة وجواز مرور لجمعية المنتفعين بالقضية الفلسطينية. تلك هي وظيفتها الموضوعية، المشهودة في الواقع العياني»(10).
لقد أرادت المقاومة الفلسطينية، حسب الياس مرقص، أن تكون في واقعها وممارستها نفيـاً « نقيضاً « للواقع العربي والممارسة العربية، فكانت أيديولوجيتها تثبيتاً لهذا الواقع وهذه الممارسة. فلم تدرك المقاومة أنّ الفلسطينيين لا يستطيعون أن يقفوا ويتابعوا نضالهم بينما العرب قاعدون وراكعون. وقد قدّم في حينه مجموعة نصائح إلى المقاومة من أهمها « إنّ المقاومة الفلسطينية تملك ـ الآن ـ أن تجعل صوتها مسموعاً أكثر مما كان مسموعاً في 1968 بكثير. يكفي أن تُسمِعَ صوتها وأن يكون صوت حق. يكفي أن تصفع الديماغوجيا بكلتي يديها. يكفي أن تقطع الصلة مع المتاجرين بالقضية الفلسطينية. أن تقطع الصلة مع طاحونة الكلام العربية، مع النزعة الكلامية العربية «الأصيلة» التي يمقتها الشعب العربي، أن تضع الأشياء قبل الكلمات، أن لا تستخدم كلمات إلا للدلالة على الأشياء. 
أن تميّز الأقوال والأعمال، أن تجرَّ الدول إلى العمل، وأن تسمي القوّال قوّالاً. أن تسمي الدول بأسمائها. أن تجتث الذاتية من الجذور وأن تزرع الموضوعية ... أن تخفض صحفها وبياناتها وملصقاتها الجدارية وكل قطاع الإعلام والعلاقات العامّة بمقدار 95 %. أن تغلق 95% من مكاتبها. أن تمنع اللباس المبرقع فيما عدا ساحة القتال والتدريب .
وهكذا فإنّ الياس مرقص نقل المسألة القومية العربية، بكل منطوياتها، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وبكل مسائلها، من حقل التأمّل النظري والتطلّع الرومانسي والحنين إلى الماضي والتعلّق بالتراث والتقليد، إلى مستوى الواقعية والحداثة، مع فكرة الإنسان والتاريخ والتقدم. فقد نقلها من مستوى الوجود المجرد، الجوهري، اللاتاريخي، إلى الوجود المعيّن، فوضعها في إطار المجتمع المدني ودولة الحق والقانون، مؤكداً مضمونها العلماني الديمقراطي واتجاهها المستقبلي وبعدها الإنساني.
الهوامش
(1) وُلد إلياس مرقص في مدينة اللاذقيّة في العام 1929، ودرس فيها «مدرسة الفريـر»، وحصل على شهادة البكالوريا - قسم ثاني في العام 1945. سافر إلى بلجيكا ضمن عداد أوّل بعثة سوريّة في عصر الاستقلال، حيث درس في جامعة بروكسل الحرّة. حصل على شهادة مجاز في علم الاجتماع والتربية، وعمل في مجال التعليم في الفترة ما بين سنتي 1952-1979 في اللاذقيّة. انتسب إلى الحزب الشيوعيّ السوريّ في أواخر الأربعينات وتركه، أو طُرد منه، في العام 1957. ساهم في مجلة «دراسات عربيّة»، وإنشاء «دار الحقيقة»، وإصدار مجلة «الواقع» في بيروت، وتأسيس مجلة «الوحدة» في الرباط، إضافة إلى العديد من الندوات الفكريّة عربيًّا وعالميًّا. توفي بتاريخ 26 يناير/كانون الثاني 1991. بدأ التأليف والترجمة في العام 1955.
لم يترك مرقص لحظة من حياته إلّا ووظّفها فيما كان يسمّيه «جرد الواقع» والتعرّف عليه، وفي التحصيل المعرفيّ والفكريّ، الذي حوّله إلى متابع لتظاهرات الواقع العربيّ والعالميّ في حياة ووعي الإنسان، وإلى طالب معرفة لا يكلّ، يصل ليله بنهاره في عمل عقليّ دائب، قاده إلى طرق جميع مجاهل ودروب المعرفة على وجه التقريب، وإلى العمل طيلة نيّف وأربعين عامًا بوتيرة لا يكاد المرء أن يصدّق أنّ لها مثيلًا في حياتنا، تعرّف خلالها إلى التاريخ والاقتصاد والفلسفة والمنطق وعلم النفس والاجتماع والسياسة واللاهوت وتاريخ الفن والرياضيات. لقد كان الرجل يعتبر نفسه مناضلًا من أجل الحقيقة أكثر مما كان يرى في ذاته مناضلًا سياسيًّا، وكان يرفض رفضًا قاطعًا أيّ تنازل يمسّ علاقته بما يعتقد أنّه الحقيقة. ومن يقرأ كتبه سيجد أنّه قال أكثر الأفكار جرأة وخطورة دون خوف أو تردّد، وأنّه انتقد الواقع العربيّ والوطنيّ بصراحة وقسوة لا مثيل لها في لغة السياسة العربيّة المعاصرة.
(2) إلياس مرقص، الماركسية في عصرنا، بيروت: دار الطليعة، الطبعة الثانية، 1969، ص 127.
(3) إلياس مرقص، كما ورد في: طلال نعمة، إلياس مرقص: حوارات غير منشورة، الدوحة/قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ص 235
(4) طلال نعمة، إلياس مرقص: حوارات غير منشورة،مصدر سابق، ص 235 وما بعدها.
(5) مرقص، إلياس، نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1966،
(6) نفسه
(7) نفسه
(8) مرقص، إلياس، نقد الفكر القومي عند ساطع الحصري،مرجع سابق
(9) مرقص، إلياس، نقد الفكر المقاوم / الجزء الأوّل: عفويّة النظريّة في العمل الفدائي، بيروت: دار الحقيقة، ط1، 1970،
(10) نفسه